فهرس الكتاب
7312 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) بالضم، هو ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) رضي الله عنهما حال كونه (يَخْطُبُ) وفي رواية عُمير بن هانئٍ (( سمعت معاوية على المنبرِ يقول ) ). وقد مضى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3641] ، ويأتي في «التَّوحيد» [خ¦7460] . وفي رواية يزيد بن الأصمِّ (( سمعتُ معاوية، وذكر حديثًا، ولم أسمعه روى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على منبره حديثًا غيره ) )أخرجه مسلم.
(قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) أي جميع الخيرات؛ لأنَّ النَّكرة تفيدُ العموم، أو خيرًا عظيمًا، فالتَّنوين للتَّعظيم (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الأصل الفَهم. يقال فقِه الرَّجل _ بالكسر _ يفقه فقهًا إذا فهم وعلم، وفقُه _ بالضم _ يفقه إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العرف خاصًّا بعلم الشَّريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنَّما خصَّ من علم الشَّريعة بالفقه؛ لأنَّه علمٌ مستنبطٌ بالقوانين والأدلَّة والأقيسة، والنَّظر الدَّقيق، بخلاف علم اللُّغة والنَّحو والصَّرف.
رُوي أنَّ سلمان نزل على نبطيَّةٍ بالعراق فقال لها هل هاهنا مكانٌ نظيفٌ أُصلي فيه؟ فقالت طهِّر قلبك وصلِّ حيث شئت، فقال فَقِهت؛ أي فهمت، ولو قال علمت لم يقع هذا الموقع. وروى الدَّراميُّ عن عمران قال قلت للحسن يومًا في شيءٍ، قال يا أبا سعيدٍ ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال ويحك هل رأيت فقيهًا قطُّ، إنَّما الفقيه الزَّاهد في الدُّنيا،
ج 30 ص 79
الرَّاغب في الآخرة، البصير بأمرِ دينه، والمداوم على عبادة ربِّه.
(وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قال القاضي عياض إنِّي أنا أقسم عليكم، فأُلقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليقُ به من أحكام الدِّين (وَيُعْطِي اللَّهُ) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم والتَّفكُّر والعمل ما أراده؛ أي يوفِّق من يشاءُ منكم للفقه والفَهم والفكر.
وقال التُّوربشتي أعلمَ صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يُفضِّل في قِسمة ما أُوحي إليه أحدًا من أمَّته على الآخر، بل سوَّى في البلاغِ، وعدلَ في القسمة. وإنَّما التَّفاوت في الفهمِ، وهو واقعٌ من طريق العطاء، ولقد كان بعضُ الصَّحابة يسمعُ الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجلي، ويسمعْه آخر منهم، أو من القرن الَّذي يليهم، أو ممَّن أتى بعدَه، فيستنبطُ منه كثيرًا.
وقال الطِّيبي الواو في قوله (( وإنَّما أنا ) )للحال من فاعل «يفقِّهه» ، أو من مفعوله وإذا كان الثَّاني؛ فالمعنى أنَّ الله يعطي كلًّا ممَّن أراد أن يفقِّهه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدَّره، ثمَّ يُلهمني بإلقاء ما هو اللَّائق باستعداد كلِّ واحدٍ، وعليه كلام القاضي، فإذا كان الأوَّل فالمعنى إنِّي أُلقي ما يسنحُ لي وأسوِّي فيه، ولا أرجِّح بعضهم على بعض، فالله يوفِّي كلًّا منهم على ما أرادَ وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّوربشتي. انتهى.
(وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا) على الدِّين الحقِّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ) قال (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وفي رواية عُمير بن هانئٍ (( لا تزال طائفةٌ من أمَّتي قائمةٌ بأمر الله ) ). وفي بعض روايات مسلم (( لا يزال أهلُ الغَرْب ) )بفتح الغين المعجمة وسكون الراء. ذكر يعقوب بن شيبةَ، عن عليِّ بن المدينيِّ قال المراد بالغرب الدَّلو؛ أي العَرَب _ بفتح المهملتين _؛ لأنَّهم أصحابها لا يستقي بها أحدٌ غيرهم، لكن في حديث معاذ (( وهم أهل الشَّام ) ).
