فهرس الكتاب

الصفحة 11053 من 11127

7507 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي ابن الحصين بن جابر بن جندل، أبو إسحاق السُّلمي السَّرْماري _ بفتح السين المهملة وكسرها وسكون الراء الأولى _ نسبةً إلى سرمارة قريةٌ من قرى بخارى، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الكلابي البصري، حدَّث عنه البخاريُّ بلا واسطةٍ في «كتاب الصلاة» [خ¦575] وغيره [خ¦5046] [خ¦5812] [خ¦6167] [خ¦6263] ، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن أبي طلحة الأنصاري التَّابعي المشهور قال (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم،

ج 30 ص 349

التَّابعي الجليل من أهل المدينة له في البخاريِّ عن أبي هريرة عشرة أحاديث غير هذا الحديث، واسم أبيه كنيتُه، وهو أنصاريٌّ صحابيٌّ، ويقال إنَّ لعبد الرَّحمن رؤيةٌ، وقال ابن أبي حاتم ليست له صحبةٌ.

(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا) بالشَّكِّ (فَقَالَ رَبِّ) أي يا رب (أَذْنَبْتُ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ) ذنبًا (فَاغْفِرْ) ذنبي، وفي رواية أبي ذرٍّ وفي رواية الكُشميهني (فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي) بهمزة الاستفهام والفعل الماضي، وفي رواية الأَصيلي بحذف الهمزة (أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ) أي يعاقِبُ عليه، وفي رواية الأَصيلي (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) ذنبه أو ذنوبه (مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ) من الزَّمان (ثُمَّ أَصَابَ) ذنبًا آخر، وفي رواية جماعةٍ عند مسلم (( ثمَّ عاد فأذنب ) ) (أَوْ) قال (أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ، أَوْ) قال أصبتُ (آخَرَ فَاغْفِرْهُ) لي، وفي رواية الأَصيليِّ (فَقَالَ) ربُّه (أَعَلِمَ) وفي رواية الأَصيلي (عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ) ويعاقِبُ فاعله عليه (غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) آخر (وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ، أَوْ قَالَ) سقط لفظ «قال» في رواية غير أبي ذرٍّ.

(أَذْنَبْتُ) ذنبًا (آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي) كذا وقع بالشَّكِّ في هذه المواضع المذكورة كلِّها في هذا الحديث من هذا الوجه، ورواه حمَّاد بن سلمة عن إسحاق عند مسلمٍ بلفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربِّه عزَّ وجلَّ، قال (( أذنب عبدي ذنبًا ) )ولم يشكَّ، وكذا في بقيَّة المواضع.

(فَقَالَ) ربُّه (أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثَلاَثًا) أي الذُّنوب الثَّلاثة، وسقط لفظ «ثلاثًا» في رواية أبي ذرٍّ، كما سقط قوله (فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) إذا كان هذا دأبه يذنبُ الذَّنب فيتوب منه ويستغفر، لا أنَّه يذنب الذَّنب ثمَّ يعود إليه، فإنَّ هذه توبة الكذَّابين، ويدلُّ له قوله «أصاب ذنبًا آخر» ، كذا قرَّره المنذري، وحاصله ما دام يذنبُ فيتوب غفرتُ له.

وقال النَّووي في الحديث أنَّ الذُّنوب ولو تكررت مائة مرَّةٍ بل ألفًا وأكثر وتاب في كلِّ مرَّةٍ قُبلت توبته أو تاب عن الجميع توبةً واحدةً صحَّت توبته.

وقال أبو العبَّاس القرطبي في «المُفهم» هذا الحديث يدلُّ على عظم فائدة الاستغفار وكثرة فضل الله وسعة رحمته

ج 30 ص 350

وحكمه وكرمهِ، لكن هذا الاستغفار هو الَّذي يثبت [1] معناه في القلب مقارنًا للِّسان لينحلَّ عنه عقدة الإصرار ويحصل معه النَّدم.

ويشهدُ له حديث (( خياركم كلُّ مفتنٍ توَّاب ) )ذكره في (( مسند الفردوس ) )عن عليٍّ رضي الله عنه؛ أي الَّذي يتكرَّر منه الذَّنب والتَّوبة، فكلَّما وقع ذنبٌ عاد إلى التَّوبة لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصرٌّ على تلك المعصية، فهذا الَّذي استغفاره يحتاجُ إلى استغفارٍ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عند ابنِ أبي الدنيا مرفوعًا (( التَّائب من الذَّنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذَّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ ربَّه ) )لكنَّ الرَّاجح أنَّ قوله والمستغفر ... إلى آخره، موقوف.

وقال ابن بطَّال في هذا الحديث إنَّ المصرَّ على المعصية في مشيئةِ الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفرَ له لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقادٌ أن له ربًّا خالقًا يعذِّبه ويغفرُ له واستغفاره إيَّاه على ذلك يدلُّ عليه قوله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] ، ولا حسنة أعظم من التَّوحيد.

فإن قيل إنَّ استغفاره ربِّه توبةٌ منه. قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد طلبها المصرُّ والتَّائب، ولا دليل في الحديث على أنَّه تاب ممَّا سألَ الغفران عنه؛ لأنَّ حدَّ التَّوبة الرُّجوع عن الذَّنب والعزم على أن لا يعودَ إليه، والإقلاع عنه والاستغفار بمجرَّده لا يفهم منه ذلك.

وقال غيره شروط التَّوبة ثلاثة الإقلاع عنه، والنَّدم والعزم على عدم العود والتَّعبير بالرُّجوع عن الذَّنب لا يفيد معنى النَّدم بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب.

وقال بعضُهم يكفي في التَّوبة تحقُّق النَّدم على وقوعه، فإنَّه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدمِ العود، فهما ناشئان عن النَّدم لا أصلان معه، ومن ثمَّة جاء الحديث (( النَّدم توبةٌ ) )، وهو حديثٌ حسنٌ من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه أخرجه ابنُ ماجه وصحَّحه الحاكم، وأخرجه ابن حبَّان من حديث أنسٍ رضي الله عنه وصحَّحه.

وقال السُّبكي في «الحلبيات» الاستغفار طلب المغفرة إمَّا باللِّسان أو بالقلب أو بهما، فالأوَّل فيه نفعٌ لأنَّه خيرٌ من السُّكوت، ولأنَّه يعتاد قول الخير والثَّاني نافعٌ جدًّا، والثالث أبلغ منه، لكنهما لا يمحِّصان الذَّنب حتَّى توجد التَّوبة، فإنَّ العاصي المصر يطلبُ المغفرة، ولا يستلزم ذلك وجود التَّوبة منه إلى أن قال والَّذي ذكرته من أنَّ معنى الاستغفار غير معنى التَّوبة هو بحسب وضع اللَّفظ، لكنَّه غلب عند كثيرٍ من النَّاس أنَّ لفظ أستغفر الله معناه التَّوبة، فمن كان

ج 30 ص 351

ذلك معتقده، فهو يريد التَّوبة لا محالة. وذكر بعض العلماء أنَّ التَّوبة لا يتمُّ إلَّا بالاستغفار لقوله {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود 3] . والمشهور أنَّه لا يشترط.

وذكر في كتاب «الأذكار» عن الربيع بن خُيثم أنَّه قال لا تقل أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم تفعل قل اللَّهم اغفرْ لي وتُب عليَّ.

قال النَّووي هذا حسنٌ وأمَّا كراهيَّة «استغفر الله» وتسميته كذبًا، فلا يُوافَق عليه؛ لأنَّ معنى «استغفر الله» أطلبُ مغفرته، وليس هذا كذبًا، قال ويكفي في ردِّه حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه بلفظ (( من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غُفِرت ذنوبه وإن كان قد فرَّ من الزَّحف ) )أخرجه أبو داود والترمذي وصحَّحه الحاكم.

وقال الحافظُ العسقلاني هذا في لفظ (( أستغفر الله ) )أمَّا «أتوب إليه» فهو الَّذي عني الرَّبيع أنَّه كذبٌ وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التَّوبة كما قال.

وفي الاستدلال بحديث ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه للرَّدِّ عليه نظرٌ لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التَّوبة، ويحتمل أن يكون الرَّبيع قصد مجموع اللَّفظين لا خصوص «أستغفر الله» ، فيصحُّ كلامه كلُّه، والله أعلم.

ثمَّ إنَّ فائدة هذا الحديث أنَّ العود إلى الذَّنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنَّه انضاف إلى ملابسة الذَّنب نقضُ التَّوبة لكنَّ العود إلى التَّوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنَّه انضافَ إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنَّه لا غافر للذَّنب سواه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فقال ربُّه ) )وفي قوله (( فقال أَعَلِمَ ) ). وقد أخرجه مسلم في «التَّوبة» ، وأخرجهُ النَّسائي في (( اليوم والليلة ) ).

[1] في هامش الأصل في نسخة ينبت. والمثبت موافق للإرشاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت