فهرس الكتاب
7215 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد بن مُسَربل الأسدي البصري الحافظ أبو الحسن، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ [1] ) أي ابن سعدٍ التَّميمي مولاهم البصري التَّنوري (عَنْ أَيُّوبَ) أي ابن أبي تميمة السَّختياني (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين أم الهذيل البصرية الفقيهة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبة _ بنون مضمومة وسين مهملة وبعد التحتية موحدة _ مصغرًا، بنت الحارث الأنصاريَّة، وقيل بفتح النون أيضًا.
ومرَّ في (( كتاب الزَّكاة ) )ما يُوهم أنَّها غير أمِّ عطية حيث قالت (( عن أمِّ عطية قالت بُعث إلى نسيبة بشاةٍ ) )، لكن الصَّحيح أنَّها هي إيَّاها لا غيرها.
أنَّها (قَالَتْ بَايَعْنَا) بسكون العين، وإن صحَّت الرِّواية بصيغة الغائب، فالمعنى صحيحٌ (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بلفظ الجمع؛ أي قرأ قوله تعالى في سورة الممتحنة ( {أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة 12] وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ) على الميت (فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ) لم تسمَّ، وهي أمُّ عطية أبهمتْ نفسها (مِنَّا) أي من المبايعات (يَدَهَا) عن المبايعة، فيه إشعارٌ بأنهنَّ كنَّ يبايعنَ بأيديهنَّ، لكن لا يلزم من مدِّ اليد المصافحة، فيحتمل أن يكون بحائلٍ من ثوب ونحوه كما مرَّ، أو المراد يقبضِ اليد التَّأخر عن القبول.
(فَقَالَتْ) يا رسول الله (فُلاَنَةُ) غير منصرفٍ لم تسم (أَسْعَدَتْنِي) أي أقامت معي في النِّياحة على ميت (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها زاي؛ أي أكافيها على إسعادها بالنِّياحة، وذهبت لأنْ تساعدها أو لغيره ورجعت وبايعها
ج 29 ص 640
(فَلَمْ يَقُلْ) صلى الله عليه وسلم لها (شَيْئًا) بل سكت (فَذَهَبْتُ ثُمَّ رَجَعَتْ) فإن قيل لِمَ ما قال صلى الله عليه وسلم شيئًا لها وسكت عنها ولم يزجرها؟ فالجواب لعلَّه عرف أنَّه ليس من جنس النِّياحة المحرَّمة، أو ما التفت إلى كلامها حيث بيَّن حكم النِّياحة لهنَّ، أو كان جوازها من خصائصها. وعند النَّسائي من رواية أبي أيُّوب (( فأذهب فأُسْعِدها ثمَّ أجيئك فأبايعك، قال اذهبي فأسعديها، قالت فذهبت فساعدتها، ثمَّ جئتُ فبايعته ) ).
وقال النَّووي وهذا محمولٌ على التَّرخيص لأمِّ عطية خاصَّة، وللشَّارع أن يخصَّ من العموم ما شاء. انتهى.
وأُورد عليه غيرُ أمِّ عطية كما سبق في (( تفسير سورة الممتحنة ) ) [خ¦4892] ، فلا خصوصيَّة لأمِّ عطية، واستدلَّ به بعض المالكيَّة على أنَّ النياحة ليست حرامًا، وإنَّما المحرَّم ما كان معه من شيءٍ من أفعال الجاهليَّة من نحو شق جيب، وخَمْش وجه. وفي المسألة أقوال
منها أنَّه كان قبل التَّحريم.
ومنها أنَّ قوله في الرِّواية الأخرى (( إلَّا آل فلان ) )، فليس فيه نصٌّ على أنَّها تساعدهم بالنِّياحة، فيمكن أن تساعدهم بنحو البكاء الَّذي لا نياحة معه. وأقرب الأوجه أنَّها كانت مباحةً، ثمَّ كُرهت كراهة تنزيه، ثمَّ كراهة تحريمٍ.
قالت أمُّ عطية (فَمَا وَفَتِ امْرَأَةٌ) بتخفيف الفاء بترك النَّوح ممَّن بايع معي (إِلاَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) بنت ملحان والدة أنسٍ، واسمها مُلَيكة (وَأُمُّ الْعَلاَءِ) امرأةٌ من الأنصار من المبايعات، قاله ابن عبد البرِّ، ونسبها غيره فقال بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة الأنصاريَّة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودها في مرضها (وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة (امْرَأَةُ مُعَاذٍ) أي ابن جبلٍ رضي الله عنهما (أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ) بواو العطف، وقد مرَّ في (( الجنائز ) )في (( باب ما ينهى من النَّوح والبكاء ) ) [خ¦1306] (( فما وفت منَّا امرأةٌ غير خمس نسوة أمُّ سليم، وأمُّ العلاء، وابنة أبي سَبْرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو بنت أبي سبرة، وامرأة معاذٍ، وامرأة أخرى ) ).
والشَّكُّ من الرَّاوي هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذٍ، أو هي غيرها؟
قال الحافظ العَسقلاني والَّذي يظهر لي أنَّ الرِّواية بواو العطف أصحُّ؛ لأنَّ امرأة معاذٍ هي أمُّ عمر بنت خلاد بن عمر السلمية، ذكرها ابن سعدٍ، فعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها.
وفي «الدَّلائل» لأبي موسى من طريق حفصة، عن أمِّ عطية (( وأمِّ معاذ بنت أبي سبرة ) )، وفي رواية ابن عون، عن ابن سيرين، عن أمِّ عطية
ج 29 ص 641
(( فما وفت غير أم سُليم، وأم كلثوم، وامرأة معاذ بن أبي سَبْرة ) )كذا فيه، والصَّواب ما في «الصحيح» (( امرأة معاذٍ، وبنت أبي سَبْرة ) )، ولعلَّ بنت أبي سبرة يُقال لها أم كلثوم، وإن كانت الرِّواية الَّتي فيها أمُّ معاذ، محفوظة، فلعلَّها أمُّ معاذ بن جبل، وهي هند بنت سهل الجهنيَّة، ذكرها ابن سعدٍ أيضًا.
وعرف بمجموع هذا النسوة الخمس المذكورات في (( الجنائز ) )، وهنَّ أمُّ سُليم، وأم العلاء، وأم كلثوم، وأم عَمرو، وهند إن كانت الرِّواية محفوظة.
وإلَّا فالخامسة أمُّ عطية، كما في الطَّبراني من طريق عاصم، عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة (( فما وفت غيري، وغير أمِّ سُليم ) ). كما أخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» من طريق هشام بن حسَّان، عن حفصة، عن أمِّ عطية قالت (( كان فيما أخذ علينا أن لا ننوح ) )الحديث، وفي آخره وكانت لا تعدُّ نفسها لأنَّها لمَّا كانت يوم الحرَّة لم تزل النِّساء بها حتَّى قامت معهنَّ، فكانت لا تعدُّ نفسها لذلك.
ففيه ردٌّ للسَّابق، ويجمع بأنَّها تركت نفسها من يوم الحرَّة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( الجنائز ) ) [خ¦1306] .
[1] في الأصل عبد الواحد، وقال في الهامش في نسخة عبد الوارث. وهو موافق لليونينية لذلك أثبته.