فهرس الكتاب
7296 - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بتشديد الموحدة آخره حاء مهملة الواسطيُّ، قال (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشين المعجمة والموحدة المخففة وبعد الألف موحدة أخرى، ابن سَوَّار _ بفتح السين المهملة وتشديد الواو _، قال (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) مؤنَّث الأوَرْق _ بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف مهموز ممدود _، هو ابن عمرٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن معمر بن حزمٍ، هو أبو طُوَالة _ بضم الطاء المهملة وتخفيف الواو _ الأنصاري قاضي المدينة، أنَّه قال (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَبْرَحَ) بالموحدة والحاء المهملة؛ أي لن يزال (النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) وفي رواية المستملي بتشديد السين، والتَّساؤل جريان السُّؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجري بينهم السُّؤال في كلِّ نوعٍ.
(حَتَّى يَقُولُوا) أي حتَّى أن يقولوا، ويجوز أن يكون بين العبد والشَّيطان، أو النَّفس حتَّى يبلغَ إلى أن يقال (هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) أي هذا مُسَلَّمٌ، وهو أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيءٍ، وهو شيءٌ وكلُّ شيءٍ مخلوقٌ (فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ) وفي رواية عروة (( هذا خلقُ الله الخلق ) ). وفي رواية مسلم أيضًا، وفي رواية البخاريِّ في «بدء الخلق» ، من رواية عروة أيضًا [خ¦3276] (( يأتي الشَّيطان العبد أو أحدكم، فيقول مَن خلق كذا وكذا، حتَّى يقول من خلق ربُّك ) ). وفي لفظٍ لمسلم (( من خلق السَّماء من خلق الأرض، فيقول الله ) ). وفي رواية المختار بن فلفلٍ، عن أنسٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال عزَّ وجلَّ إنَّ أمَّتك لا تزال تقول ما كذا؟ ما كذا؟ حتَّى يقولوا هذا الله خلقَ الخلق ) ). وفي رواية البزار من وجهٍ آخر، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا يزال النَّاس يقولون كان الله قبل كلِّ شيءٍ، فمَن كان قبله؟ ) ).
قال التُّوربشتيُّ (( هذا خلقَ اللهُ الخلق ) )يحتمل أن يكون (( هذا ) )مفعولًا، والمعنى حتَّى يقال هذا القول، وأن يكون مبتدأً حذف خبره؛ أي هذا الأمر قد عُلم، ويحتمل أن يكون (( هذا الله ) )مبتدأ وخبرًا، أو (( خالق كلِّ شيءٍ ) )خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو خالق كلِّ شيءٍ، ويحتمل أن يكون (( هذا ) )مبتدأً، و (( الله ) )عطف بيانٍ، و (( خالق كلِّ شيءٍ ) )خبره.
قال الطِّيبي والأولى أن يكون (( هذا ) )مبتدأٌ حُذِف خبره، تقديره هذا مقرَّرٌ معلوم، وهو أنَّ الله تعالى خلق الخلق وهو شيءٌ، وكلُّ شيءٍ مخلوقٌ، فمن خلقه؟ فيظهر ترتُّب ما بعد الفاء على ما قبلها في (( فمَنْ خلق الله ) ). وفي رواية «بدء الخلق» [خ¦3276] (( من خلق ربُّك ) )، وزاد (( فإذا بلغه فليستعِذ بالله، ولينتهِ [1] ، فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل آمنت بالله ) )وزادَ في أخرى (( ورسله ) ). وفي رواية أبي داود والنَّسائي من الزِّيادة (( فقولوا {اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص 1 - 2] السُّورة، ثمَّ يَتْفِلُ عن يساره، ثمَّ ليستعذ ) ).
والحكمة في قوله الصِّفات الثَّلاث أنَّها منبِّهة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقًا، أمَّا «أحدٌ» فمعناه الَّذي لا ثاني له ولا مثل، فلو فرضَ مخلوقًا لم يكن أَحَدًَا على الإطلاق، وكذا «الصَّمد» .
وفي رواية أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها (( فإذا وجد أحدكم ذلك فليقُل آمنت بالله ورسوله، فإنَّ ذلك يُذهب عنه ) ). ولمسلم في رواية أبي سَلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو الأوَّل، وزاد (( فبينا أنا في المسجد، إذ جاء ناسٌ من الأعراب ) )، فذكر سؤالهم عن ذلك، وأنَّه رماهم بالحصى، وقال (( صدق خليليَّ ) ). وله في رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( صدقَ الله ورسوله ) ).
قال ابن بطَّالٍ في حديث أنسٍ رضي الله عنه الإشارة إلى ذمِّ كثرة السُّؤال؛ لأنَّها تُفضي إلى المحذور كالسُّؤال المذكور، فإنَّه لا ينشأ إلَّا عن جهلٍ مُفرطٍ. وقد ورد بزيادةٍ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا يزال الشَّيطان يأتي أحدكُم فيقول مَن خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلقَ الله؟ فإذا وجدَ ذلك أحدكم، فليقل آمنت بالله ) ). وفي روايةٍ (( ذاك صريحُ الإيمان ) )، ولعلَّ هذا هو الَّذي أراده الصَّحابيُّ فيما أخرجه أبو داود.
ومن رواية سُهيل
ج 30 ص 36
بن أبي صالحٍ عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ناسٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فقالوا يا رسول الله، إنَّا نجد في أنفسنا الشَّيء يَعْظُم أن نتكلَّم به ما نحبُّ أنَّ لنَّا الدُّنيا وإنَّا تكلَّمنا به، فقال (( أوقَد وجدتموه، ذاك صريح الإيمان ) ). وفي رواية ابن أبي شَيبة من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما جاء رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إنِّي أحدِّث نفسي بالأمر لأن أكون حُمَمة أحبَّ إليَّ من أن أتكلَّم به، قال الحمد لله الَّذي ردَّ أمره إلى الوسوسة ) ).
ثمَّ نقل عن الخطَّابي المراد بـ «صريح الإيمان» هو الَّذي يعظم في نفوسهم أن يتكلَّموا به، ويمنعهم من قبول ما يُلقي الشَّيطان، فلولا ذلك لم يتعاظم في أنفسهم حتَّى أنكروه، وليس المراد أنَّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل هي من قِبَل الشَّيطان وكيده.
وقال الطِّيبي قوله (( نجد في أنفسنا الشَّيء ) ) [خ¦3276] ؛ أي القبيح نحو ما تقدَّم في حديث أنسٍ، وأبي هريرة رضي الله عنهما. وقوله (( يعظم أن نتكلَّم به ) )أي للعلم بأنَّه لا يليق أن نعتقدَه. وقوله (( ذاك صريحُ الإيمان ) )أي عِلْمُكم بقبح تلك الوساوس، وامتناع قبولكم ووجودكم النَّفرةَ عنها دليلٌ على خلوص إيمانكم، فإنَّ الكافرَ يصرُّ على ما في قلبه من المُحال، ولا ينفرُ عنه. وقوله في الحديث الآخر (( فليستعذْ بالله ولينتَه ) ) [خ¦3276] أي ليترك التَّفكُّر في ذلك الخاطر، وليستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التَّفكُّر.
والحكمة في ذلك أنَّ العلم باستغناء الله تعالى عن كلِّ ما يوسوسه الشَّيطان أمرٌ ضروريٌّ لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة، فإن وقع شيءٌ من ذلك فهو من وسوسة الشَّيطان، وهي غيرُ متناهيةٍ، فمهما عُورض بحجَّةٍ يجد مسلكًا آخر من المغالطة والاسترسال، فيضيع الوقت إن سَلِم من فتنتهِ، فلا تدبير في دفعه أقوى من الإلجاءِ إلى الله تعالى بالاستعاذة به، كما قال تعالى {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف 200] الآية.
وقال المهلَّب قوله (( صريح الإيمان ) )يعني الانقطاعُ في إخراج الأمر إلى ما لا نهايةَ له، فلا بدَّ عند ذلك من إيجاب خالقٍ لا خالق له؛ لأنَّ المتفكِّر العاقل يجد للمخلوقات كلِّها خالقًا لأثر الصَّنعة فيها، والحدث الجاري عليها، والخالق بخلاف هذه الصِّفة، فوجب أن يكون لكلٍّ منها خالقٌ لا خالق له، فهذا هو صريحُ الإيمان، لا البحث الَّذي هو من كيد الشَّيطان المؤدِّي إلى الحيرة.
وقال ابنُ بطَّالٍ فإن قال الموسوس فما المانع أن يخلقَ الخالق نفسه؟ قيل له هذا ينقضُ بعضه بعضًا؛ لأنَّك أثبت خالقًا، وأوجبت وجوده، ثمَّ قلت يخلق نفسه، فأوجبت عدمهُ. والجمع بين كونه موجودًا ومعدومًا فاسدٌ لتناقضه؛ لأنَّ الفاعل يتقدَّم وجوده على وجود فعلهِ،
ج 30 ص 37
فيستحيل كون نفسه فعلًا له. قال وهذا واضحٌ في حلِّ هذه الشُّبهة، وهو يفضي إلى صريحِ الإيمان. انتهى ملخَّصًا موضحًا.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم، فعزوُه إليه أولى. ولفظه إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن نتكلَّم به؟ قال (( وقد وجدتُموه؟ ) )قالوا نعم، قال (( ذاك صريحُ الإيمان ) ).
وأخرج بعده من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه سُئل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال (( تلك محضُ الإيمان ) ). وحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخرجه أبو داود، والنَّسائي، وصحَّحه ابن حبَّان.
وقال ابن التِّين لو جاز لمخترع الشَّيء أن يكون له مخترعٌ لتسلسل، فلا بدَّ من الانتهاء إلى موجدٍ قديمٍ، والقديم من لا يتقدَّمه شيءٌ، ولا يصحُّ عدمه، وهو فاعلٌ لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى.
وقال الكرمانيُّ ثبت أنَّ معرفة الله بالدَّليل فرض عينٍ أو كفاية، والسُّؤال عنها واجبٌ؛ لأنَّ الطَّريق إليها بالسُّؤال عنها متعيَّن؛ لأنَّه مقدِّمتها، لكن لمَّا عُرف بالضَّرورة أنَّ الخالق غير مخلوق، أو بالكسب الَّذي يقارب الصدق، كان السُّؤال عن ذلك تعنُّتًا، فيكون الذَّم يتعلق بالسُّؤال الَّذي يكون على سبيل التعنُّت، وإلَّا فالتوصل إلى معرفة ذلك، وإزالة الشُّبهة عنه صريحُ الإيمان، إذ لا بدَّ من الانقطاع إلى من لا يكون له خالق دفعًا للتَّسلسل.
وحُكي أنَّ نحو هذه المسألة وقعت في زمن الرَّشيد في قصَّةٍ له مع صاحب الهند، وأنَّه كتب إليه هل يقدر الخالق أن يخلقَ مثله؟ فسأل أهلَ العلمِ، فبدر شابٌّ، فقال هذا السُّؤال محالٌ؛ لأنَّ المخلوق مُحْدَثٌ، والمُحْدَثُ لا يكون مثل القديم، فاستحالَ أن يقال يقدر أن يخلقَ مثلهُ أو لا يقدر، كما يستحيلُ أن يقال في القادر العالم أن يصيرَ عاجزًا جاهلًا.
ومطابقة الحديث للجزء الأوَّل من التَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراده من هذا الوجه.
[1] في هامش الأصل أي عن التفكر في هذا الخاطر. منه.