فهرس الكتاب

الصفحة 10802 من 11127

7305 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ الإمام، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، ابن الحَدَثان _ بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة _ ابن عوف بن ربيعةَ بن سعيد بن يربوع بن واثلة بن دهمانَ بن نصر بن معاوية بن بكرِ بن هوازن (النَّصْرِيُّ) بفتح النون وسكون الصاد المهملة، كما قاله الكِرمانيُّ، وعليها علامة الإهمال في الفرع مصحَّحًا عليها.

وضبطها العينيُّ بالضاد المعجمة، ونسبه إلى النَّضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياسِ بن مُضر، وقال وفي هَمْدان أيضًا النَّضر بن ربيعة. قال ابنُ دريد النَّضر الذهب. انتهى.

وتعقَّبه القسطلانيُّ بأنَّ الَّذي قاله لا أعرفه، والمعروف أنَّه بالمهملة نسبة لجدِّه الأعلى نصر بن معاوية كما مرَّ. يُقال إنَّ لأبيه صحبةً، وكذا قيل لولده مالك.

قال ابن شهابٍ (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) بكسر المعجمة وسكون الكاف (مِنْ ذَلِكَ) أي الحديث الآتي (فَدَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ) أي ابن أوسٍ (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك الحديث (فَقَالَ انْطَلَقْتُ حَتَّى) أي إلى أن (أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) رضي الله عنه عبَّر بالمضارع في موضع الماضي مبالغةً؛ لإرادة استحضار صورة الحال، فجلست

ج 30 ص 51

عندهُ فبينا أنا جالسٌ (إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ) بفتح التحتية وسكون الراء وبالفاء مهموزًا وغير مهموزٍ.

قال الحافظ العسقلانيُّ وروايتنا بالهمز من طريق أبي ذرٍّ، وكان يرفأُ من موالي عمر رضي الله عنه أدرك الجاهليَّة، ولا تُعرف له صحبةٌ.

(فَقَالَ) له (هَلْ لَكَ) أي رغبةً (فِي عُثْمَانَ) أي ابن عفَّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام (وَسَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنهم (يَسْتَأْذِنُونَكَ) في الدُّخول عليك (قَالَ) عمر رضي الله عنه (نَعَمْ) فأذِن لهم (فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا) زاد في «فرض الخمس» [خ¦3094] (( ثمَّ جلس يرفأ يسيرًا ) ).

(فَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي) دخول (عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالبٍ (وَعَبَّاسٍ) عمِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر نعم (فَأَذِنَ لَهُمَا) فلمَّا دخلا (قَالَ الْعَبَّاسُ) لعمر (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالِمِ اسْتَبَّا) بلفظ التثنية؛ أي تخاشَنا في الكلام، وتكلَّما بغليظ القول كالمستَبين.

وقال الدَّاوديُّ يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يدَّعي أنَّه هو المظَّلوم في هذا الأمر، وليس المراد أنَّ عليًّا سبَّ العبَّاس بغير ذلك لأنَّه كأبيه، وليس للولد ذلك، ولا أنَّ العبَّاس سبَّ عليًّا بغير ذلك لفضل علي، ولأنَّه كالوالد له، وليس للوالد لمن هو كولده ذلك.

وأراد بقوله (( الظَّالم ) )عليًّا وليس مراده أنَّه ظالمٌ للنَّاس، وأنَّ الظُّلم من شيمهِ وأخلاقه معاذ الله، وإنَّما يريد الظَّالم لي في هذا الأمر على ما ظهر له، أو هي كلمةٌ لا يُراد بها حقيقتها، أو الظُّلم وَضْعُ الشَّيء في غير موضعه، وهو متناولٌ للصَّغيرة، وللخصلة المباحة الَّتي لا تليق به عرفًا.

وفي الجملة حاشا لعليٍّ رضي الله عنه أن يكون ظالمًا، والعبَّاس أن يصيرَ ظالمًا بنسبة الظُّلم إلى عليٍّ رضي الله عنهما، فلا بدَّ من التَّأويل.

فقال الحافظ العسقلانيُّ في الكلام حذف تقديره أي هذا الظَّالم إن لم يُنصف، أو هذا كالظَّالم.

وقال المازريُّ هذا اللَّفظ لا يليق بالعبَّاس، وحاشا عليًا من ذلك، فهو سهو من الرُّواة، وإن كان لا بدَّ من صحَّته، فيأوَّل بأنَّ العبَّاس تكلَّم بما لا يعتقد ظاهره، فأراد مبالغةً في الزَّجر وردعًا لِمَا يعتقد أنَّه مخطئٌ فيه، ولهذا لم ينكره أحدٌ من الصَّحابة لا الخليفة ولا غيره مع تشدُّدهم في إنكار المنكر؛ لأنَّهم فهموا بقرينة الحال أنَّه لا يريد به الحقيقة. انتهى.

