فهرس الكتاب
7379 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) القطواني الكوفي، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَل) أبو محمد مولى الصِّدِّيق رضي الله عنه، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) المدني مولى ابن عمر رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 30 ص 172
أنَّه (قَالَ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ) أي إنَّه تعالى يعلم ما غابَ عن العباد من الثَّواب والعقاب والآجال والأحوال.
وقوله (( مفاتيح الغيب ) )استعارةٌ لأنَّ المفاتيح يتوصَّل بها إلى ما في المخازن المستورة بالأغلاق والأقفال ومن علم مفاتيحها وكيفيَّة فتحها يتوصَّل إليها، ولمَّا كان جميع ما في الوجود محصورًا في علمه شبهه الشَّارع بالمخازن واستعار لبابها المفتاح، فيكون استعارةً مكنيَّةً تخييليَّةً، ويحتمل أن تكون مصرَّحةً.
والحاصل أنَّ المراد أنَّه تعالى هو المتوصِّل إلى المغيَّبات المحيط علمه بها لا يَتوصَّل إليها غيره فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحِكَم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلَّقت به مشيئته. وفيه دليلٌ على أنَّه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، والحكمة في كونها خمسًا الإشارة إلى حصر العوالم فيها فأشار إلى ما يزيد وينقص بقوله
(لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللَّهُ) أي ما تنقصه يقال غاض الماء، و «ما تزداد» إشارةً إلى ما يزيد في النَّفس وينقص، وخصَّ الرَّحم بالذِّكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك لا يعرفُ أحدٌ حقيقتها، والمعنى ما تحمله من الولد على أيِّ حالٍ هو من ذكورةٍ وأنوثةٍ وعدد، فإنَّها تشتمل على واحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ، أو جسد الولد فإنَّه يكون تامًّا ومخدَجًا، أو مدَّة الولادة فإنَّها تكون أقل من تسعة أشهرٍ وأزيد عليها إلى أربع عند الشَّافعي وإلى سنتين عند الحنفيَّة وإلى خمسٍ عند مالك. نعم، إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيٍّ أو سعيدٍ عَلِم به الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وأشار إلى أنواع الزَّمان وما فيها من الحوادث بقوله
(وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ) وعبَّر بلفظ «غد» ؛ لكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه فأولى أن لا يعلمَ حقيقة ما يقعُ بعد غدٍ.
وأشار إلى أمور العالم العلويِّ بقوله (وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ) ليلًا أو نهارًا، وخصَّ المطر مع أنَّ له أسبابًا قد تدلُّ بجري العادة على وقوعه لكنَّه من غير تحقيقٍ (أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ) نعم إذا أمر به علِمَته الملائكة الموكَّلون به، ومن شاء من خلقه.
وأشار إلى العالم السُّفلي بقوله (وَلاَ تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللَّهُ) مع أنَّ عادة أكثر النَّاس أن يموتَ ببلده، بل لو مات ببلدهِ لا يعلم في أيِّ بقعةٍ يدفن منها، ولو كان هناك مقبرةٌ لأسلافه بل قبرٌ أعدَّه هو لنفسه، وربَّما أقامت بأرضٍ وضربت أوتادها وقالت لا أبرح منها فيرمي بها القدر حتَّى تموت بمكانٍ لم يخطر ببالها، كما روي أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان عليه السلام فجعل ينظرُ إلى رجلٍ من جلسائه يديمُ النَّظر إليه فقال الرَّجل من هذا؟ فقال ملك الموت، فقال كأنَّه يريدني فمُرْ الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل، فقال ملك الموت
ج 30 ص 173
كان دوام نظري تعجُّبًا منه إذ أُمرت أن أقبضَ روحه بالهند وهو عندك.
وفي الطَّبراني «الكبير» عن أسامة بن زيد قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( ما جعل الله منيَّة عبد بأرضٍ إلَّا جعل له فيها حاجةٌ ) )، وإنَّما جعل العلم لله والدِّراية للعبد؛ لأنَّ في الدِّراية معنى الحيلة، والمعنى_ أنها؛ أي النَّفس_ لا تعرفُ وإن أُعلمت حيلها ما يختصُّ بها، ولا شيءَ أخصُّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريقٌ إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد، وأمَّا المنجم الَّذي يُخبر بوقت الغيث والموت، فإنَّه يقول بالقياس والنَّظر في الطَّالع، وما يُدرَك بالدَّليل لا يكون غيبًا على أنَّه مجرد الظَّنِّ [والظن] غير العلم، والله أعلم.
وأشار إلى عالم الآخرة وعلومها بقوله (وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ) فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ، ولا ملك مقرَّبٌ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في آخر الاستسقاء [خ¦1039] .