2 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ) أي كلَّ وقتٍ وحين يُحْدِثُ أمورًا، ويجدِّد أحوالًا، كما رُوي فيما سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن 29] يغفر ذنبًا ويكشف كربًا، ويرفعُ قومًا ويضعُ آخرين. وعن ابن عيينة الدَّهر عند الله تعالى يومان
أحدهما اليوم الَّذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع.
والآخر يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ينظرُ في اللَّوح المحفوظ كلَّ يومٍ ستِّين وثلاثمائة نظرة.
واستشكل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. وأُجيب بأنَّه شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
(و) قوله تعالى ( {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} ) قال المهلَّب غرضُ البخاري الفرق بين وصف كلامه بأنَّه مخلوق، ووصفه بأنَّه حادثٌ، يعني لا يجوز إطلاق المخلوق عليه، ويجوز إطلاق الحادث عليه.
وقال الكرماني لم يقصد ذلك، ولا يرضى بما نَسَبَهُ إليه، إذ لا فرق بينهما عقلًا ونقلًا وعرفًا. وقيل إنَّ مقصوده أنَّ حدوث القرآن
ج 30 ص 385
وإنزاله إنَّما هو بالنِّسبة إلينا. وقيل الَّذي ذكر المهلَّب هو قول بعض المعتزلة وبعض الظَّاهريَّة، فإنَّهم اعتمدوا على قوله تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء 2] فإنَّه وَصَفَ الذِّكر الَّذي هو القرآن بأنَّه محدَث، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الذكر الموصوف في الآية بالإحداث ليس هو نفس كلام الله؛ لقيام الدَّليل على أنَّ مُحْدَثًا ومخلوقًا ومخترعًا ومُنْشَأً ألفاظٌ مترادفةٌ على معنى واحد، فإذا لم يَجُزْ وصف كلامه تعالى القائم بذاته بأنَّه مخلوقٌ لم يجز وصفه بأنَّه مُحْدَثٌ.
فالذِّكر الموصوف في الآية بأنَّه مُحْدَثٌ هو الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه قد سمَّاه الله تعالى في آيةٍ أخرى ذِكْرًا، فقال تعالى {قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولًا} ، فسمَّاه ذكرًا في هذه الآية، فيكون المعنى ما يأتيهم من رسولٍ من ربِّهم مُحْدَثٍ، ويحتمل بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحذيره إيَّاهم من المعاصي، فسمَّى وعظه ذكرًا، وأضافه إليه؛ لأنَّه فاعلٌ له، ومقدِّرُ رسوله إلى اكتسابه.
وقيل رجوع الإحداث إلى الإتيان لا إلى الذِّكر القديم؛ لأنَّ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شيئًا بعد شيءٍ، فكان نزوله يُحْدَث حينًا بعد حين. وقيل جاء الذِّكر بمعنى العلم، كما في قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43] ، وذلك أنَّ العالم يعلم ما يعلمه الجاهل، فإذا علَّمه الجاهل حَدَثَ عنده العلم، ولم يكن إحداثه عند التَّعلُّم إحداث عين المعلِّم.
وجاء أيضًا بمعنى العظمة كما في {ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص 1] ، وبمعنى الصَّلاة كما في قوله تعالى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة 9] ، وبمعنى الشَّرف كما في قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف 44] ، فإذا كان الذِّكر يجيء بهذه المعاني، وهي كلُّها مُحْدَثةٌ كان حمله على أحد هذه المعاني أولى.
وقال الدَّاودي الذَّكر في الآية القرآن، قال وهو مُحْدَثٌ عندنا. وهذا ظاهر قول البخاري لقوله وإنَّ حَدَثه لا يشبه حَدَث المخلوقين كما سيجيء، فأثبت أنَّه مُحْدَثٌ، وهو من صفاته، ولم يزل سبحانه وتعالى متَّصفًا بجميع صفاته، وسيجيء الكلام فيه [خ¦7522 قبل] .
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} وَأَنَّ حَدَثَهُ) أي إحداثه (لاَ يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ) قال الدَّاودي يعني أنَّه مُحْدَثٌ وهو من صفاته، فلا يكون حُدوثه كحدوث سائر المخلوقين، فإنَّه لم يزل سبحانه وتعالى بجميع صفاته.
