7444 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّي بفتح المهملة وتشديد الميم (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) هو عبدُ الملك بن حبيب الجوني من علماء البصرة (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ جَنَّتَانِ) مبتدأ (مِنْ فِضَّةٍ) خبر مقدم لقوله (آنِيَتُهُمَا) والجملة خبر المبتدأ الأول، ومتعلَّق «من فضَّة» محذوف؛ أي آنيتهما كائنة من فضَّة (وَمَا فِيهِمَا) عطف «على آنيتهما» ، ويحتمل أن يكون فاعل من «فضَّة» ؛ أي جنتان مفضض آنيتهما، وهي إشارة إلى قوله تعالى {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن 62] . واختلفوا في قوله {ومن دونهما} فقيل في الدَّرجة، وقيل في الفضل.
(وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) إعرابه كسابقه، وفي رواية حمَّاد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال حماد لا أعرفه إلا قد رفعه، قال (( جنَّتان من ذهب للمقرَّبين، ومن دونهما جنَّتان من وَرِق لأصحاب اليمين ) )رواه الطَّبراني وابن أبي حاتم ورجاله ثقات.
فإن قلت ظاهره أنَّ الجنَّتين من فضَّة لا ذهب فيها وبالعكس. ويعارضه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قلنا يا رسول الله حدِّثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ قال (( لبنة من ذهبٍ، ولبنة من فضَّة ) )رواه أحمد والتِّرمذي وصحَّحه. فالجواب أنَّ المراد بالأوَّل صفة ما في كلِّ جنَّة من آنية وغيرها، ومن الثَّاني حوائط الجنان كلها.
(وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ رِدَاءُ الْكِبْرِ) بكسر الكاف وسكون الموحدة، ويروى (عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) أي جنَّة إقامة، و «في» ظرف للقوم، قال القاضي عياض معناه راجع إلى النَّاظرين لا إلى الله، فإنَّه تعالى لا تحويه الأمكنةُ، وقال القرطبي متعلِّق بمحذوف في موضع الحال من «القوم» ؛ أي كائنين في جنَّة عدنٍ، وقال الكرماني «إلَّا رداء الكبرياء على وجهه» من المتشابهات إذ لا رداءَ حقيقة، ولا وجه، فإمَّا أن يفوَّض أو يؤوَّل الوجه بالذَّات، والرِّداء صفة من صفات الذَّات اللَّازمة المنزَّهة عمَّا يشبه المخلوقات.
وقال القرطبي في «المفهم» الرِّداء استعارة كني بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر (( الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري ) )وليس المراد الثِّياب
ج 30 ص 286
المحسوسة، لكن المناسبة أنَّ الرِّداء والإزار لمَّا كانا ملازمين للمخاطب من العرب عبَّر عن العظمة والكبرياء بهما، وقال الطِّيبي «على وجهه» حال من «رداء الكبرياء» ، والعامل فيه معنى ليس، وقوله (( في الجنَّة ) )متعلِّق بمعنى الاستقرار في الظَّرف، فيفيدُ بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنَّة.
وإليه أشار الشَّيخ التُّوربشتي بقوله يريد أن العبدَ المؤمن إذا تبوَّأ مقعده من الجنَّة تبوأ والحجب مرتفعة، والموانعُ التي تحجبه عن النَّظر إلى ربِّه مضمحلَّة إلا ما يصدُّهم من هيبة الجلال، وسبحات الجمال، وأبَّهة الكبرياء، فلا يرتفعُ ذلك منهم إلا برأفته ورحمته تفضُّلًا منه على عباده. قال الطِّيبي وأنشد في المعنى
~ أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ
~ لَا خِيفَةً بَلْ هَيْبَةً وَصِيَانَةً لِجَمَالِهِ
وحاصله أنَّه تعالى إذا [شاء] تقوية أبصارهم وقلوبهم كشفَ عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته فينظرون إليه، وقال الكرماني ظاهر الحديث يقتضي أنَّ رؤية الله غير واقعة، وأجاب بأنَّ مفهومه بيان قرب النَّظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرُّؤية، فعبَّر عن زوال المانع عن الأبصار بإزالة الرِّداء.
وقال الحافظ العسقلاني وحاصله أنَّ رداء الكبرياء مانع من الرُّؤية، فكأنَّ في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله (( إلا رداء الكبرياء ) )، فإنَّه يمنُّ عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنَّظر إليه، فكأنَّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤوا مقاعدهم من الجنَّة لولا ما عندهم من هيبةِ الجلال لَمَا حال بينهم وبين الرُّؤية حائل، فإذا أرادَ إكرامهم حفَّهم برأفته، وتفضَّل عليهم بتقويتهم على النَّظر إليه سبحانه وتعالى. انتهى.
والحاصل أنَّ رؤية الله تعالى حاصلة واقعة يوم القيامة في الموقفِ لكلِّ أحدٍ من الرِّجال والنِّساء، وقال قوم من أهل السنَّة تقع أيضًا للمنافقين، وقال آخرون وللكافرين أيضًا ثمَّ يحجبون بعد ذلك ليكون عليهم حسرة، وأما الرُّؤية في الجنَّة فأجمعَ أهل السنَّة على أنها حاصلة للأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين من كلِّ أمة، ورجالُ المؤمنين من البشر من هذه الأمَّة.
واختلف في نساءِ هذه الأمَّة، فقيل لا يرين؛ لأنهنَّ مقصورات في الخيام، ولم يَرِدْ في أحاديث الرُّؤية تصريح برؤيتهنَّ، وقيل يرين أخذًا من عموماتِ النَّص الواردة في الرُّؤية، أو يرين في مثل أيَّام الأعياد لأهل الجنَّة تجلِّيًا عامًا فيرينه لحديث أنس عند الدَّارقطني مرفوعًا (( إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربَّهم عزَّ وجلَّ في كلِّ جمعة، وتراه المؤمنات يوم الفطرِ ويوم النَّحر ) ).
وذهب الشَّيخ عز الدِّين بن عبد السَّلام
ج 30 ص 287
إلى أنَّ الملائكة لا يرون ربَّهم؛ لأنَّه لم يثبت لهم ذلك كما ثبتَ للمؤمنين من البشر، وقد قال الله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام 103] وخرج منه المؤمنون بالأدلَّة الثابتة فبقي على عمومه في الملائكة، ولأنَّ للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصَّبر على البلايا والمحن، وتحمُّل المشاق في العبادات لأجل الله، وقد ثبت أنَّهم يرون ربَّهم، ويسلِّم عليهم ويبشِّرهم بإجلالهِ ورضوانه عليهم أبدًا، ولم يثبت مثل ذلك للملائكة. انتهى.
وقد نقله عنه جماعة ولم يتعرَّضوه بنكير منهم العزُّ بن جماعة، ولكن الأقوى أنَّهم يرونه كما نصَّ عليه أبو الحسن الأشعري في كتابه «الإثابة» فقال أفضلُ لذَّات الجنَّة رؤية الله تعالى، ثمَّ رؤية نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقرَّبين، وجماعة المؤمنين والصِّدِّيقين النَّظر إلى وجهه الكريم، ووافقَه على ذلك البُلقيني وابن القيِّم والجلال السُّيوطي.
وفي مسلم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا دخل أهل الجنَّة الجنة يقول الله عزَّ وجلَّ تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون ألم تُبيِّض وجوهنا وتُدخلنا الجنَّة، قال فيُكشف لهم الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبُّ إليهم منه، ثمَّ تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس 26] ) )أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولعلَّه أشار إلى تأويله.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث في «تفسير سورة الرَّحمن» [خ¦4878] .