فهرس الكتاب
7288 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويسٍ ابن أخت مالكٍ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) أي اتركوني مدَّة تركي إيَّاكم؛ يعني لا آمر بشيءٍ، ولا أنهى عن شيءٍ، أو لا تكثروا في الاستفصال، فإنَّه قد يُفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أُمروا بذبحِ البقرة، فشدَّدوا فشدَّد الله عليهم، وإنَّما غاير بين اللَّفظين؛ لأنَّ الماضي أُميت من باب يَدَعُ، وأمَّا قراءة (( ما ودَعَك ربُّك وما قلى ) )فشاذَّةٌ، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلة وطائفةٌ. وقال الشَّاعر
~وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السَّمُرِ
ويحتمل أن يكون ذَكَرَ ذلك على سبيل التَّفنن في العبارة، وإلَّا لقال اتركوني ما تركتكم.
(إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ) بالموحدة؛ أي بسبب سؤالهم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بزيادة الهمزة المفتوحة من الثُّلاثي المزيد بإسقاط الموحدة مرفوع فاعله، و عُطف عليه (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ) ويُروى (فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي افعلوا قدر استطاعتكم. وفي رواية هَمَّامٍ (( وإذا أمرتكم بالأمر فأتمِروا ما استطعتم ) )وفي رواية محمد بن زيِّاد (( فافعلوا ) ). وهذا كما قال النَّووي من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه كثيرٌ من الأحكام كالصَّلاة لمن عجز عن ركنٍ أو شرطٍ فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوءُ
ج 30 ص 24
وسترُ العورة، وحفظُ بعض الفاتحة، وإخراجُ بعض زكاة الفطر لمن لم يَقْدِر على الكلِّ، والإمساكُ في رمضان لمن أفطر بالعذر ثمَّ قدر في أثناء النَّهار، إلى غير ذلك من المسائل الَّتي يطول شرحها.
وقال غيره فيه لا يسقط عنه المقدورُ، وعبَّر عنه بعض الفقهاء بأنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قَدِرَ عليه من أركان الصَّلاة بالعجز عن غيره، وتصحُّ توبة الأعمى عن النَّظر المحرَّم، والمجبوب عن الزِّنا؛ لأنَّ الأعمى والمجبوب قادران على النَّدم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العودِ، إذ لا يتصوَّر منهما العَوْدُ عادةً فلا معنى للعزم على عدمه.
واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ اعتناء الشَّرع بالمنهيَّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنَّه أطلق الاجتناب في المنهيَّات، ولو مع المشقَّة في التَّرك، وقُيِّد في المأمورات بقدر الطَّاقة.
وهذا منقولٌ عن الإمام أحمد. وقيل إنَّ الكفَّ عن المعاصي تركٌ وهو سهلٌ، وعمل الطَّاعة فعلٌ وفيه مشقَّة، فلذلك لم يُبح ارتكابَ المعصية، ولو مع العذر؛ لأنَّه تركٌ، والتَّرك لا يعجز عنه المعذور، وأُبيح ترك في العمل بالعذرِ؛ لأنَّ العمل قد يعجز المعذور عنه.
وادَّعى بعضهم أنَّ قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16] يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيِّ، وقد قيِّد بالاستطاعة، فاستويا.
فحينئذٍ تكون الحكمة فتح في تقييد الحديث بالاستطاعةِ في جانب الأمر دون النَّهي أنَّ العجز يكثر تصوُّره في الأمر بخلاف النَّهي، فإنَّ تصوُّرَ العجز فيه محصورٌ في الاضطرار بقوله تعالى {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام 119] ، ولا يَرِدُ الإكراه؛ لأنَّه مندرجٌ في الاضطرار، وزعم بعضهم أنَّ قوله {اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} نُسِخ بقوله تعالى {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102] .
والصَّحيح أنَّ لا نسخ، بل المراد بـ {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102] امتثال أمره، واجتناب نهيهِ مع القدرة، لا مع العجزِ، فليفهم.
