684 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا) ويروى (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ) بالمهملة والزاي، سلمة (بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ رضي الله عنه، وفي رواية النَّسائي من طريق سفيان عن أبي حازم «سمعت سهلًا» .
ورجال هذا الإسناد ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصَّلاة» في مواضع [خ¦1201] [خ¦1204] [خ¦1218] [خ¦1234] ، وفي «الصُّلح» [خ¦2690] ، و «الأحكام» [خ¦7190] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما، ابن مالك بن الأوس، والأوسُ أحدُ قبيلتي الأنصار وهما الأوسُ والخزرج، وبنو عَمرو بن عوف بطنٌ كبيرٌ من الأوس فيه عدَّة أحياء كانت منازلهم بقُباء منهم بنو أميَّة بن زيد، وبنو ضُبَيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عَمرو بن عوف.
(لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) يعني أن السَّبب في ذهابه صلى الله عليه وسلم إليهم هو إصلاحُ ذات بينهم؛ لأنَّهم اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة، كما روى البخاري في «الصُّلح»
ج 4 ص 195
من طريق محمد بن جعفر، عن أبي حازم أنَّ أهلَ قباء اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة، فأخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال اذهبوا بنا نصلح بينهم [خ¦2690] .
وله فيه من رواية أبي غسَّان عن أبي حازم «فخرجَ في أناسٍ من أصحابه» [خ¦2690] ، وسمَّى الطَّبراني منهم من طريق موسى بن محمَّد عن أبي حازم أبيَّ بن كعب وسُهيلَ بن بَيْضاء، وللمؤلِّف أيضًا في «الأحكام» من طريق حمَّاد بن زيد عن أبي حازم أنَّ توجُّهه كان بعد أن صلَّى الظُّهر [خ¦7190] .
وروى الطَّبراني من طريق عمر بن عليِّ، عن أبي حازم أنَّ الخبر جاء بذلك وقد أذَّن بلالٌ بصلاة الظُّهر.
(فَحَانَتِ الصَّلاَةُ) أي صلاة العصر، وصرَّح به في «الأحكام» ، ولفظه (( فلمَّا حضرت صلاة العصر أذَّن وأقام وأمر أبا بكر فتقدَّم ) ) [خ¦7190] ولم يسمَّ فاعل ذلك، وقد بيَّن ذلك أحمد وأبو داود وابن حبَّان من رواية حمَّاد المذكورة، فبيَّن الفاعل وأنَّ ذلك كان بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ أبي داود في ذلك كان قتال بين عَمرو بن عوف فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم ليصلحَ بينهم بعد الظُّهر فقال لبلال رضي الله عنه «إن حضرتِ العصر ولم آتكَ فمرْ أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاس، فلمَّا حضرت العصر أذَّن بلال، ثمَّ أقام، ثمَّ أمر أبا بكر رضي الله عنه فتقدَّم» ، فعُلِمَ من ذلك أنَّ المراد من قوله
(فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ) هو بلال رضي الله عنه (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ) له (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟) استفهمه هل يبادر أوَّل الوقت فيصلِّي فيه، أو ينتظر قليلًا ليأتي النَّبي صلى الله عليه وسلم؟، فرجح عند أبي بكر رضي الله عنه المبادرة؛ لأنَّها فضيلةٌ متحقَّقة فلا تترك لفضيلة متوهَّمة (فَأُقِيمُ) يروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي فأنا أقيم، ويروى بالنصب على أنَّه جواب الاستفهام بتقدير «أن» بعد الفاء.
(قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (نَعَمْ) أصلِّي أقمِ الصَّلاةَ، زاد في رواية عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه (( إن شئت ) )، وكذا هو في باب «رفع الأيدي» عند المؤلِّف [خ¦1218] ، وإنَّما فوَّض ذلك إليه؛ لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك.
(فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه؛ أي دخل في الصَّلاة لا أنَّه أدَّاها، ويدلُّ عليه رواية عبد العزيز (( وتقدَّم أبو بكر فكبَّر ) )، وكذا رواية المسعودي عن أبي حازمٍ (( فاستفتح أبو بكر الصَّلاة ) )، وهي رواية الطَّبراني أيضًا.
وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنعَ أبو بكر رضي الله عنه هنا أن يستمرَّ إمامًا، وحيث استمرَّ في مرض موته صلى الله عليه وسلم حين صلَّى خلفه الرَّكعة الثَّانية
ج 4 ص 196
من الصُّبح، كما صرَّح به موسى بن عقبة في (( المغازي ) )، فكأنَّه لمَّا أنْ مضى معظم الصَّلاة حَسُنَ الاستمرار، ولمَّا أنْ لم يمض منها إلَّا اليسير لم يستمرَّ.