وقال ابن التِّين هذا منه عظيمٌ، واستدلاله يَرُدُّ عليه؛ لأنَّه إذا كان لم يزل بجميع صفاته، وهو قديمٌ، فكيف تكون صفته مُحْدَثةٌ، وهو لم يزل بها، إلَّا أن يريدَ أنَّ المُحْدَث غير المخلوق، كما هو
ج 30 ص 386
رأي البلخي ومن تبعه.
وهو ظاهر كلام البخاري حيث قال «وإن حدثه لا يشبهُ حدث المخلوقين» ، فأثبت أنَّه مُحْدَثٌ. انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني وما استعظمه من كلام الدَّاودي هو بحسب ما تخيَّله، وإلَّا فالَّذي يظهر أنَّ مراد الدَّاودي، وكذا البخاري أنَّ القرآن هو الكلام القديم الَّذي هو من صفات الله تعالى، وهو غير مُحْدَثٍ، وإنَّما يطلق الحَدَثُ بالنِّسبة إلى إنزاله إلى المكلِّفين، وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد لهم الذكر كلَّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السورة؛ لحكمةٍ اقتضت ذلك، وبالنِّسبة إلى قراءتهم له، وإقرائهم غيره، ونحو ذلك.
وقد أعاد الدَّاودي نحو ما ذكره في شرح قول عائشة رضي الله عنها «ولشأني أحقرُ من أن يتكلَّم الله في بأمر يتلى» [خ¦7545] . قال الدَّاودي فيه إنَّ الله تعالى تكلَّم ببراءة عائشة حين أنزلَ ببراءتها، بخلاف قول بعض النَّاس إنَّه لم يتكلَّم. فقال ابن التِّين أيضًا هذا من الدَّاودي عظيمٌ؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون الله متكلِّمًا بكلامٍ حادثٍ، فتخيَّل فيه الحوادث، تعالى الله عن ذلك، وإنَّما المراد أنَّ الإنزال هو المُحْدَث، ليس أنَّ الكلام القديم نزل الآن، وهذا هو مراد البخاري رحمه الله. وقال الكرماني قوله وحدَثه؛ أي إحدَاثه ... إلى أخره.
اعلم أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّة وتسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّة حقيقيَّةٌ كالعلم والقدرة، وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ كالخلق والرِّزق، وهي حادثةٌ ومن حدوثها لا يلزم تغيُّرٌ في ذات الله وصفاته الَّتي هي بالحقيقة صفات له، كما أنَّ تعلُّق القدرة وتعلَّق العلم بالمقدورات والمعلومات حادثٌ، وكذا كلُّ صفةٍ فعليَّةٍ له، فحين تقرَّر هذه القاعدة؛ فالإنزال مثلًا حادث، والمُنْزَل قديمٌ، وتعلَّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمة، والمذكور وهو القرآن قديم، والذِّكر حادثٌ؛ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن.
والحاصل أنَّ البخاري رحمه الله لا يقصد ما نُسِب إليه ولا يرضى به، كيف وقد قال في كتاب «خلق أفعال العباد» والقرآنُ كلام الله غير مخلوقٍ، ثمَّ ساق الكلام على ذلك إلى أن قال سمعت عبيد الله بن سعد يقول سمعت يحيى بن سعيدٍ يعني القطَّان يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقةٌ، فقال البخاري حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأمَّا القرآن المتلوُّ المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق.
قال فالمداد والورق ونحوه خلقٌ،
ج 30 ص 387
وأنت تكتب الله، فالله في ذاته هو الخالقُ، وخطُّك من فعلك، وهو خلق؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ دون الله هو بصنعه، ثمَّ ساق حديث حذيفة رفعه (( إنَّ الله يصنعُ كلَّ صانعٍ وصنعتَه ) )، وهو حديثٌ صحيحٌ.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ) .
أراد بإيراد هذا المعلَّق جواز الإطلاق على الله تعالى بأنَّه يُحْدِث _ بكسر الدال_؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله يُحْدِث من أمره ما يشاء ) )، ولكنَّ إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين. وأخرج أبو داود هذا الحديث من طريق عاصم بن أبي النَّجود عن أبي وائل عن عبد الله قال كنا نُسلِّم في الصَّلاة ونأمر بحاجتنا، فقَدِمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام، فأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلمَّا قضى صلاته قال (( إنَّ الله يُحْدِثُ من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلَّموا في الصَّلاة ) ). ورواه النَّسائي أيضًا، وفي روايته (( وإنَّ ممَّا أحدث ) ). ورواه أيضًا أحمد، وابن حبَّان في «صحيحه» .