وفي «الخمس» [خ¦3094] (( اقضِ بيني وبين هذا ) )ولم يقل الظَّالم، ولم يذكر أن عليًّا رضي الله عنه صدر عنه كلامٌ في حقِّ العبَّاس رضي الله عنه، وأمَّا العبَّاس رضي الله عنه فقال في حقِّ عليٍّ ما قال. وفي رواية جويرية عند مسلم (( وبين هذا الكاذب الآثم

ج 30 ص 52

الغادر الخائن )) .

فقال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في شيءٍ من هذه الطُّرق أنَّه صدر عن عليٍّ رضي الله عنه في حقِّ العبَّاس رضي الله عنه شيءٌ، بخلاف ما يُفهم من قوله في رواية عُقيل (( استبَّا ) )بالتثنية من أن يكون وقع منه في حقِّ العبَّاس كلامٌ، وإنَّما جاز للعبَّاس مثل هذا القول؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه كالولد له، وللوالد ما ليس لغيره، فأراد ردعه عمَّا يعتقد أنَّه مخطئٌ فيه من غير أن يريدَ حقيقته، أو هي كلمةٌ تقال في حال الغضب، فليتأمَّل فإنَّه من مزالق الأقدام.

(فَقَالَ الرَّهْطُ، عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) لعمر (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ) عمر رضي الله عنه (اتَّئِدُوا) بهمزة وصل وتشديد الفوقية بعدها همزة مكسورة فدال مهملة من الافتعال؛ أي اصبرُوا وتمهَّلوا واستمهلوا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين؛ أي أسألكم رافعًا نشيدتي؛ أي صوتي (بِاللَّهِ) وفي رواية الكُشميهنيِّ بحذف الباء وهو جائزٌ.

(الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بغير عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامكُم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ) بفتح الراء؛ أي معاشر الأنبياء (مَا تَرَكْنَا) «ما» موصولة مبتدأ، والعائد محذوفٌ؛ أي الَّذي تركناه، وخبر المبتدأ (صَدَقَةٌ؛ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ) أي وغيره من الأنبياء؛ لقوله في روايةٍ أخرى (( إنَّا معاشر الأنبياء ) )ولا يريد به الأمَّة.

واستشكل مع قوله تعالى في زكريَّا عليه السَّلام {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ} [مريم 6] ، وقوله تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل 16] . وأجيب بأنَّ المراد ميراث النُّبوَّة والعلم.

(قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ) رضي الله عنه (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَقَالَ) لهما (أَنْشُدُكُمَا اللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ فَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ) أي قصَّة ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيفيَّة تصرُّفه فيه في حياته، وتصرُّف أبي بكرٍ فيه، ودعوى فاطمة والعبَّاس الإرث ونحوه.

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ) بتشديد النون ونصب الجلالة الشَّريفة (خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ) أي الفيء (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) وفي رواية مسلمٍ بخاصَّةٍ لم يُخصِّص بها غيره. وعند أبي داود من طريق أسامة بن زيدٍ، عن ابن شهابٍ كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بنو النَّضير، وخيبر، وفدك، فأمَّا بنو النَّضير فكانوا حبسًا لنوائبه، وأمَّا فدك فكانت حبسًا لأبناء السَّبيل، وأمَّا خيبر فجزأها بين المسلمين، ثمَّ قسَّم جزأً لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين.

(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى

ج 30 ص 53

يَقُولُ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي وابن عساكرَ ( {مَا أَفَاءَ اللَّهُ} ) وفي التَّنزيل {وَمَا أَفَاءَ اللهَ} بالواو؛ أي ردَّ الله ( {عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} ) أي من بني النَّضير، أو من الكفرة ( {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} ) أي أسرعتم يا أيُّها المسلمون (الآيَةَ) يعني قوله تعالى {عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر 6] .

(فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا حقَّ لغيره فيها (ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة ساكنة ثم فوقية فألف فزاي، من الحيازةِ؛ أي ما جمعها (دُونَكُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ بالجيم والزاي، ويُروى بالخاء المعجمة والراء (وَلاَ اسْتَأْثَرَهَا) وفي نسخةٍ بالفوقية وبعد الهمزة الساكنة مثلثة فراء؛ أي ما استقلَّ واستبدَّ وتفرَّد بها.