وكذا وقع لعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه حيث صلَّى خلفه النَّبي صلى الله عليه وسلم الرَّكعة الثَّانية من الصُّبح، فإنَّه استمرَّ في صلاته إمامًا لهذا المعنى، وقصَّته عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ فِي الصَّلاَةِ) جملة حاليَّة؛ أي شرعوا فيها مع شروع أبي بكر رضي الله عنه (فَتَخَلَّصَ) من شقِّ الصُّفوف (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) أي في الصَّفِّ الأوَّل. ويدلُّ عليه رواية عبد العزيز (( فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم يمشي في الصُّفوف يشقُّها شقًّا حتَّى قام عند الصَّفِّ المقدَّم ) )، وهو جائز للإمام مكروه لغيره.
(فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء. قال الكرمانيُّ التَّصفيق الضَّرب الذي يسمعُ له صوت، والتَّصفيق باليد التَّصويت بها. انتهى.
وفي رواية عبد العزيز (( فأخذ النَّاس في التَّصفيح، قال سهل أتدرون ما التَّصفيح؟ هو التَّصفيق ) )، وهذا يدلُّ على ترادفهما. وقيل هو بالحاء الضربُ بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتَّنبيه، وبالقاف ضرب إحدى الصَّفحتين على الأخرى، وهو اللَّهو واللَّعب.
وقال أبو داود قال عيسى بن أيُّوب التَّصفيح للنِّساء ضرب بإصبعين من يمينها على كفِّها اليسرى.
وقال الدَّاودي في بعض الرِّوايات ، وإنَّما التَّصفيح للنِّساء يحمل أنَّهم ضربوا أكفَّهم على أفخاذهم.
(وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ) وكان ذلك لعلمه بالنَّهي عن ذلك، وقد صحَّ أنَّه اختلاس يختلسه الشَّيطان من صلاة العبد، كما سيأتي في باب مفرد في «صفة الصَّلاة» [خ¦751] .
وفي «صحيح ابن خُزيمة» سألت عائشةُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن التفات الرَّجل في صلاته، فقال (( هو اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة الرَّجل ) ).
(فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ) وفي رواية حمَّاد بن زيد (( فلمَّا رأى التَّصفيح لا يُمسَك عنه ) ) (الْتَفَتَ) رضي الله عنه (فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ) تفسيرية (امْكُثْ مَكَانَكَ) يحتمل أن تكون كلمة «أنْ» مصدريَّة؛ أي أشار إليه بالمكث في مكانه. وفي رواية عبد العزيز (( فأشار إليه يأمره أن يصلِّي ) )، وفي رواية عمر بن عليٍّ (( فدفع في صدره ليتقدَّم فأبى ) ).
(فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (يَدَيْهِ) بالتثنية (فَحَمِدَ اللَّهَ) ظاهره أنَّه تلفَّظ بلفظ الحمد صريحًا، لكن في رواية الحميديِّ عن سفيان (( فرفع أبو بكر رضي الله عنه رأسه إلى السَّماء
ج 4 ص 197
شكرًا لله تعالى ورجعَ القَهقرى )) .
وادَّعى ابن الجوزي أنَّه أشار إلى الشُّكر والحمد بيده، ولم يتكلَّم، وليس في رواية الحُميديِّ ما يمنع أن يكون تلفَّظ. ويقوِّي ذلك ما أخرجه أحمدُ من رواية عبد العزيز الماجشون، عن أبي حازم (( يا أبا بكر لم رفعتَ يديك، وما منعكَ أن تثبتَ حين أشرتُ إليك؟ ) )قال رفعت يدي؛ لأنِّي حمدتُ الله على ما رأيتُ منك.
(عَلَى مَا أَمَرَهُ) وفي رواية بدون الضمير (بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ) أي المكث في مكانه الذي يستلزم وجاهته في الدِّين، ولياقته بالإمامة وكيلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفة عنه.
(ثُمَّ اسْتَأْخَرَ) أي تأخَّر (أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه من غير استدبارٍ للقبلة، والانحراف عنها (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة (قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) في مكانك (إِذْ أَمَرْتُكَ) أي حين أمرتك.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف فاء، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي أسلمَ عام الفتح، وعاشَ إلى خلافة عمر رضي الله عنه، ومات سنة أربع عشرة، وإنَّما لم يقل أبو بكر رضي الله عنه (( ما لي ) )أو (( ما لأبي بكر ) )تحقيرًا لنفسه، واستصغارًا لمرتبتهِ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكلمة (( ما ) )إما نافية، والمعنى لم يكن له. (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي قدَّامه إمامًا له، وفي رواية حمَّاد بن زيد، والماجشون (( أن يؤمَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ).
وإما استفهامية؛ أي أي شيء وقع له في أن يصلِّي. .. إلى آخره.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لِي) هو تعريضٌ، والغرض ما لكم (رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ) أي أصابه، ويروى (شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ) أي فليقل سبحان الله، وكذا وقع في رواية يعقوب بن عبد الرَّحمن عن أبي حازم.
(فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ) على البناء للمفعول، وفي رواية يعقوب (( فإنَّه لا يسمعه أحدٌ حين يقول سبحان الله إلَّا التفت ) ) (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ) وفي رواية عبد العزيز (( وإنَّما التَّصفيح ) ) (لِلنِّسَاءِ) ، وزاد الحميديُّ (( والتَّسبيح للرِّجال ) )وفي رواية حمَّاد بن زيد (( إذا نابكم أمر فليسبِّح الرِّجال، وليصفق النِّساء ) ).
ومن فوائد الحديث فضل الإصلاح بين النَّاس، وحسم مادَّة الفتنة بينهم، وجمعهم على كلمةٍ واحدةٍ. ومنها توجُّه الإمام بنفسه إلى بعض رعيَّته لإصلاحٍ
ج 4 ص 198
بينهم، وتقديم ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه؛ لأنَّ في ذلك دفع المفسدة، وهو أولى من الإمامة بنفسه، ويلتحقُ بذلك توجُّه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا علم أنَّ فيه مصلحة.
ومنها جوازُ الصَّلاةِ الواحدةِ بإمامين أحدهما بعد الآخر، وأنَّ الإمام الرَّاتب إذا غاب يستخلفُ غيره، وأنَّه إذا حضر بعد أن دخلَ نائبه في الصَّلاة يتخيَّر بين أن يأتمَّ به، أو يؤمَّ هو، ويصير نائبه مأمومًا من غير أن يقطع الصَّلاة، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد المأمومين هكذا قيل.
وفيه أنَّه وإن كان جواز الصَّلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر مسلَّمًا كما في صورة الاستخلاف، وكذا جواز أنَّ الإمام الرَّاتب إذا غاب يستخلف غيره مُسلَّمًا، لكن كونه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصَّلاة يتخيَّر بين أن يأتمَّ به وبين أن يؤمَّ من غير قطع الصَّلاة غيرُ مسلَّم.
واحتجاج من يذهب إلى هذا بهذا الحديث غير صحيح؛ لأنَّ ذلك من خصائصِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، كذا ذكر ابن عبد البرِّ، ونقل الإجماع على ذلك، وذلك لأنَّه لا يجوز التقدُّم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لسائر النَّاس من الفضل ما يجب أن يتأخَّر له، وكان جائزًا لأبي بكر أن لا يتأخَّر لإشارة النَّبي صلى الله عليه وسلم أن امكثْ مكانك.
وقال بعض المالكيَّة أيضًا تأخُّر أبي بكر وتقدُّمه صلى الله عليه وسلم من خواصه، ولا يُفْعلُ ذلك بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ونوقض دعوى ابن عبد البر الإجماع المذكور بأنَّ الخلاف ثابت، فالصَّحيح عند الشَّافعية الجواز. انتهى.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه خرقٌ للإجماع السَّابق قبل هؤلاء الشَّافعية، وخرقُ الإجماعِ باطل.
ومنها على ما قيل جواز إحرام المأموم مِن قَبْلِ إحرام الإمام، وأنَّ المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا، وفي بعضها مأمومًا. وفيه أنَّه يردُّه قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا كبَّر الإمام فكبِّروا ) ).
ولفظ البخاري (( فإذا كبَّر فكبروا ) ) [خ¦378] فقد رتَّب تكبير المأموم على تكبير الإمام، فلا يصحُّ أن يسبقه.
وقال ابن بطَّال لا أعلم من يقول أنَّ من كبَّر قبل إمامه فصلاته تامَّة إلَّا الشَّافعي بناء على مذهبه، وهو أنَّ صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك.
ومنها ما استنبط منه الطَّبري من الدَّليل على خطأ من زعم أنَّه لا يجوز لمن أحرم بفريضة وصلَّى بعضها، ثمَّ أقيمت عليه تلك الصَّلاة أن يدخلَ مع الجماعة في بقيَّة صلاته حتَّى يخرج منها
ج 4 ص 199
ويسلِّم، ثمَّ يدخل معهم فإن دخل معهم دون سلام فسدت صلاته، ولزمه قضاؤها، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم ابتدأ صلاة كان أبو بكر رضي الله عنه صلَّى بعضها، وائتمَّ به أصحابه فيها، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم مبتدئًا، والقوم متمِّمين، لكن هذا متفرِّع على جواز إحرام الإمام بعد المأموم، وهو كما ترى [ومرَّ] فيما سبق، فتفطَّن.
ومنها فضل أبي بكر رضي الله عنه على جميع الصَّحابة. ومنها أنَّ إقامةَ الصَّلاة، واستدعاءَ الإمام من وظيفة المؤذِّن، وأنَّ المؤذِّن هو الذي يقيم، وهذا هو السنة، فإن أقام غيره كان خلاف السنَّة، وأنَّه لا يقيم إلا بإذن الإمام. قيل يعتدُّ بإذنه عند الجمهور، والصَّحيح أنَّه يعتدُّ بغير إذنه أيضًا، وإذا أقام غير المؤذن أيضًا يعتد عندنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبدِ الله بن زيد رضي الله عنه حين رأى الأذان (( ألقها على بلالٍ فإنَّه أمدُّ صوتًا منك وأقمْ أنت ) ).
وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( من أذَّن فهو يُقيم ) )فكان في حقِّ زياد بن الحارث الصُّدَائي، وكان حديث العهد بالإسلام كيلا تدخله الوحشة. ومنها جواز التَّسبيح والحمد في الصَّلاة؛ لأنَّه من ذكر الله تعالى، وأمَّا إذا قال الحمد لله، وأراد به الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته.
وفي «المحيط» لو حمدَ اللهَ العاطسُ في نفسه، ولا يحرِّك لسانه عن أبي حنيفة لا تفسد. وفي «فتاوى العتابي» لو قال الشَّافعي الحمد لله على رجاء الثَّواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وإذا فتح على إمامه لا تفسد، وعلى غيره تفسد.
وقال ابنُ قدامة قال أبو حنيفة رحمه الله إن فتحَ على الإمام بطلتْ صلاته. انتهى. وهذا كما ترى غير صحيح.
وقال السَّفاقسيُّ احتجَّ بالحديث جماعةٌ من الحذَّاق على أبي حنيفة رحمه الله في قوله إن سبَّح الرَّجل لغير إمامه لم تجزئه صلاته. وفيه أنَّه ليس في الحديث دَلالة على هذا، والذي ليس في صلاته لا يدخلُ تحت قوله (( من نابه شيءٌ في صلاته ) )، ولأنَّه لا يكون تعليمًا وتلقينًا.
وقال السَّفاقسي أيضًا قال مالك من أُخْبِر في صلاته بسرورٍ فحمدَ الله لا يضرُّ صلاته.
وقال ابن القاسم ومن أُخْبِر بمصيبةٍ فاسترجعَ، أو أُخبِرَ بشيءٍ، فقال الحمدُ لله على كلِّ حال، أو قال الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات لا يعجبني، وصلاته مجزئة.
وقال أشهب إلَّا أن يريد بذلك قطع الصَّلاة. ومذهب مالك والشَّافعي أنَّه إذا سبَّح للأعمى خوف أن يقع في بئر، أو من دابَّة، أو حيَّة أنه جائز.
ومنها جواز الالتفات للحاجة. قال ابن عبد البرِّ وجمهور الفقهاء على أنَّ الالتفات لا يفسد الصَّلاة إذا كان يسيرًا، وذلك لا يكره إذا كان لحاجة؛ لما روى سهل بن الحنظليَّة من حديث فيه فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 200
يصلّي، وهو يلتفتُ إلى الشِّعب يحرس. وقال الحاكمُ سنده صحيحٌ.
وأمَّا إذا كان لا لحاجة؛ فإنَّه يكره؛ لما روي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يزالُ الله مقبلًا على العبد، وهو في صلاتهِ ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرف عنه ) ).
وعند ابن خُزيمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان صلى الله عليه وسلم يلتفت يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عُنَقه خلف ظهره. وعند التِّرمذي واستغربه يلحظني يمينًا وشمالًا، وقال ابن القطَّان صحيحٌ. وعند ابن خزيمة عن عليِّ بن شيبان _ وكان أحد الوفد _ قال صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم فلمحَ بمؤخَّر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الرُّكوع والسُّجود.
وعن جابر صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو شَاكٍ فصلَّينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمِعُ النَّاسَ تكبيره قال فالتفتَ إلينا.
فإن قلتَ روى أبو الدَّرداء رضي الله عنه (( لا صلاة لملتفتٍ ) ).
فالجواب أنَّه ضعَّفه ابن القطَّان وغيره، وعلى تقدير التَّسليم فهو محمول على نفي الكلام.
ومنها جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجب ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحدُ قولي الشَّافعي رحمهم الله، وهو قول عمر وعليٍّ رضي الله عنهما، وكذا قول الحسن وعلقمة وعطاء والنَّخعي والثَّوري، وعن الشَّافعي وأهل الظَّاهر لا يستخلف الإمام.
ومنها جواز شقِّ الصُّفوف، لكن هذا في حقِّ الإمام، ومن كان بصدد أن يحتاجَ الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سدَّ فرجة الصفِّ الأوَّل، أو ما يليه مع ترك من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى، وأمَّا في حقِّ غيره فيُكره.
ومنها جواز إمامةِ المفضول للفاضل. ومنها سؤال الرَّئيس عن سببِ مخالفة أمره قبل الزَّجر عن ذلك. ومنها إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية، وذكر الرَّجل نفسه بما يشعر بالتَّواضع حيث قال أبو بكر رضي الله عنه «ما كان لابن أبي قُحافة» ، ولم يقل ما لي، أو ما لأبي بكر تواضعًا واستصغارًا لنفسه عند النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها الحمد والشُّكر على الوجاهة في الدِّين. ومنها أنَّ من أُكْرم بكرامة يتخيَّر بين القبول والتَّرك إذا فهم أنَّ ذلك الأمر على غير جهة اللُّزوم، وكأنَّ القرينة التي ثبتتْ لأبي بكر رضي الله عنه في ذلك هي كونه صلى الله عليه وسلم شقَّ الصُّفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنَّه فهم من ذلك أنَّ مراده صلى الله عليه وسلم أن يؤمَّ النَّاس، وأنَّ أمره إيَّاه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له، والتَّنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتَّواضع، ورجَّح ذلك عنده باحتمال نزول الوحي في حالة الصَّلاة لتغيير حكم من أحكامها، وكأنَّه لأجل هذا لم يتعقَّب صلى الله عليه وسلم اعتذاره بردٍّ عليه.
ومنها أنَّ العمل القليل في الصَّلاة لا يفسدها لتأخُّر أبي بكر رضي الله عنه
ج 4 ص 201
عن مقامه إلى الصفِّ الذي يليه، وأنَّ من احتاج إلى ذلك رجعَ القهقرى، ولا يستدبرُ القبلة، ولا ينحرف عنها.
ومنها تقديم الأصلح والأفضل. ومنها تقديم غير الإمام إذا تأخَّر الإمام ولم يُخَفْ فتنة، ولا إنكارًا من الإمام كذا قيل، لكن ذلك مبنيٌّ على أنَّ الصَّحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وليس كذلك، وإنَّما فعلوا ذلك بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم الإشارة إليه. ومنها تفضيلُ الصَّلاة لاسيَّما العصر في أوَّل الوقت، وأنَّه مقدَّم على انتظار الإمام الأفضل.
ويقال إنَّما صلُّوا ظنًّا منهم أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يأتيهم في الوقت والجماعة كانوا حاضرين، وفي تأخيرها تشويش لهم من جهة أنَّ فيهم الضَّعيف وذا الحاجة.
ومنها أنَّ رفع اليد في الصَّلاة عند الدُّعاء والثَّناء لا يفسدها، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى [خ¦6341] . ومنها أنَّ المصلِّي إذا نابه شيء في الصَّلاة سبَّح.
وعند مالك المرأة تسبِّح أيضًا كالرَّجل؛ لأن كلمة (( من ) )في الحديث عامَّة تقع على الذكور والإناث، والتَّصفيق منسوخٌ بقوله (( من نابه شيءٌ في صلاته فليسبِّح ) ). وأنكروه بأنَّ أوَّل الحديث لا ينسخ آخره.
وفي «سنن أبي داود» (( إذا نابكُم شيءٌ في الصَّلاة فليسبِّح الرِّجال ولتصفِّق النِّساء ) ).
ومنها أنَّ مخاطبة المصلِّي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق لمعاتبة النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على مخالفة إشارته.