واستدلَّ بهذا الحديث أيضًا على أنَّ جميع الأشياء على الإباحة حتَّى يثبت المنع من الشَّارع، واستُدلَّ به أيضًا على النَّهي عن كثرة السُّؤال، والتَّعمُّق في ذلك. قال البغويُّ في «شرح السنة» المسائل على وجهين أحدهما ما كان على وجه التَّعلُّم؛ لِمَا يُحتاج إليه من أمر الدِّين فهو جائزٌ، بل مأمورٌ به؛ لقوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل 43] الآية، وعلى ذلك تتنزَّل أسئلة الصَّحابة رضي الله عنهم عن الأنفال والكلالة وغيرهما.
ثانيهما ما كان على وجه التَّعنت والتَّكلف، وهو المراد في هذا الحديث. ويؤيِّده ورود الزَّجر في الحديث عن ذلك، وذمُّ السَّلف إيَّاه، فعند أحمد من حديث معاوية رضي الله عنه
ج 30 ص 25
أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات. وقال الأوزاعيُّ هي شدادُ المسائل. وقال أيضًا إنَّ الله إذا أرادَ أن يَحْرِم عبده بركة العلم ألقى على لسانهِ المغاليط، فلقد رأيتُهم أقلَّ النَّاس علمًا.
وقال ابنُ وهبٍ سمعتُ مالكًا يقول المراء في العلم يَذْهبُ بنورِ العلم من قلب الرَّجل. وقال ابن العربيِّ كان النَّهي عن السُّؤال في العهد النَّبوي خشية أن ينزلَ ما يشقُّ عليهم، فأمَّا بعدَه فقد أُمِن ذلك، لكن كثر النَّقل عن السَّلف بكراهةِ الكلام في المسائل الَّتي لم تقع. قال وإنَّه لمكروهٌ، وإن لم يكن حرامًا إلَّا للعلماء، فإنَّهم فرَّعوا ومهَّدوا، فنفعَ الله من بعدهم بذلك، ولاسيَّما مع ذهابِ العلماء، ودروس العلمِ. انتهى ملخَّصًا.
وينبغي أن يكون محلُّ الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عمَّا هو أهمَّ منه، وكان ينبغِي تلخيصَ ما يكثر وقوعه مجرَّدًا عمَّا يَنْدُر، ولاسيَّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله، والله المستعانُ.
وفي الحديث إشارةٌ إلى الاشتغال بالأهمِّ المحتاج إليه عاجلًا عمَّا لا يحتاج إليه في الحال، فكأنَّه قال عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النَّواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسُّؤال عمَّا لم يقع، فينبغي للمسلم أن يبحثَ عمَّا جاء عن الله ورسوله، ثمَّ يجتهد في تفهُّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثمَّ يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميَّات تشاغلَ بتصديقه، واعتقاد حقِّيته، وإن كان من العمليات بذل وسْعه في القيام به فعلًا وتركًا، فإن وجدَ وقتًا زائدًا على ذلك، فلا بأسَ بأن يصرفَه في الاشتغال بتعرُّف حكم ما سيقعُ على قصدِ العملِ به أن لو وقع.
فأمَّا إن كانت الهمَّة مصروفةٌ عند سماع الأمر، والنَّهي إلى فرض أمورٍ قد تقعُ وقد لا تقع، مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمعَ، فإنَّ هذا ممَّا يدخلُ في النَّهي، فالتَّفقُّه في الدِّين إنَّما يُحمد إذا كان للعمل لا للمِراء والجدلِ، والله الموفِّق.
ثمَّ إنَّ سبب هذا الحديث على ما ذكره مسلم من رواية محمد بن زيَّاد، عن أبي هريرة رضي الله عنه خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال (( يا أيُّها النَّاس قد فُرِضَ عليكم الحجَّ فحُجُّوا ) )فقال رجلٌ أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكتَ، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو قلتُ نعم لوجبت، ولَما استطعتُم ) )ثمَّ قال (( ذرونِي ما تركتكُم ... ) )الحديث.
وأخرجه الدَّارقطني مختصرًا، وزاد فيه (( فنزلت {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة 101] ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من معنى الحديث؛
ج 30 ص 26
لأنَّ الَّذي يجتنب عمَّا نهاه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، ويأتمرُ بما أمره به، يكون ممَّن اقتدى بسُنن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
والحديث من أفراده بهذا الوجهِ.