فهرس الكتاب

الصفحة 10798 من 11127

7301 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي) حفص بن غيَاثٍ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مَهران، قال (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) قال الكرمانيُّ يحتمل أن يكون هو ابن صُبيحٍ مصغَّر صبح، ويحتمل أن يكون ابن أبي عمران البَطين _ بفتح الموحدة_؛ لأنَّهما يرويان عن مسروق والأعمش يروي عنهما.

وقال الحافظ العسقلانيُّ هو أبو الضُّحى مشهورٌ بكُنيته أكثر من اسمه، وقد وقع عند مسلم مصرَّحًا به في رواية جرير عن الأعمش، فقال عن أبي الضُّحى. قال العينيُّ وكذا نصَّ عليه الحافظ المزيُّ، فقال مسلم بن صُبيحٍ أبو الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشة رضي الله عنها، ثمَّ ذكر الحديث.

(عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيِّ، أنَّه (قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيْهِ) أي أسهل فيه مثل الإفطار في بعض الأيَّام، والصَّوم في بعضها في غير رمضانِ، ومثل التَّزوُّج، وثبت قوله «فيه» في رواية أبي ذرٍّ.

(وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ) أي احترزوا عنه بأن سردوا الصَّوم واختاروا العزوبة، وأشار ابن بطَّالٍ إلى أنَّ الَّذي تنزَّهوا عنه القُبْلة للصَّائم، وقال غيره لعلَّه الفطر في السَّفر (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ) بكسر الميم، وزاد أبو ذرٍّ (ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ) أي يتباعدُون ويحترزون (عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ) قوله (( أصنعه ) )في موضع نصبٍ على الحال من الشَّيء.

(فَوَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ) أي بغضب الله وعقابه؛ يعني أنا أفعل شيئًا من المباحات كالنَّوم والأكل في النَّهار والتَّزوج، وقوم يحترزون عنه، فإن احترزوا عنه لخوف عذابِ الله، فإني أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم (وَأَشَدُّهُمْ لَهُ) تعالى (خَشْيَةً) فأنا أولى أن أحترزَ عنه، وكان ينبغي لهم أن يجعلوا عدم تنزُّههم عن المرخَّص مسبَّبًا عن عمله صلى الله عليه وسلم فعكسوا، فأُنكر عليهم.

وقال الدَّاودي التَّنزُّه عمَّا رخَّص فيه الشَّارع من أعظم الذُّنوب؛ لأنَّه يرى نفسه

ج 30 ص 45

أتقى لله من رسوله، وهذا إلحادٌ.

قال الحافظ العسقلانيُّ لا شكَّ في إلحاد من اعتقد ذلك، ولكنَّ الَّذي اعتلَّ به من أُشير إليهم في الحديث، وهم ما رُوي في حديث أنس رضي الله عنه [خ¦5063] أنَّه جاء ثلاثة رهطٍ إلى أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا أخبروا بها كأنَّهم تقالوها فقالوا أين نحن من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟

أي إنَّ بيننا وبينه بونًا بعيدًا، فإنَّا على صدد التَّفريط وسوء العاقبة، وهو معصومٌ مأمون العاقبة، وأعمالنا جُنَّة من العقاب وأعماله مجلبةٌ للثَّواب، فردَّ صلى الله عليه وسلم ما اختاروا لأنفسهم من الرَّهبانية بأنَّ ما استأثرتم من الإفراط في الرِّياضة لو كان أحسن من العدل الَّذي أنا عليه؛ لكنتُ أولى بذلك.

ففيه أنَّ العلَّة الَّذي اعتلَّ بها من أُشير إليهم في الحديث أنَّه غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.

وحاصله ما قال الحافظ العسقلانيُّ أنَّه صلى الله عليه وسلم إذا ترخَّص في شيءٍ لم يكن مثل غيره ممَّن لم يُغفر له ذلك، فيحتاج الَّذي لم يُغفر له إلى الأخذ بالعزيمة والشِّدة لينجو، فأعلمهم صلى الله عليه وسلم أنَّه وإن كان غفر الله له، لكنَّه مع ذلك أخشى النَّاس لله وأتقاهُم، فمهما فعله صلى الله عليه وسلم من عزيمةٍ ورخصةٍ، فهو فيه في غاية التَّقوى والخشية لم يحمله التفضُّل بالمغفرة على ترك الجدِّ في العمل قيامًا بالشُّكر.

ومهما ترخَّص فيه؛ فإنَّما هو للإعانة على العزيمة؛ ليعملها بنشاطٍ.

واستُفيد منه أنَّ الخير في الاتِّباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرُّخصة، وأنَّ استعمال الرُّخصة بقصد الاتِّباع في المحلِّ الَّذي وردت أولى من استعمال العزيمة، بل ربَّما كان استعمال العزيمة حينئذٍ مرجوحًا كما في إتمام الصَّلاة في السَّفر، وربَّما كان مذمومًا إذا كان رغبةً عن السُّنة كترك المسح على الخفَّين، كذا قرر الحافظ العسقلانيُّ.

وفي الحديث بيان حُسن خلقه، والحثُّ على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، والنَّهي عن التَّعمُّقِ، وذمِّ التَّنزه عن المباح شكًّا في إباحته. وقد أشار بقوله (( أعلمهم بالله ) )إلى القوَّة العليَّة، وبقوله (( وأشدُّهم خشيةً ) )إلى القوَّة العملية، ففيه أنَّ العلم بالله يوجبُ اشتداد الخشية.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( فرخَّص فيه، وتنزَّه قومٌ ) )فإنَّ تنزُّههم عمَّا رُخِّص فيه تعمَّقٌ.

وقد سبق الحديث في «باب مَن لم يواجه في العتاب» ، من «كتاب الأدب» [خ¦6101] .

ج 30 ص 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت