691 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ) وفي نسخة معرَّفًا باللام (ابْنُ مِنْهَالٍ) السُّلمي الأنماطي البصري أبو محمَّد، وقد مرَّ ذكره في باب «ما جاء أنَّ الأعمال بالنيَّة» ، في آخر كتاب الإيمان [خ¦55] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية، الجمحيِّ المدنيِّ، سكن البصرة، وفي التابعين أيضًا محمَّد بن زياد الألهاني الحمصي، وله عنده حديث واحد عن أبي أمامة رضي الله عنه في «المزارعة» [خ¦2321] .
(سَمِعْتُ) وفي رواية (أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ، وواسطيٍّ، ومدنيٍّ. وقد أخرج متنه الأئمة الستَّة.
(قَالَ أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) وفي رواية الكُشميهنيِّ .
قال محمود العيني اختلفت ألفاظ هذا الحديث؛ فرواه مسلم والتِّرمذي وابن ماجه (( أما يخشى الذي يرفع رأسه ) ). وفي رواية النَّسائي (( ألا يخشى ) ). وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية حفص بن عمر عن شعبة (( أما يخشى _ أو ألا يخشى _ ) )بالشَّكِّ. وقال الكرماني الشَّك من أبي هريرة رضي الله عنه، وكلمة «أما» بتخفيف الميم حرف استفتاحٍ مثل «ألا» ، وأصلُها «ما» النافية دخلتْ عليها همزة استفهامٍ للتَّوبيخ والإنكار.
(إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ) زاد ابن خُزيمة من رواية حمَّاد بن زيد، عن محمَّد بن زياد (( في صلاته ) )، وفي رواية
ج 4 ص 223
حفص بن عمر (( الذي يرفع رأسه والإمام ساجد ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ فتبيَّن أنَّ المراد الرَّفع من السُّجود، قال ففيه تعقُّبٌ على من قال إنَّ الحديث نَصٌّ في المنع مِن تقدَّم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسُّجود معًا، وإنَّما هو نصٌّ في السُّجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه.
ويمكن أن يفرَّق بينهما بأنَّ السجود له مزيد مزيَّة؛ لأنَّ العبدَ أقربُ ما يكون من ربِّه وهو ساجد، ولأنَّه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خُصَّ بالتَّنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشَّيئين المشتركين في حكمٍ إذا كان للمذكور مزيَّة.
هذا وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه لا يجوزُ تخصيص رواية البخاري برواية أبي داود؛ لأنَّ الحكم فيهما سواء، ولو كان الحكم مقصورًا على الرفع من السُّجود؛ لكان لدعوى التَّخصيص وجه.
ثمَّ إنَّ قوله (( وإنَّما هو نصٌّ في السُّجود ) )كلام ساقطٌ جدًا؛ لأنَّ الكلام هاهنا في رواية البخاري، وليس فيها نصٌّ على ذلك، بل هو عامٌّ في السُّجود والركوع، كما قال ابن دقيق العيد إنَّه نصٌّ في المنع من تقدُّم المأموم على الإمام في الرَّفع. انتهى فليتأمَّل.
وأمَّا التقدُّم على الإمام في الخفضِ للركوع والسُّجود، فقيل يلتحقُ به من باب الأولى؛ لأنَّ الاعتدال والجلوس بين السَّجدتين من الوسائل، والرُّكوع والسُّجود من المقاصد، وإذا دلَّ الدَّليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن تجبَ فيما هو مقصد.
ويمكن أن يقال هذا ليس بواضح؛ لأنَّ الرفع من الرُّكوع، أو السُّجود لا يستلزمُ قطعه عن غاية كماله، ودخوله النَّقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل. وقد ورد الزَّجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر أخرجه البزَّار من رواية مَليح بن عبد الله السَّعْدي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( الذي يخفضُ ويرفعُ قبل الإمام إنَّما ناصيتُه بيد شيطانٍ ) ). وأخرجه عبد الرَّزَّاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ.
(أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) وهاهنا أيضًا اختلفتْ ألفاظ الحديث. ففي رواية مسلم بن عُبيد عند مسلم (( ما يأمنُ الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحوِّل الله رأسه رأس كلب ) ). وفي رواية الدَّارقطني من رواية مليح السَّعدي عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فإنَّما ناصيته
ج 4 ص 224
بيد شيطان )) ، ورواه البزَّار أيضًا كما تقدَّم.