فالظَّاهر أنَّ المرادَ بالغرب البلد؛ لأنَّ الشَّام غربي الحجاز، كذا قال وليس بواضحٍ، ووقع في بعض طرق الحديث (( المَغْرب ) )بفتح الميم وسكون المعجمة.
وهذا يردُّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رُواته نقله بالمعنى الَّذي فهمه أنَّ المراد الإقليم لا صفة بعض أهله. وقيل المراد بالغرب أهل القوَّة والاجتهاد في الجهاد. يقال في لسانهِ غَرْب _ بفتح ثم سكون _؛ أي حدَّة. ووقع في حديث أبي أُمامة عند أحمد (( أنَّهم ببيت المقدس ) ). وفي حديث أبي هريرة في (( الأوسط ) )للطَّبرانيِّ (( يقاتلون على أبوابِ دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرُّهم
ج 30 ص 80
من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة )) .
قال الحافظ العسقلاني ويمكن الجمع بين الأخبار بأنَّ المراد قومٌ يكونون ببيت المقدس، وهي شاميَّةٌ، ويسقون بالدَّلو، ويكون لهم قوَّةٌ في جهاد العدو. ثمَّ إنَّه اتَّفق الشُّرَّاح على أنَّ معنى قوله (( مَن خالفهم ) )وفي روايةٍ (( من خذلهم ) )أنَّ المراد علوَّهم عليهم بالغلبة.
فائدةٌ قال النَّووي فيه أنَّ الإجماع حجَّةٌ. ثمَّ قال ويجوز أن تكون الطَّائفة جماعةٌ متعدِّدة من أنواع المؤمنين ما بين شجاعٍ وبصيرٍ بالحرب، وفقيهٍ ومحدِّث ومفسِّر، وقائم بالأمر المعروف، والنَّهي عن المنكر، وزاهد وعابد. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلدٍ واحدٍ، بل يجوز اجتماعهم في قطرٍ واحدٍ، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلدِ الواحد، وأن يكونوا في بعضٍ دون بعضٍ منه، ويجوز إخلاء الأرض كلِّها من بعضهم أوَّلًا فأوَّلًا إلى أن لا يبقى إلَّا فرقةٌ واحدةٌ ببلدٍ واحدٍ، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخَّصًا.
ونظير ذلك ما حمل عليه بعض الأئمَّة حديث (( إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنةٍ من يجدِّد لها دينها ) )أنَّه لا يلزم أن يكون في رأس كلِّ مائة سنةٍ واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطَّائفة وهو متَّجهٌ، فإنَّ اجتماع الصِّفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوعٍ من أنواع الخير، ولا يلزم أنَّ جميع خصال الخير كلِّها في شخصٍ واحدٍ، إلَّا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز؛ فإنَّه كان القائم بالأمرِ على رأس المائة الأولى باتِّصافه بجميع صفات الخير وتقدُّمه فيها.
ومن ثمَّة أطلق أحمد أنَّهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأمَّا من جاء بعده فالشَّافعيُّ وإن كان متَّصفًا بالصِّفات الجميلة، إلَّا أنَّه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كلُّ من كان متَّصفًا بشيءٍ من ذلك رأس المائة هو المراد سواء تعدَّد أم لا، كذا قرَّره الحافظ العسقلانيُّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ولن يزالَ أمر هذه الأمَّة مستقيمًا ) )؛ لأنَّ من جملة الاستقامة أن يكون فيهم الفقيه والمتفقِّه، ولا بدَّ منه؛ لترتبط الأخبار المذكورة بعضها ببعضٍ، وتحصل جهةٌ جامعةٌ بينها معنى.
وقد سبق الحديث في «العلم» [خ¦71] ، و «الخمس» [خ¦3116] ، وأخرجه مسلم في «الزَّكاة» .