(عَلَيْكُمْ وَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا) أي أموال الفيء (وَبَثَّهَا) بفتح الموحدة والمثلثة المشددة؛ أي فرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، وَكَانَ) بالواو، وفي رواية الكُشميهني بالفاء (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ) منه (فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ) أي ما هو لمصالح المسلمين من السِّلاح والكراع وغيرهما (فَعَمِلَ) بكسر الميم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ . (نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ) عمر رضي الله عنه (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ أَنْشُدُكُمَا باللَّهِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بإثبات الباء، وفي رواية غيره بحذفها (هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ، قَالاَ نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتشديد ياء «وليِّ» (فَقَبَضَهَا) بفتحات (أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ) لفظ (( وأنتما ) )مبتدأ. وقوله (وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) اعتراضٌ مدرجٌ بين المبتدأ والخبر الَّذي هو قوله (تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهَا كَذَا) أي ليس محقًّا ولا فاعلًا بالحقِّ. وفي رواية مسلمٍ فجئتما تطلبان ميراثك من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراث امرأتهِ من أبيها، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه قال رسول صلى الله عليه وسلم (( لا نورثُ ما تركنا صدقةً ) )فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، وكان الزُّهري يحدِّث به تارةً فيصرِّح، وتارةً يكنِّي.

فإن قيل كيف جاز لهما مثل هذا الاعتقاد في حقِّه؟ أُجيب بأنَّهما قالا باجتهادهما قبل وصول

ج 30 ص 54

حديث (( لا نُورث ) )إليهما، وبعد ذلك رجعا عنهُ، واعتقدا أنَّه مُحِقٌّ بدليل أنَّ عليًّا رضي الله عنه لم يغيِّر الأمر عمَّا كان عليه حين انتهت الخلافة إليه. قيل وهو نظير ما سبق من قول عبَّاسٍ لعليٍّ رضي الله عنهما، فيُجاب عن ذلك بما يُجاب عنه، فتذكَّر، فتأمَّل، والله الموفِّق.

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ) أي أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه (فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ) بتشديد الراء (رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ) وليُّ (أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ) بلفظ التَّثنية (أَعْمَلُ فِيهَا) بفتح الميم (بِمَا عَمِلَ) بكسر الميم (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) لا مخالفة بينكما.

(وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ) لا تفرُّق فيه، ولا تنازع عليه (جِئْتَنِي) يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) أي من ميراثه صلى الله عليه وسلم (وَأَتَانِي هَذَا) يشير إلى عليٍّ رضي الله عنه (يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة رضي الله عنها (مِنْ) ميراث (أَبِيهَا) صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ) لكما (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ تَعْمَلاَنِ) وفي رواية أبي ذرٍّ .

(فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ) بالنون (وَلِيتُهَا) بفتح الواو وكسر اللام مخففة؛ أي لتتصرَّفا فيها، وتنتفعا منها بقدر حقِّكما، كما تصرَّف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما لا على جهة التَّمليك، إذ هي صدقةٌ محرَّمة التَّمليك بعده صلى الله عليه وسلم.

(وَإِلاَّ فَلاَ تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ، فَأَقْبَلَ) عمر رضي الله عنه، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ) بحرف الجر (هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهني .

(قَالاَ نَعَمْ، قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (أَفَتَلْتَمِسَانِ) أي أفتطلُبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) بغير عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء (لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا) أي عن التَّصرُّف فيها مشتركًا (فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا) .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة باعتبار الجزء الأوَّل؛ لأنَّ منازعة عليٍّ وعبَّاسٍ رضي الله عنهما قد طالت، واشتدَّت عند عمر رضي الله عنه،

ج 30 ص 55

وفيه نوعٌ من التَّعمُّق، ألا ترى إلى قول عثمان ومَن معه (( يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرح أحدهما من الآخر ) )، فإنَّ الظَّنَّ بهما أنَّهما لم يتنازعا إلَّا ولكلٍّ منهما مستند في أنَّ الحقَّ بيده دون الآخر، فأفضى بهما ذلك إلى المخاصمة، ثمَّ المجادلة الَّتي لولا التَّنازع؛ لكان اللَّائق خلاف ذلك.

وقد مضى الحديث في «باب فرضِ الخُمس» بطوله [خ¦3094] .

وفي الحديث اتِّخاذ الحاجب، وإقامة الإمام من ينظر على الوقف نيابةً عنه، والتَّشريك بين اثنتين في ذلك، وغير ذلك ممَّا يُدرك بالتَّأمُّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت