فهرس الكتاب

الصفحة 10944 من 11127

7410 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة وحكى ضم الفاء أبو زيد البصري، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه

ج 30 ص 217

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَجْمَعُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (الْمُؤْمِنِينَ) من الأمم الماضية والأمَّة المحمديَّة، ولأبي الوقت وأبي ذرٍّ بضم التحتية على البناء للمفعول و «المؤمنون» مفعول ناب عن فاعله (يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ) أي مثل الجمع الَّذي نحن عليه، كذا في رواية الجميع وفسَّره البرماوي والعيني كالكرماني بهذا التَّفسير.

وقال الحافظ العسقلاني وأظنُّ أوَّل هذه الكلمة لام، والإشارة إلى يوم القيامة أو لِمَا يُذكر بعد، وقد وقع عند مسلم من رواية معاذ بن هشام عن أبيه (( يجمعُ إليه المؤمنين يوم القيامة فيهتمُّون لذلك ) ). وفي رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة (( يهتمون أو يلهمون لذلك ) )بالشَّكِّ، وسيأتي في «باب وجوهٌ يومئذٍ ناضرة» من رواية همام عن قتادة [خ¦7440] (( حتَّى يُهِمُّوا لذلك ) ).

(فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا) أي أحدًا فيشفع لنا، فالجزاء محذوفٌ أو كلمة «لو» للتَّمني فلا يحتاج إلى الجزاء (حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) بضم الياء، من الإراحة والمراد من المكان الموقف؛ أي بأن يحاسبوا ويخلصوا من حرِّ الشَّمس والغموم والكروب وسائر الأهوال ما لا يطيقون ولا يتحمَّلون (فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ) فيما هم فيه من الكرب الَّذي لا طاقة لهم به (خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) وضع «شيءٌ» موضع أشياء أو المسمَّيات لقوله تعالى {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة 31] أي أسماء المسميات إرادةً للتَّفصيل واحدًا فواحدًا حتَّى يستغرقَ المسميات كلَّها (شَفِّعْ) بفتح الشين المعجمة وكسر الفاء المشددة، أمرٌ من شفع يشفعُ وهو قبول الشَّفاعة.

قال الكرماني وهو لا يناسبُ المقام إلَّا أن يقال هو تفعيلٌ للتَّكثير والمبالغة، ولأبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الكُشميهني أمرٌ من شفع الثلاثي (لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكَ) أي ليست لي هذه المرتبة والمنزلة، هكذا رواية الأكثرين في الموضعين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسي .

(وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) أي أصابها، وهي أكله من الشَّجرة (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ بالإنذار (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) الموجودين بعد هلاك النَّاس بالطَّوفان، وليست أصل بعثته عامة فإنَّه من خصوصيَّات نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وكانت رسالة آدم عليه السلام لنبيِّه بمنزلة التَّربية والإرشاد.

وقال الكرماني إنَّ مفهومه أنَّ آدم عليه السلام ليس برسولٍ، وأجاب بأنَّه لم يكن

ج 30 ص 218

للأرض أهلٌ وقت آدم، وهو مقيَّدٌ بذلك. انتهى.

كذا ذكر صاحب «التوضيح» السُّؤال والجواب وهو في الحقيقة من كلام ابن بطَّال، وكذا قاله الداودي. ثمَّ قال ابن بطَّال فإن قيل لَمَّا تناسل منه ولده وجبَ أن يكون رسولًا إليهم؟ قيل لمَّا أُهبطَ آدم عليه السلام إلى الأرض علَّمه الله أحكام دينه وما يلزمه من طاعة ربِّه، ولمَّا حَدَثَ ولده بعده حملهم على دينه، وما هو عليه من شرائع ربِّه، كما أنَّ الواحدَ منَّا إذا ولد له ولدٌ يحمله على سنَّته وطريقته ولا يستحقُّ بذلك أن يسمَّى رسولًا، وإنَّما سمِّي نوحٌ عليه السلام رسولًا؛ لأنَّه بعث إلى قومٍ كفَّارٍ ليدعوهم إلى الإيمان.

قال العيني لقائلٍ أن يقول إنَّ قابيل لمَّا قَتل هابيلَ وهربَ من آدم وعصى عليه ومعه أولاده، وآدم دعاهم إلى الطَّاعة وإلى دينه فبهذا يُطلق عليه أنَّه أرسل إليهم فإذا صحَّ هذا يحتاج إلى جوابٍ شافٍ في الوجه بين هذا وبين قوله عليه السلام (( فإنَّه أول رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض ) ) [خ¦4476] .

وهنا شيءٌ آخر، وهو أنَّ أهل التَّاريخ ذكروا أنَّ إدريس عليه السلام جدُّ نوحٍ، فإن صحَّ أن إدريس رسولٌ لم يصحَّ قولهم إنَّه قبله وإلَّا احتُمل أن يكون إدريس غير مرسلٍ، فليتأمَّل.

(فَيَأْتُونَ نُوحًا) فيسألونه (فَيَقُولُ) لهم (لَسْتُ هُنَاكُمْ) بالميم بعد الكاف، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني بإسقاط الميم (وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) وهي سؤاله نجاةَ ولده من الغرق، وقيل هي قوله {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح 26] .

(وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) فيسألونه (فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ) وفي رواية المستملي والكُشميهني (وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا) وهي كذباته الثَّلاث {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات 89] و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء 63] وإنَّها أختي؛ أي سارة.

(وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا أَتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى) فيسألونه (فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وهي قتله النَّفس بغير حقٍّ (وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى، عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ) ردًّا لقول النَّصارى إنَّه ابن الله (وَكَلِمَتَهُ) لأنَّه [1] وُجِد بأمره تعالى من غير أبٍ (وَرُوحَهُ) المنفوخة في مريم (فَيَأْتُونَ عِيسَى) فيسألونه (فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقطت في رواية أبي ذرٍّ.

(عَبْدًا غُفِرَ لَهُ) بضم الغين وكسر الفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت والأَصيلي (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) عن سهوٍ

ج 30 ص 219

وتأويلٍ (وَمَا تَأَخَّرَ) بالعصمة (فَيَأْتُونِي) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) أي في الشَّفاعة للإراحةِ من هول الموقف (فَيُؤْذَنُ لِي) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالواو (عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي) أي يتركني ما شاء الله أن يتركني (ثُمَّ يُقَالُ لِي ارْفَعْ مُحَمَّدُ رَأْسَكَ) أي ارفع يا محمد رأسك (وَقُلْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الواو (يُسْمَعْ) بضم التحتية وسكون السين المهملة وفتح الميم؛ أي لك، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني بالفوقية بدل التحتية.

(وَسَلْ) بغير همز (تُعْطَهْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بغير هاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) بضم الفوقية وفتح الشين والفاء المشددة؛ أي تقبل شفاعتك (فَأَحْمَدُ رَبِّي) تعالى (بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا) وزاد أبو ذرٍّ وفي «تفسير سورة البقرة» [خ¦4476] (( يعلمنيها ) )بلفظ المضارع (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي) تعالى (حَدًّا) أي يُعيِّن لي قومًا مخصوصين، إمَّا بتعيين ذواتهم، وإمَّا ببيان صفاتهم (فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي) تعالى (وَقَعْتُ) له (سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ) رأسك (وَقُلْ يُسْمَعْ) لقولك، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني بالفوقية (وَسَلْ تُعْطَهْ) وفي رواية المستملي بغير هاء.

(وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ) له (سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ) رأسك (قُلْ يُسْمَعْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو وبالفوقية (وَسَلْ تُعْطَهْ) بالهاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (ثُمَّ أَشْفَعُ) أي لإخراج قومٍ من النَّاس (فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ) فيها ممن أشرك، وإسناد الحبس إليه مجاز؛ يعني من حكم الله في القرآن بخلوده، وهم الكفَّار، قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء 48] . ونحوه (وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) بنحو قوله {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء 57] .

قيل أوَّل الحديث يشعر بأنَّ هذه الشَّفاعة في العرصات لخلاصِ جميع أهل الموقفِ عن أهواله، وآخره يدلُّ

ج 30 ص 220

على أنَّها للتَّخليص من النَّار.

وأُجيب بأنَّ هذه شفاعات متعددة فالأُولى لأهوال الموقفِ، وهو المستفاد من قوله «فيُؤذن لي عليه» ثمَّ ما عداها للتَّخليص من النَّار وإخراج قومٍ من النَّاس من النَّار.

(قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) محمد رسول الله (وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ) زيادة على أصل التوحيد، أو المراد منه الإيمان (مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً) أي حبَّة من الحنطة (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الْخَيْرِ ذَرَّةً) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، واحدةُ الذَّرِّ وهو النَّمل الصِّغار والهباء الَّذي يظهر في عين الشَّمس أو غير ذلك.

وهذا الحديث موصولٌ بالإسناد الأوَّل وليس بإرسالٍ ولا تعليقٍ، وفي الحديث بيان أفضليَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام حيث أتى بما خاف عنه غيره.

وأمَّا ما نُسِب إليهم من الخطايا فمن باب التَّواضع وأنَّ حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، وإلَّا فهم صلوات الله عليهم معصومون مطلقًا، وفيه شفاعةٌ لأهل الكبائر من أمَّته خلافًا للمعتزلة والخوارج فإنَّهم ينكرونها.

وفيه الدَّلالة على وقوع الصَّغائر من الأنبياء، نقله ابن بطَّال عن أهل السُّنَّة وأطبقت المعتزلة والخوارج على أنَّه لا يجوز وقوعها منهم. قال العيني وأنا على قولهم في هذه المسألة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( خلقك الله بيده ) )وقد مضى الحديث في أول «تفسير البقرة» ، ومضى الكلام فيه [خ¦4476] .

[1] في هامش الأصل في نسخة لأنه وجد بمجرد كلمة {كن} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت