فهرس الكتاب

الصفحة 10900 من 11127

7380 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي ابن واقد الفريابي الضَّبِّي مولاهم محدِّث قيساريَّة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، كما قال الحافظ العسقلاني، وقال العيني هو ابنُ عيينة (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابنُ أبي خالدٍ البجلي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل أحدُ الأعلام قال أدركت خمسمائةً من الصَّحابة وما كتبتُ سوداء في بيضاء ولا حدَّثت بحديثٍ إلَّا حفظتُه (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ) أي في ليلة المعراج. (فَقَدْ كَذَبَ) قالته رأيًا باجتهادها لقولها (وَهْوَ) أي الله تعالى (يَقُولُ) في سورة الأنعام ( {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ) واختلفوا في رؤيته صلى الله عليه وسلم فعائشة رضي الله عنها ممَّن أنكرهَا لكنَّها لم تنقل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بل قالتها استدلالًا بهذا القول.

وأجاب المثبتون بأنَّ معنى الآية لا تحيطُ به الأبصار ولا تدركه الأبصار، وإنَّما يدركه المبصرون، أو لا تدركه في الدُّنيا لضعفِ تركيبها في الدُّنيا فإذا كانوا في الأخرى خلق الله تعالى فيهم قوَّةً يَقْدِرون بها على الرُّؤية، فيجوز أن يخلقَ الله تعالى في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قوَّةً يقدرُ بها على الرُّؤية.

وقال الدَّاودي إنَّما أنكرت عائشة رضي الله عنها ما قيلَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه رآه بقلبهِ بل إنَّه رآه ببصره، وفي كتاب «المواهب» مزيد بحثٍ لذلك.

(وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ) الضَّمير في «أنَّه» للنَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 30 ص 174

لعطفه على قوله (( ومن حدَّثك أنَّ محمدًا ) )وصرَّح به فيما أخرجه ابن خُزيمة وابن حبَّان من طريق عبد ربِّه عن سعد عن داود عن أبي هند عن الشَّعبي بلفظ (( أعظم الفرية على الله من قال إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه، وإنَّ محمَّدًا كتم شيئًا من الوحي، وإنَّ محمَّدًا يعلم ما في غد ) ).

(وَهْوَ) تعالى (يَقُولُ لاَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) والآية {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل 65] وجاز مثل ذلك لأنَّه ليس الغرض القراءة ولا نقلها.

وقال الدَّاودي ما أظنُّ قوله في هذه الطَّريق «مَنْ حدَّثك أنَّ محمَّدًا يعلم الغيب» محفوظًا إنَّما المحفوظ «من حدَّثك أنَّ محمَّدًا كتم شيئًا ممَّا أنزلَ الله إليه فقد كذب» قال وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الرَّافضة كانت تقول إنَّه صلى الله عليه وسلم خصَّ عليًّا رضي الله عنه بعلمِ لم يُعلمه غيره، وأمَّا علم الغيب فما أحدٌ يدَّعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يعلم منه إلَّا ما علَّمه الله، وتُعُقِّب ما ادَّعاه من النَّفي بأنَّ بعض من لم يرسِّخ في الإيمان كان يظنُّ ذلك حتَّى كان يرى أنَّ صحَّة النُّبوَّة تستلزم ذلك؛ أي اطِّلاع النَّبي صلى الله عليه وسلم على جميع المغيبات.

ففي «مغازي ابن إسحاق» أنَّ ناقته صلى الله عليه وسلم ضلَّت فقال ابن اللَّصِيت _ بالصاد المهملة آخره مثناة، بوزن عظيم _ يزعم محمَّدٌ أنَّه نبيٌّ، ويُخبركم عن خبر السَّماء وهو لا يدري أين ناقته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ رجلًا يقول كذا وكذا، وإنِّي والله لا أعلم إلَّا ما علَّمني الله وقد دلَّني الله عليها، وهي في شِعْب كذا قد حبستها شجرة ) )فذهبوا فجاؤوا بها فأعلم صلى الله عليه وسلم أنَّه لا يعلم من الغيب إلَّا ما علَّمه الله.

والغرض من الباب إثباتُ صفة العلم لله تعالى. وفيه ردٌّ للمعتزلة حيث قالوا إنَّه عالمٌ بلا علمٍ، قال العبريُّ وكتبهم شاهدةٌ بتعليل عالميَّة الله تعالى بالعلم، كما يقوله أهل السُّنَّة، ثمَّ إنَّ علمه تعالى شاملٌ لكلِّ معلومٍ جزئيَّات وكليَّات، قال تعالى {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق 12] أي علمه أحاط بالمعلومات كلِّها، وقال {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [سبأ 3] الآية.

وأطبق المسلمون على أنَّه تعالى يعلم دبيب النَّملة السَّوداء في الصَّخرة الصَّمَّاء في اللَّيلة الظَّلماء، وأنَّ معلوماته لا تدخلُ تحت العدِّ والإحصاء وعلمه محيطٌ بها جملةً وتفصيلًا وكيف لا وهو خالقها ألا يعلم من خلق. وضلَّت الفلاسفة حيث زعموا أنَّه يعلم الجزئيَّات على الوجه الكليِّ لا الجزئي.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب ) )، وقد مضى الحديث مطولًا في «التفسير» [خ¦4855] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت