690 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) أي الثَّوري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعي _ بفتح السين المهملة وكسر الموحدة _، نسبة إلى سَبِيع بطن من هَمْدان.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الخَطْمي _ بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء _ نسبة إلى خطمة بطن من الأوسِّ، وكان عبد الله المذكور أميرًا على الكوفة في زمن ابن الزُّبير. وقال الذَّهبي عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو الأوسيُّ الخطمي، أبو موسى، شهد الحديبية، ومات قبل قتل ابن الزُّبير رضي الله عنهم.
(قَالَ حَدَّثَنِي) ويروى (الْبَرَاءُ) ويروى . ووقع للمؤلِّف في باب «رفع البصر في الصَّلاة» أنَّ أبا إسحاق قال سمعتُ عبد الله بن يزيد يخطبُ [خ¦747] ، وأبو إسحاق معروف بالرِّواية عن البراء بن عازب رضي الله عنه، لكنَّه سمع هذا عنه بواسطة.
ثمَّ في هذا الإسناد لطيفة وهي رواية الصَّحابي ابن الصَّحابي، عن الصَّحابي ابن الصَّحابي، كلاهما من الأوس ثمَّ من الأنصار، كلاهما سكن الكوفة.
(وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ) على وزن فعول للمبالغة، واختلفوا فيمن يعود الضمير إليه، والظَّاهر أنَّه من كلام عبد الله بن يزيد، فيعود الضَّمير إلى البراء، وعلى ذلك جرى الحُميدي في «جمعه» ، وصاحب «العمدة» .
وروى عبَّاس الدُّوري في «تاريخه» عن يحيى بن معين أنَّه قال قوله «غير كذوب» ، إنَّما يريد به عبدَ الله بن يزيد الرَّاوي عن البراء لا البراء، إذ لا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كذوب؛ يعني أنَّ هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته،
ج 4 ص 220
والصَّحابة كلُّهم عدولٌ، ولا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقَّبه الخطَّابي فقال هذا القول لا يوجب تهمة في الرَّاوي، وإنَّما يوجب حقيقة الصِّدق له. قال وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالرَّاوي، والعمل بما روى.
كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول سمعتُ خليلي الصَّادق المصدوق. وقال ابن مسعود رضي الله عنه حَدَّثني الصَّادق المصدوق.
وقال القاضي عياض وتبعه النَّووي لا وهْمَ في هذا على الصحابيِّ؛ لأنَّه لم يُرِدْ به التَّعديل، وإنَّما أراد به تقوية الحديث، إذ حدَّث به البراء، وهو غير متَّهم؛ أي لكونه صحابيًا. ومثل هذا قول أبي مسلمة الخولاني حَدَّثني الحبيب الأمين، وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة رضي الله عنهما، فذكر مقالهما، وهذا قالوه تنبيهًا على صحَّة الحديث، لا أنَّ قائله قصد به تعديل راويه.
وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التَّعديل لأجل صحبته، ولم ينزِّه عن ذلك عبد الله بن يزيد، ولا وجه له، فإنَّ عبد الله بن يزيد معدود في الصَّحابة أيضًا. انتهى كلامه.
وقد علمت أنَّه أخذ كلام الخطَّابي فبسطه، واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأنَّ يحيى بن معين لا يُثبِتُ صحبةَ عبد الله بن يزيد. وقد نفاها أيضًا مصعب الزُّبيري، وتوقَّف فيها أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي والدَّارقطني وآخرون.
وقال النَّووي معنى الكلام حدَّثني البراء، وهو غير متَّهم كما علمتُم، فثقوا بما أخبركم به عنه. هذا وقد ظهر من كلام الخطَّابي، والقاضي عياض، والنَّووي أنَّ هذا القول في البراء. ويترجَّح هذا بوجهين
الأوَّل أنَّه روي عن أبي إسحاق في بعض طُرقه سمعتُ عبد الله بن يزيد، وهو يخطبُ يقول حَدَّثنا البراء، وكان غير كذوب، ويروى من غير طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد (( حَدَّثنا البراء ) )، وهو غير كذَّاب. أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه» .
وقد روى ابن خُزيمة في «صحيحه» من طريق محارب بن دثار، قال سمعتُ عبد الله بن يزيد على المنبر يقول حَدَّثني البراء، وكان غير كذوب.
الثَّاني أنَّ الضَّمير أعني قوله (( وهو ) )يرجع إلى أقرب المذكورين، وهو البراء رضي الله عنه.
هذا وقد اعترضَ بعض المتأخِّرين على التنظير المذكور في قول الخطَّابي فقال كأنَّه لم يلمَّ بشيء من علم البيان؛ للفرق الواضح بين قولنا فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأنَّ في الأوَّل إثبات الصِّفة للموصوف، وفي الثَّاني نفي ضدَّها عنه، فهما مفترقان. قال والسرُّ فيه أنَّ نفي الضدِّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته، بخلاف إثبات الصِّفة. انتهى.
وقال
ج 4 ص 221
الحافظ العسقلانيُّ والذي يظهر لي أنَّ الفرق بينهما أنَّه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النَّفي بالالتزام، لكنَّ التنظير صحيح بالنِّسبة إلى المعنى المراد باللَّفظين؛ لأنَّ كلاًّ منهما يَرِدُ عليه أنَّه تزكية في حقِّ مقطوعٍ بتزكيتهِ، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدَّم من أنَّ المراد بكلٍّ منهما تفخيمُ الأمر وتقويته في نفس السَّامع.
ثمَّ إنَّ المراد بقوله (( غير كذوب ) )، نفي مطلق الكذب لا نفي المبالغة، كقوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت 46] أي وما ربُّك بذي ظلمٍ، وإنَّما عبَّر بما يدلُّ على نفي المبالغة؛ لأنَّ من كذب في رواية أحكام الشَّرع التي آثارها باقية إلى يوم القيامة لا يكون إلَّا كذوبًا، وكذا في العذاب من العِظَم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذِّب به ظلَّامًا بليغ الظُّلم متفاقمه.
فائدةٌ روى الطَّبراني في «مسند عبد الله بن يزيد» هذا شيئًا يدلُّ على سببِ روايته لهذا الحديث، فإنَّه أخرج من طريقه أنَّه كان يصلِّي بالنَّاس بالكوفة، فكان النَّاس يضعون رؤوسهم قبل أن يضعَ رأسه، ويرفعون قبل أن يرفعَ رأسه. فذكر الحديث في إنكاره عليهم.
(قَالَ) أي البراء (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية شعبة (( إذا رفع رأسه من الرُّكوع ) )، وفي رواية لمسلم (( فإذا رفع رأسه من الرُّكوع فقال سمع الله لمن حمده لم نَزَلْ قيامًا ) ).
(لَمْ يَحْنِ) بفتح المثناة التحتية وسكون المهملة وكسر النون أو ضمها، يقال حنيت العود عطفته وقوَّسته، وحنوت لغةٌ فيه، وفي رواية مسلم (( لا يحنو أحد ) ) (( ولا يحني أحد ) )روايتان؛ أي لم يَثنِ ولم يقوِّس (أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (سَاجِدًا) وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق «حتَّى يضع جبهته على الأرض» وسيأتي في باب «سجود السهو» [خ¦811] . ونحوه لمسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق، ولأحمد عن غُندر عن شعبة (( حتَّى يسجد ثمَّ يسجدون ) ).
(ثُمَّ نَقَعُ) بنون المتكلِّم مع الغير وبالرفع (سُجُودًا بَعْدَهُ) استدلَّ به ابنُ الجوزي على أنَّ المأموم لا يشرع في الرُّكن حتَّى يتمَّه الإمام. وفيه نظر؛ لأنَّ الإمام إذا أتمَّ الركن ثمَّ شرع المأموم فيه لا يكون متابعًا للإمام، ولا يعتدَّ بما فعله، وليس في الحديث إلَّا التأخُّر حتَّى يتلبَّس الإمام بالركن الذي ينتقلُ إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ عنه.
ووقع في حديث عَمرو بن حُرَيث عند مسلم (( فكان لا يحني أحدٌ
ج 4 ص 222
منَّا ظهره حتَّى يستتمَّ ساجدًا )) . وروى أبو يعلى من حديث أنس رضي الله عنه (( حتَّى يتمكَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم من السُّجود ) ). ومعنى هذا كله ظاهر في أنَّ المأموم يشرعُ في ركنٍ بعد شروع الإمام فيه، وقبل فراغه عنه، واستدلَّ به قوم على طول الطُّمأنينة. وفيه نظر؛ لأنَّ الحديث لا يدلُّ على هذا، ويُستفاد منه جواز النَّظر إلى الإمام لأجل اتباعه في انتقالاته.
(حَدَّثَنَا) وفي رواية (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (عَنْ سُفْيَانَ) ويروى أي الثَّوري (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعي (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث هكذا في رواية المستمليْ وكريمة، وسقط عند الباقين.
وقال صاحب «التَّلويح» هذا السَّند مذكور في نسخة سماعنا، وفي بعض النُّسخ عليه ضرب، ولم يذكره أصحابُ «الأطراف» أبو العبَّاس الطرقي، وخلف، وأبو مسعود فمن بعدهم، ولم يذكره أيضًا أبو نُعيم في «المستخرج» .
وقد أخرجه أبو عَوَانة عن الصغَّاني وغيره عن أبي نُعيم، ولفظه (( كنَّا إذا صلَّينا خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يَحنِ أحدٌ ظهرهُ حتَّى يضعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم جبهته ) ).
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذي والنَّسائي أيضًا.