7354 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله بن المدينيِّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) ابن شهابٍ (أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (يَقُولُ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي تقولون إنَّ أبا هريرة (يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد شُعيب بن أبي حمزة في روايته [خ¦2047] (( وتقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي هريرة ) ). وفي روايةِ يونس عند مسلم أحاديث، وزاد (( وسأخبركُم عن ذلك ) ).
(وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) جملةٌ معترضةٌ، والمراد يوم القيامة؛ يعني يظهر أنَّكم على الحقِّ في الإنكار، أو إنِّي عليه في الإكثار، ولابدَّ في التَّركيب من تأويلٍ؛ لأنَّ مفعل للمكان أو الزَّمان أو المصدر، ولا يصحُّ هنا إطلاق شيءٍ منها، فلا بدَّ من إضمارٍ أو تَجوُّزٍ يدلُّ عليه المقام، قاله البرماويُّ كالكرماني.
(إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) من مساكين الصُّفة (أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزاي بينهما لام ساكنة (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم والهمزة في آخره، أراد به سدَّ جوعته؛ أي متقنِّعًا بالقوت
ج 30 ص 125
فلم يكن لي غيبةً عنه؛ يعني فكان لا ينقطع عنه خشيةَ أن يفوته القوت.
(وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) أي البيع (بِالأَسْوَاقِ) ويَشغلهم _ بفتح ياء المضارعة والغين المعجمة _ من الثُّلاثي وعبَّر بـ «الصَّفق» ؛ لأنَّهم كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف أمارةً لانتهاء البيع، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت الأملاك، واستقرَّت كل يدٍ منها على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه.
(وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) أي على مزارعهم والمال، وإن كان عامًّا، لكنَّه قد يخصُّ منه بنوعٍ، ولم يكن للأنصار إلَّا المزارع. وزاد في رواية يونس، عن ابن شهابٍ عند مسلم (( فأشهد إذا غابُوا، وأحفظ إذا نسوا ) ).
(فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَالَ مَنْ يَبْسُطْ) بلفظ المضارع مجزومًا، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بلفظ الماضي (رِدَاءَهُ) وفي «المزارعة» [خ¦2350] (( ثوبه ) ) (حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي) زاد في المُزارعة (( هذه ) ) (ثُمَّ يَقْبِضْهُ) بالرفع، وفي «اليونينيَّة» بالجزم، وفي المزارعة (( ثمَّ يجمعه ) ) [خ¦2350] .
(فَلَمْ يَنْسَ) بغير تحتية بعد السين، وقع كذلك بالميم وبالجزم في الرِّواية، وهو رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي، وفي رواية الكُشميهنيِّ . ونقل ابن التِّين أنَّه وقع في الرِّواية (( فلن ينسَ ) )بالنون والجزم، ونقل عن الكسائيِّ أنَّه قال الجزمُ «بلن» لغةُ بعض العرب نقله القزَّاز عنه، وقال وما وجد شاهدًا، وأقرَّه ابن التِّين ومن تبعه، وقد ذكر غيره لذلك شاهدًا، وهو قول الشَّاعر
~لَنْ يَخِبِ الْيوْمَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرَّكَ دُونَ بَابِكَ الْحَلَقَةْ
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّه يمكن أن يكون في الأصل «لم» الجازمة فتغيَّرت «بلن» ، لكن إن كان محفوظًا، فلعلَّ الشَّاعر قصد «لن» ؛ لكونها أبلغ هنا في المدحِ من «لم» . ويروى (( فلم ينسى ) )بإثبات الياء، قيل وهو خطأٌ، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» .
(شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي) ويُروى بصيغة المضارع، قال أبو هريرة (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ) إلى الخلقِ (مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) صلى الله عليه وسلم بعد أن جمعتُها على صدري. وفي حديث البراء بسندٍ صحيحٍ (( ليس كلُّنا كان يسمع الحديث من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كانت لنا صنعة وأشغال، ولكن كان النَّاس لا يكذِّبون، فيُحدِّث الشَّاهد الغائب ) ). وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( ما كلُّ ما نحدِّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه، ولكن لم يكذِّب بعضنا بعضًا ) ).
وقد تقدَّم في «العلم» [خ¦89] من حديث عمر رضي الله عنه أنَّه كان يتناوب النَّبي صلى الله عليه وسلم هو ورجلٌ من الأنصار، فينزل هذا يومًا وهذا يومًا، ويخبر كلٌّ منهما الآخر بما غاب عنه. وكان غرضه بذلك تحصيلُ ما يقوم بحاله وحالِ عياله؛ ليَغنى عن الاحتياج لغيره وليتقَّوى على ما هو بصدِده من الجهاد.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه أخبر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من أقوالهِ وأفعاله ما غاب عنه كثيرٌ من الصَّحابة، ولمَّا بلَّغهم ما سمعوه قَبلوه وعملوا به، فدلَّ على قبول خبر الواحدِ والعمل به. وفيه ردٌّ على مشترطي التَّواتر في أخبار النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد مضى الحديث في أوَّل «كتاب البيوع» بأطول منه من وجهٍ آخر [خ¦2047] ، ومضى أيضًا في «كتاب العلمِ» ، في باب حفظ العلم [خ¦118] .