فهرس الكتاب
7508 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ الله بن محمد بن أبي الأسود، واسم أبي الأسود حميد بن الأسود البصري قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) قال (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طَرْخان التَّيمي البصري قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزدي العوذي البصري (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا) لم يُسمَّ (فِيمَنْ سَلَفَ) في جملتهم (أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شكُّ من الراوي؛ أي في بني إسرائيل، وفي رواية الأَصيلي بالهاء بدل الكاف.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (كَلِمَةً) وقوله (يَعْنِي) أي معنى الكلمة تفسير لها (أَعْطَاهُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ) أي حضرته الوفاة، وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ لِبَنِيهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ)
ج 30 ص 352
قال أبو البقاء لفظ «أي» منصوب بقوله «كنتُ» ، وجاز تقديمه لكونه استفهامًا ويجوز الرفع وهو الَّذي في الفرع وصحَّح عليه، (( وخيرَ أبٍ ) )بالنصب على تقدير كنتَ خيرَ أبٍ، قال أبو البقاء هو الأجودُ فيوافق ما هو جواب عنه ويجوز الرفع بتقدير أنتَ خيرُ أبٍ.
(قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ) بفتح التحتية وسكون الموحدة وفتح الفوقية بعدها همزة مكسورة فراء مهملة. قال في «المصابيح» وهو المعروف في اللُّغة؛ أي لم يُعِدَّ خبئيةَ خيرٍ ولم يدَّخر، من بَأر _ بالموحدة والهمزة _ يقال بأرتُ الشَّيء وابتأرته أباره وابتئره (أَوْ) قال (لَمْ يَبْتَئِزْ) بالزاي بدل الراء، كذا في رواية أبي ذرٍّ، وقيل ينسب هذا إلى أبي زيدٍ المروزي. وقال في «المطالع» وقع للبخاريِّ في «كتاب التوحيد» على الشَّكِّ في الراء والزاي؛ أي لم يُقدِّم.
(عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا) ليس المراد نفي كل خيرٍ على العموم بل ينفي ما عدا التَّوحيد، ولذلك غُفِر له، فلو كان التَّوحيد منتفيًا أيضًا لتحتَّم عقابه سمعًا ولم يغفر له (وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ) أي يضيِّق الله (عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ) بالجزم، وسقط «عليه» في رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي (فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطع (حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي) من سحقَ الدَّواء دقَّه، ومنه مسكٌ سحيقٌ (أَوْ قَالَ فَاسْحَكُونِي) بالكاف بدل القاف، وهما بمعنىً، والشَّكُّ من الرَّاوي، ويُروى بالهاء بدل الحاء المهملة. وقال الخطَّابي ويروى يعني باللام ثمَّ قال معناه أبردوني بالمسحل، وهو المِبْرَد ويقال للبُرادة سحالة.
(فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا) بهمزة قطع وبمعجمة، يقال ذرت الرِّيح الشَّيء وأذرته أطارته وأذهبته (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي) قسمٌ من المُخبِر بذلك عنهم تأكيدًا لصدقه، وإن كان محقّق الصِّدق قطعًا (فَفَعَلُوا) ما قال لهم وَأَخَذَ عليه مَواثيقهم بعد موته من الإحراق والسَّحق (ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ريحه.
(فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ) زاد أبو عَوَانة في «صحيحه» (( في أسرع من طرفة العين ) ) (قَالَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ له (أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ مَخَافَتُكَ _ أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ _) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية الأَصيلي بالنصب فيهما، فَرَق بفتح الفاء والراء؛ أي خوف.
قال البدر الدَّماميني (( مخافتُك ) )ومعطوفه رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي الحامل لي مخافتُك أو فرقٌ منك، فإن قلت لِمَ لَمْ تجعله
ج 30 ص 353
فاعلًا لفعل محذوف؛ أي حملني على ذلك مخافتك أو فرق منك؟ قلت لوجهين
أحدهما إنَّه إذا دارَ الأمر بين كون المحذوف فعلًا وكونه مبتدأ والثابث خبرًا، فالثَّاني أولى لأنَّ المبتدأ عين الخبر، فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفًا كلا حذف، وأمَّا الفعل فإنَّه غير الفاعل.
والوجه الثاني أنَّ التَّشاكل بين جملتي السُّؤال والجواب مطلوبٌ ولا خفاء بأنَّ قولك «ما حملك على أنْ فعلتَ ما فعلت» ، جملة اسمية فليكن جوابها كذلك لمكان المناسبة، ولك على هذا أن تجعلَ «مخافتك» مبتدأ والخبر محذوفًا؛ أي حملني. انتهى، فليتأمل.
(قَالَ فَمَا تَلاَفَاهُ) بالفاء؛ أي فما تداركه (أَنْ رَحِمَهُ) أي بأن رحمه (عِنْدَهَا) قال الكرماني مفهومه عكس المقصود، ثمَّ أجاب بأن «ما» موصولة؛ أي الَّذي تلافاه هو الرَّحمة، أو نافيةٌ، وكلمة الاستثناء محذوفة عند من جوَّز حذفها. قال الدَّماميني وهو رأي السُّهيلي والمعنى فما تلافاه إلَّا برحمته، ويؤيِّد هذا قوله
(وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَا تَلاَفَاهُ غَيْرُهَا) أو المراد ما تلافا عدم الابتيار لأجل أن رحمه، أو بأن رحمه فافهم، قال سليمان التَّيمي (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أي بهذا الحديث (أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرحمن النَّهدي (فَقَالَ سَمِعْتُ هَذَا) الحديث (مِنْ سَلْمَانَ) الفارسي الصَّحَّابي رضي الله عنه، كما رويتَه (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ) أي أذروه في يومٍ عاصفٍ في البحر، أو كما حدَّث.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( قال الله أيْ عبدي ) )وقد مضى الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3478] وفي «الرِّقاق» [خ¦6481] ، وفي سنده ثلاثة من التَّابعين على نسقٍ واحد.
(حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان (وَقَالَ) في روايته (لَمْ يَبْتَئِرْ) يعني بالراء (فَسَّرَهُ قَتَادَةُ) أي ابن دعامة بقوله (لَمْ يَدَّخِرْ) أخرجه الإسماعيلي.
وقال في «المصابيح» قال السَّفاقسي وعند المعتزلة أنَّ هذا الرَّجل إنَّما غُفر له من أجل توبته التي تابها؛ لأنَّ قبول التَّوبة واجب عقلًا، والأشعريُّ قطع بها سمعًا وغيره جوَّز القبول كسائر الطَّاعات.
وقال ابنُ أيمن قبول التَّوبة عند المعتزلة واجبٌ على الله تعالى عقلًا وعندنا واجبٌ بحكم الوعد والتَّفضُّل والإحسان لنا وجوه الأول الوجوب لا يتقرَّر معناه إلَّا إذا كان بحيث [لو] لم يفعل الفاعل استحقَّ الذَّمَّ، فلو وجب القبول على الله تعالى لكان بحيث لم يقبل لصار مستحقًّا للذَّم وهو محالٌ؛ لأنَّ من كان كذلك فإن يكون مستكملًا بفعل القبول والمستكمل بالغير ناقصٌ لذاته، وذلك في حقِّ الله محال.
الثَّاني
ج 30 ص 354
أنَّ الذَّمَّ إنَّما يمنع من الفعل من كان ينفعل بسماعه وينفر عنه طبعه، ويظهرُ له بسببه نقصان حاله، أمَّا من كان متعاليًا عن الشَّهوة والنَّفرة والزِّيادة والنُّقصان لم يعقل تحقُّق الوجوب في حقِّه بهذا المعنى.
الثالث أنَّه تعالى تمدَّح بقبول التَّوبة في قوله {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة 104] . ولو كان ذلك واجبًا لَمَا تمدَّح به؛ لأنَّ أداء الواجب لا يُفيد المدح والثَّناء والتَّعظيم.
قال بعض المفسِّرين قبول التوَّبة من الكفر يقطعُ به على الله تعالى إجماعًا، وبهذا نزلت هذه الآية، وأمَّا المعاصي فيقطع بأن الله تعالى يقبل التَّوبة منها من طائفة من الأمة.
واختلف هل يقبل توبة الجميع وأمَّا إذا عُين إنسان تائب فيرجى قبول توبته، ولا يُقطعُ به على الله تعالى، وأمَّا إذا فرضنا تائبًا غير معيَّنٍ صحيح التَّوبة، فقيل يُقطعُ على الله بقبول توبته، وعليه طائفةٌ منهم الفقهاء والمحدِّثون؛ لأنَّه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن يقبلَ توبة جميع التَّائبين.
وذهب أبو المعالي وغيره إلى أنَّ ذلك لا يقطعُ به على الله بل يقوى في الرَّجاء، والقول الأول أرجح، ولا فرق بين التَّوبة من الكفر والتَّوبة من المعاصي بدليل أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، والتَّوبة تجب ما قبلها. انتهى.