وروى الطَّبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (( ما يأمنُ الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يعودَ رأسه رأسُ كلب، ولينتهينَّ أقوامٌ يرفعون أبصارهم إلى السَّماء، أو ليُخْطفنَّ أبصارهم ) )وهو موقوفٌ، ولكنه لا يدرك بالرَّأي، وحكمه حكمُ المرفوع.
(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) قال الكرمانيُّ الشَّك فيه من أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ الشَّك من شعبة فقد رواه الطَّيالسي عن حمَّاد بن سلمة، وابن خُزيمة من رواية حمَّاد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عُبيد، والرَّبيع بن مسلم كلهم عن محمَّد بن زياد بغير تردُّدٍ؛ فأمَّا الحمَّادان فقالا (( رأسه رأسُ حمارٍ ) )، وأمَّا يونس فقال (( صورتُه صورةُ حمارٍ ) )، وأمَّا الرَّبيع فقال (( وجهُه وجهُ حمارٍ ) )، والظَّاهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة. انتهى.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه لا يلزم من إخراجهم بغير تردُّد أن لا يُخرِّج غيرهم بغير تردُّد، فإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون التردُّد من شعبة، أو من محمَّد بن زياد، أو من أبي هريرة رضي الله عنه، فمن ادَّعى تعيين واحد منهم فعليه البيان.
ثمَّ قوله والظَّاهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة ففيه أنَّه كيف يكون من تصرُّفهم، ولكلِّ واحد منهم من هذه الألفاظ معنى في اللُّغة يغاير معنى الآخر.
أمَّا الرَّأس فهو اسم لعضو مشتمل على الناصية والقفا والفودين.
وأمَّا الصُّورة فهي الهيئة، يقال صورته حسنة؛ أي هيأته، ويطلق على الصِّفة أيضًا يقال صورة الأمر كذا وكذا؛ أي صفته، ويطلق على الوجه أيضًا، يقال صورته حسنة؛ أي وجهه، ويطلقُ على شكل الشَّيء وخلقته.
وأمَّا الوجه فهو اسمٌ لما يواجه به الإنسان، وهو من منبت النَّاصية إلى أسفلِ الذَّقن طولًا، ومن شحمة الأُذن إلى شحمة الأذن عرضًا، والظَّاهر أنَّ هذا الاختلاف من اختلاف تعدُّد القصَّة، ورواة الرَّأس أكثر، وعليه العمدة.
وقال القاضي عياض هذه الرِّوايات متَّفقة؛ لأنَّ الوجه في الرأس، ومعظم الصُّورة فيه. وفيه نظر؛ لأنَّ الوجه خلاف الرَّأس لغةً وشرعًا.
ثمَّ إنَّ العلماء تكلَّموا في معنى الوعيد المذكور فقيل [1] يحتمل أن يرجع إلى أمر معنويٍّ، فإنَّ الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب من فروض الصَّلاة، ومتابعة الإمام.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ليس قوله (( أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار ) )على حقيقته، فإنَّ المسخ في هذه الأمَّة مأمون، وإنَّما المراد به معنى الحمار في قلَّة البصيرةِ وكثرة العناد، فإنَّ من شأنهِ إذا قُيَّد
ج 4 ص 225
حزن، وإذا حبس طفر، لا يُطيع قائدًا، ولا يعين حابسًا.
وقال ابن بَزِيزة يحتمل أن يراد بالتَّحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسيَّة أو المعنويَّة، أو هما معًا، وربَّما يرجِّح التَّأويل بأنَّ التَّحويل لم يقعْ مع كثرة الفاعلين لذلك، لكن ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّ ذلك يقع ولابد، وإنَّما يدلُّ على كون فاعله متعرِّضًا لذلك، وكون فعله صالحًا لأنْ يقعَ عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرُّض للشيء وقوع ذلك الشَّيء، قاله ابن دقيق العيد.
وحمله آخرون على ظاهره وقالوا لا مانع من جواز وقوع ذلك، وسيأتي في كتاب «الأشربة» الدَّليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمَّة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المعازف، فإن فيه ذكر الخسف، وفي آخره (( ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ) [خ¦5590] .
وروى التِّرمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يكون في آخر هذه الأمَّة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ ) )الحديث.
وروي أيضًا عن عليٍّ وأبي هريرة وعمران بن حصين. وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن عمرو وسهل بن سعد. وروى الطَّبراني من حديث أبي أمامة. وروى عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» من حديث عبادة بن الصَّامت وابن عبَّاس. وروى أبو يعلى والبزَّار من حديث أنس. وروى الطَّبراني أيضًا من حديث عبد الله بن بشر وسعيد بن أبي راشد. وروى الطَّبراني أيضًا في «الصَّغير» من حديث أبي سعيد الخدري وابن عبَّاس رضي الله عنهم. ولكن أسانيدها لا تخلو عن مقال.
وقد قال محمود العيني وقفنا في بعض الكتب، وسمعنا من الثِّقات أنَّ جماعة من الشِّيعة الذين يسبُّون الصَّحابة رضي الله عنهم قد تحوَّلت صورتهم إلى صورة حمار وخنزير عند موتهم. وكذلك جرى على من عقَّ والديه، وخاطبهم باسم الحمار والخنزير والكلب. وسيأتي مزيد لذلك في (( تفسير سورة الأنعام ) )إن شاء الله تعالى.
ويقوِّي حمله على ظاهره أنَّ في رواية ابن حبَّان من وجه آخر عن محمَّد بن زياد (( أن يحوِّل الله رأسه رأس كلب ) )فهذا يبعِّد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
وممَّا يبعِّده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبَل، وباللَّفظ الدَّال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريدَ تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا فرأسه رأس حمار، وذلك لأنَّ الصِّفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله، فلا يحسنُ أن يقال له يخشى إذا فعل ذلك أن يصير بليدًا مع أنَّ الفعل المذكور إنَّما نشأ عن البلادة، والله أعلم.
وفي الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 226
بأمَّته، وبيانه لهم الأحكام، وما يترتَّب عليها من الثَّواب والعقاب. وفيه الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام، ونظر ابن مسعود رضي الله عنه إلى من سبق إمامه، فقال لا وحدَك صلَّيت، ولا بإمامك اقتديتَ. وعن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه، وأمره بالإعادة.
وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرَّفع قبل الإمام؛ لكونه توعَّد عليه بالمسخ، وهو أشدُّ العقوبات. وبذلك جزم النَّووي في «شرح المهذَّب» ، ومع القول بالتَّحريم، فالجمهورُ على أنَّ فاعله يأثم، وتُجزئ صلاته.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما تبطلُ كما تقدَّم، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظَّاهر بناءً على أنَّ النَّهي يقتضي الفساد.
وقال القرطبي من خالفَ الإمام فقد خالف السنَّة، وأجزأتْه صلاته عند جمهور العلماء.
وفي «المغني» لابنِ قدامة فإن سبقَ إمامه فعليه أن يرفعَ ليأتي بذلك مؤتمًا بالإمام، فإن لم يفعلْ حتَّى لحقه الإمام سهوًا أو جهلًا، فلا شيءَ عليه، فإن سبقه عالمًا بتحريمه
فقال أحمد في «رسالته» ليس لمن سبق الإمام صلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام ) )الحديث، ولو كانت له صلاة يرجى له الثَّواب، ولم يخشَ عليه العقاب.
فائدة قال صاحب «القَبَس» ليس للتقدُّم قبل الإمام إلَّا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يستحضرَ أنَّه لا يسلِّم قبل الإمام فلا يستعجل في هذه الأفعال.
وفيه أيضًا دَلالة على جواز المقارنة على ما قيل. وفيه أنَّه لا دَلالة فيه على ذلك؛ لأنَّه دلَّ بمنطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طلب المتابعة، وأمَّا المقارنة فمسكوت عنها.
وقال ابن بَزِيزة استدلَّ بظاهر هذا الحديث قوم لا يعقلون على جواز التَّناسخ، وهو مذهبٌ رديء مبنيٌّ على دعاوى بغير برهان. ثمَّ الذي استدلَّ بذلك منهم إنَّما استدلَّ بأصل النسخ لا بخصوص هذا الحديث، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل القائل هو الشيخ تقي الدين.