فهرس الكتاب

الصفحة 10986 من 11127

7449 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين (ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أصله مدني كان بالعراق، قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) أي ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري القرشي المدني قال (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد، كان على قضاء بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) الغفاري، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز

ج 30 ص 292

(عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبِّهِمَا) عزَّ وجلَّ إما مجازٌ عن حالهما المشابهة للخصومة كقولهم امتلأ الحوض، فقال قَطْنِي. والحوض لا يتكلَّم، وإما حقيقةٌ بأن يخلق الله فيهما الحياة والنُّطق ونحوهما، واختصما واختصامهما هو افتخار بعضهما على بعض ممَّن يسكنها، وفي رواية مسلم (( اختصمت النَّار والجنَّة ) )، وفي أخرى (( احتجَّت النَّار والجنَّة ) )، وفي لفظ آخر (( تحاجَّت النَّار والجنَّة ) ).

وقال القرطبي يجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنَّة والنَّار؛ لأنه لا يشترط عقلًا في الأصوات أن يكون محلها حيًّا، ولو سلَّمنا الشَّرط لجاز أن يخلق الله في بعض أجزائهما الجماديَّة حياة، لا سيما وقد قال بعض المفسِّرين في قوله تعالى {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت 64] . أنَّ كل ما في الجنَّة حي، ويحتمل أن يكون ذلك بلسان الحال والأوَّل أولى.

قال واختصامهما هو افتخار إحداهما على الأخرى بمن يسكنها، فتظنُّ النَّار أنَّها أُلقي فيها من عظماء الدُّنيا فهي آثر عند الله من الجنَّة، والجنَّة أنها أُلقي فيها من يسكنها من أولياء الله فهي آثر عند الله من النَّار.

(فَقَالَتِ الْجَنَّةُ يَا رَبِّ، مَا لَهَا) مقتضى الظَّاهر أن تقول ما لي، ولكنَّه على طريقة الالتفات (لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ) بالفتحتين، الضُّعفاء السَّاقطون من أعين النَّاس لتواضعهم لربِّهم تعالى وذلَّتهم له، وفي رواية مسلم بعد قوله (( وسقطهم وعَجَز>ُهم ) )، وفي رواية بعده (( وغِرَّتُهم وعَجَزهم ) )بفتح العين المهملة والجيم، جمع عاجز؛ أي العاجزن عن طلب الدُّنيا والتمكُّن فيها، وضُبِط أيضًا بضم العين وتشديد الجيم المفتوحة، وهو أيضًا جمع عاجز، وغِرَّتهم _ بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وبالمثناة الفوقية _.

قال النَّووي هذا هو الأشهر في نسخ بلادنا؛ أي البُلْه الغافلون الذين ليس لهم حذق في أمور الدُّنيا، والمراد بهم أهل الإيمان الذين لم يتفطَّنوا للشَّبه، ولم يوسوس لهم الشَّياطين بشيءٍ من ذلك فهم أهل عقائد صحيحة وإيمان ثابت، وهم الجمهور، وأمَّا أهل العلم والمعرفة فهم بالنِّسبة إليهم قليل.

(وَقَالَتِ النَّارُ يَعْنِي أُوْثِرْتُ) بضم الهمزة وسكون الواو والراء بينهما مثلثة؛ أي اختصصت (بِالْمُتَكَبِّرِينَ) أي المتعظِّمين بما ليس فيهم، وأُوثرت بالمنكرين»، مقولُ النَّار أبرزه في بعض النُّسخ كما هنا بقوله «تعني أُوثرت بالمتكبِّرين، ولم يقع هذا في كثير من النُّسخ حتى قال ابن بطَّال سقط قول هنا من جميع النُّسخ.

وقال الكرماني أين مقول النَّار؟ ثم قال قلت مقدَّر معلوم من سائر الرِّوايات وهو (( أُوثرت بالمتكبِّرين ) )، وفي رواية ابن وهب، عن مالك، عن أبي الزِّناد بلفظ (( أوثرت بالمتكبِّرين والمتجبِّرين ) )، وفي رواية سفيان عن أبي الزِّناد (( يدخلني الجبَّارون والمتكبِّرون ) )، وفي رواية محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة (( ما لي لا يدخلني إلا .... ) )إلى آخره.

(فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) مجيبًا لهما بأنَّه لا فضل لإحداكما على الأخرى من طريق من يسكنكما، وفي كلاهما شائبة شكاية إلى ربِّهما إذ لم يذكر كلَّ واحدة منهما

ج 30 ص 293

إلا ما اختصَّت به، وقد ردَّ الله ذلك إلى مشيئته، فقال (لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي) زاد في سورة ق (( أرحم بك من أشاء من عبادي ) ) [خ¦4850] وإنَّما سمَّاها رحمة؛ لأنَّ بها تظهر رحمته تعالى (وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ) وفي «تفسير سورة ق» (( إنَّما أنت عذاب أعذِّب بك من أشاء من عبادي ) ) [خ¦4850] (وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا) بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة (قَالَ فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ) من خلقه (فَيُلْقَوْنَ فِيهَا) على صيغة المجهول قيل لأنَّ لله تعالى أن يعذِّب من لم يكلِّفه بعبادة في الدُّنيا؛ لأن كلَّ شيء مُلْكه، فلو عذَّبهم لكان غير ظالمٍ لهم لا يسأل عمَّا يفعلُ كما هو مذهب أهل السنَّة، وهو عندهم من جهة الجواز، وأمَّا الوقوع ففيه نظرٌ، وسيجيء الكلام فيه.

وقال أبو الحسن القابسي المعروف في هذا الموضع أنَّ الله ينشئ للجنَّة خلقًا، وأمَّا النَّار فيضع فيها قدمه قال ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنَّه ينشئ للنَّار خلقًا إلا هذا. انتهى.

وقد مضى في «تفسير سورة ق» [خ¦4850] من طريق محمَّد بن سيرين [1] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه بعكس هذه الرِّواية قال ثمة وأمَّا النَّار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإن الله ينشئ لها خلقًا، وكذا في «صحيح مسلم» «وأما الجنَّة فإن الله ينشئ لها خلقًا» ، فقال جماعة إن الذي ورد هنا من المقلوب، وجزم ابن القيِّم بأنه غلط، واحتجَّ بأن الله أخبر بأنَّ جهنَّم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكرها البلقيني، واحتجَّ بقوله {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف 49] ثم قال وحمله على أحجار تُلقى في النَّار أقرب من حمله على ذي روح يعذَّب بغير ذنب، إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله بخلاف الإنعام على غير المطيع.

وقال الحافظُ العسقلاني ويمكن التزامُ أن يكونوا من ذوي الأرواح، لكن لا يعذَّبون كما في الخزنة، ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداءُ إدخال الكفَّار النَّار، وعبَّر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء الذي بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله فيُلقون فيها {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق 30] .

وقال الكرماني لا محذورَ في تعذيب الله تعالى من لا ذنب له، إذ القاعدة القائلة بالحُسْن والقبح العقليَّين باطلةٌ، فلو عذَّبه لكان عدلًا، والإنشاء للجنَّة لا ينافي الإنشاء للنَّار، والله يفعلُ ما يشاء فلا حاجة إلى الحمل على الوهم.

وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى قوله عند ذكر الجنَّة فإنَّ الله لا يظلمُ من خلقه أحدًا أنَّه يعذِّب من يشاء غير ظالم له كما قال (( أعذِّب بك من أشاء ) )، ويحتمل أن يكون

ج 30 ص 294

راجعًا إلى تخاصم الجنَّة والنَّار، فإن الذي جعل لكلٍّ منهما عدل وحكمة، وباستحقاق كل منهم من غير أن يظلم أحدًا.

وقال غيره يحتمل أن يكون على سبيل التَّلميح بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف 30] . فعبَّر عن ترك تضييع الأجر بترك الظُّلم، والمراد أنَّه يُدخل من أحسن الجنَّةَ التي وَعَدَ المتَّقين برحمته، وقد قال للجنَّة (( أنت رحمتي ) )وقال {إنَّ رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف 56] ولعلَّ هذا التَّوجيه أقرب.

(فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلاَثًا) أي قالها ثلاثًا، قال الزَّمخشري «المزيد» إما مصدر كالمجيد، وإمَّا اسم مفعول كالمبيع، وقيل هذا استفهام إنكار (حَتَّى يَضَعَ) الرَّب عزَّ وجلَّ فيها (قَدَمَهُ) هذا لفظ من المتشابهات، فإما التَّفويض وإما التأويل فقيل المراد به؛ أي يضع الله فيها من قدَّمه لها من أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوق اسمه القدم، أو هو عبارة عن زجرها وتسكينها كما يقال جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي (فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ) بضم الياء وفتح الراء، ويروى أي تضم (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ) بالتكرار ثلاثًا للتأكيد مع فتح القاف وسكون الطاء مخففة؛ أي حسبي، وفي بعض النُّسخ مرتين، ويروى .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أنت رحمتي ) ). وأخرجه مسلم من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[1] في الصحيح من رواية همام عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت