فهرس الكتاب
7320 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الرَّملي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ) بضم العين، حفص بن ميسرة (الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ) احترز به عن صنعاء الشَّام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) خلاف اليمين (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ) بفتح السين؛ أي طريق (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) سقط لفظ «كان» في رواية أبي ذرٍّ.
(شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ) بباء الجر في (( بشبر ) )و (( بذراع ) )كذا في رواية الكُشميهني عكس الَّذي قبله، ويروى بالباء في (( بذراع ) )فقط (حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرَ ضَبٍّ) بضم الجيم وسكون المهملة، والضَّبُّ بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة هو الحيوان المشهور البريُّ.
(تَبِعْتُمُوهُمْ) وإنَّما خصَّ جُحْره بالذِّكر لشدَّة ضيقه، وهو كنايةٌ عن شدَّة الموافقة لهم في المعاصي لا في الكفر؛ أي إنَّهم في اقتصاصِ آثارهم واتِّباعهم طرائقهم بحيث لو دخلوا في مثل هذا الضِّيق لوافقوهم (قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) المتَّبعون الَّذين قبلنا هم (الْيَهُودُ) بالرفع، ويجوز الجر على أنَّه بدل من «من كان قبلكم» (وَالنَّصَارَى؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ؟) أي فمن هم غير أولئك، «فمَنْ» استفهام إنكاري كالسَّابق.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على تعيين القائل.
وقال الكرمانيُّ حديث أبي هريرة مغاير لحديث أبي سعيدٍ؛ لأنَّ الأوَّل
ج 30 ص 89
فسَّر بفارس والرُّوم، والثَّاني باليهود والنَّصارى، ولكن الرُّوم نصارى، وقد كان في الفُرس يهودٌ، مع [أن] ذلك كالشِّبر والذِّراع، ودخول الجُحر ذُكِر على سبيل التمثيل؛ لأنَّه قال كفارس. انتهى.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ جوابه صلى الله عليه وسلم بقوله (( ومَن النَّاس إلَّا أولئك ) )لأنَّ ظاهره الحصر فيهم. وأُجيب عنه بأنَّ المراد حصر النَّاس المعهودين المتَّبعين المتبوعين المتقدِّمين [1] .
ووجهه أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا بُعث كان مُلْكُ البلاد منحصرًا في الفرس والرُّوم، وجميع من عداهُم من الأمم من تحت أيديهم، أو كلا شيء بالنِّسبة إليهم، فصحَّ الحصر بهذا الاعتبار، ويحتمل أن يكون الجواب اختلف بحسب المقام، فحيث قيل فارس والرُّوم كان هناك قرينةً تتعلَّق بالحكم بين النَّاس وسياسة الرَّعية، وحيث قيل اليهود والنَّصارى كان هناك قرينةً تتعلَّق بأمور الدِّيانات أصولها وفروعها.
ومن ثمَّة كان في الجواب عن الأوَّل «ومن النَّاس إلَّا أولئك» وأمَّا الجواب في الثَّاني بالإبهام.
وقال ابن بطَّالٍ أعلم صلى الله عليه وسلم أنَّ أمَّته ستتبع المُحْدَثات من الأمور والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأنَّ الآخر شرٌّ، والسَّاعة لا تقوم إلَّا على شرار النَّاس، وأنَّ الَّذي يبقى قائمًا إنَّما عند خاصَّة النَّاس.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم، وسيقعُ بقيَّة ذلك.
وقال العينيُّ خصوصًا في الدِّيار المصريَّة، خصوصًا في ملوكها وعلمائها وقضاتها. وقد أخرج الطَّبراني في معنى حديث الباب من حديث المستورد بن شدَّاد رفعه (( لا تَترك هذه الأمَّة شيئًا من سَنن الأولين حتَّى تأتيه ) ). وقال ابن عبد البرِّ في باب ذمِّ القول بالرَّأي إذا كان على غير أصلٍ، بسنده إلى هشام بن عروة، أنَّه سمع أباه يقول لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتَّى حَدَثَ فيهم المولَّودون أبناء سبايا الأمم، فأحدثوا فيهم القول بالرَّأي، فأضلُّوا بني إسرائيل، قال وكان أبي يقول السُّنن السُّنن، فإنَّ السُّنن قوام الدِّين.
وعن ابن وهبٍ أخبرني بكر بن مضرٍ عمَّن سمع ابن شهاب الزُّهري، وهو يذكرُ ما وقع النَّاس فيه من الرَّأي وتركهم السُّنن، فقال إنَّ اليهود والنَّصارى إنَّما انسلخوا من العلم الَّذي كان بأيديهم حين اتَّبعوا الرَّأي وأخذوا فيه.
وأخرج ابنُ أبي خيثمة
ج 30 ص 90
من طريق مكحول، عن أنسٍ رضي الله عنه قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؟ قال (( إذا ظهرَ فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدْهَانُ في خياركُم، والفُحْشُ في شراركم، والُملْك في صغاركُم، والفقهُ في رذائلكم ) ). وفي «مصنف قاسم بن أصبغ» بسندٍ صحيحٍ، عن عمر رضي الله عنه إذا جاء العلم من قبل الصَّغير استعصَى عليه الكبير، وصلاح النَّاس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصَّغير.
وذكر أبو عبيد أنَّ المراد بالصِّغر في هذا صغر القدر لا السِّن، والله أعلم.
[1] عبارة الفتح حصر الناس المعهود من المتبوعين