695 - (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي المؤلِّف، وفي رواية ، وقد سقط في رواية، (وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابي، قيل عبَّر بهذه الصِّيغة؛ لأنَّه ممَّا أخذه عن شيخه مذاكرة، فلهذا لم يقل فيه حَدَّثنا، وقيل إنَّ ذلك ممَّا تحمَّله بالإجازة، أو المناولة، أو العرض، وقيل هو متَّصل من حيث اللَّفظ، منقطع من حيث المعنى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ هو متَّصل، لكنَّه لا يعبر بهذه الصِّيغة إلَّا إذا كان المتن موقوفًا، أو كان فيه راوٍ ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأوَّل.
وقال محمود العيني فيه أنَّه إذا كان الرَّاوي على غير شرطه كيف يذكره في كتابه. وقد وصله الإسماعيليُّ من رواية محمَّد بن يحيى ثنا محمَّد بن يوسف الفريابيُّ.
(حَدَّثَنَا) عبد الرَّحمن بن عمر (الأَوْزَاعِيُّ) قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف رضي الله عنه. وفي رواية الإسماعيلي (( أخبرني حميد ) )، وفي رواية أخرى له (( عن الزُّهري عن عروة ) )، ويحتمل أن يكون للزُّهري فيه شيخان.
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (ابْنِ عَدِيِّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين (ابْنِ خِيَارٍ) ويروى معرَّفًا باللام _ بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المثناة التحتية وبالراء _ النَّوفلي، من بني نوفل بن عبد مَناف المدني التَّابعي، أدرك زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُثبت له رؤية، وكان من فقهاء قريشٍ وثقاتهم، وكان عثمان رضي الله عنه من أقارب أمِّه، مات زمن الوليد بن عبد الملك.
وفي رواية ابن المبارك عن الأوزاعيِّ عند الإسماعيليِّ وأبي نُعيم (( حَدَّثني
ج 4 ص 236
عُبيد الله بن عديِّ بن الخيار )) .
(أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ) بن عفَّان رضي الله عنه (وَهْوَ مَحْصُورٌ) أي محبوسٌ في الدَّار ممنوع عن الأمور.
قال الدَّراوردي لم يكن في القائمين على عثمان رضي الله عنه أحدٌ من الصَّحابة، وإنَّما كانوا فرقة مصريَّة، وفرقة كوفيَّة، ولم يعيبوا عليه شيئًا إلَّا خرج منه بريئًا، فطالبوه بعزل من استعمل من بني أميَّة، فلم يستطع ذلك، وهو على تلك الحالة.
(فَقَالَ) له (إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ) بالإضافة؛ أي إمام جماعة، وفي رواية يونس بن يزيد «وأنت الإمام» أي الأعظم (وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى) من الحصار، وخروج الخوارج عليك، ويروى بتاء الخطاب (وَيُصَلِّي لَنَا) أي يؤمُّنا (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي رئيسها، واختلف فيه فقيل هو عبد الرَّحمن بن عُدَيْس البلوي أحدُ رؤوس المصريِّين الذين حصروا عثمان رضي الله عنه، قاله ابن وضَّاح.
وقال ابنُ الجوزي وقد صلَّى كنانة بن بشر أحد رؤوسهم أيضًا، وكان هؤلاء حين هجموا على المدينة، كان عثمان رضي الله عنه يخرج فيصلِّي بالنَّاس شهرًا، ثمَّ خرج يومًا فحصبوه حتَّى وقع على المنبر، ولم يستطع الصَّلاة يومئذٍ، فصلَّى بهم أبو أمامة بن سهل بن حُنَيف فنفوه، فصلَّى عبد الرَّحمن بن عُدَيس تارةً، وكنانة بن بشر تارةً، فبقيا على ذلك عشرة أيام.
وأمَّا ما يقال أنَّه صلى بالنَّاس يوم حصر عثمان أبو أمامة بن سهل بن حُنَيف الأنصاري على ما رواه عمر بن شبَّة بإسنادٍ صحيحٍ. ورواه ابن المديني أيضًا من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وكذلك صلَّى بهم عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه فيما رواه إسماعيل الخَطِّيُّ في «تاريخ بغداد» من رواية ثعلبة بن يزيد الحمَّاني قال فلمَّا كان يوم العيد عيد الأضحى جاء عليٌّ رضي الله عنه، فصلَّى بالنَّاس.
وقال ابنُ المبارك فيما رواه الحسنُ الحلواني لم يصلِّ بهم غيرها، وفعل ذلك علي رضي الله عنه؛ لئلا تضاع السنَّة، وقال غيره صلَّى بهم عدَّة صلوات وصلَّى بهم سهل بن حُنيف. رواه عمر بن شبَّة بإسناد قويٍّ.
وقيل صلَّى بهم أيضًا أبو أيُّوب الأنصاري، وطلحة بن عُبيد الله رضي الله عنهم، فليس أحد من هؤلاء مرادًا بقوله «إمام فتنة» ، فإنَّهم استأذنوه في الصَّلاة فأذن لهم؛ لعلمه أنَّ المصريِّين لا يَصِلون إليهم بشرٍّ.
وقد قال الدَّاودي إنَّ معنى قوله «إمام فتنةٍ» إمام وقت فتنة، فعلى هذا لا اختصاص له بالخارجيِّ، لكن هذا غير مناسبٍ لمراد المصنِّف لترجمته على أنَّه حينئذٍ لم يكن قوله و «نتحرَّج» مناسبًا، فافهم.
(وَنَتَحَرَّجُ) وفي رواية ابن المبارك (( وإنَّا لنتحرَّج من الصَّلاة معه ) )، والتحرُّج التأثُّم؛ أي نخاف الوقوع في الإثم، وأصل الحرج الضِّيق، ثمَّ استعمل للإثم؛ لأنَّه يضيق على صاحبه. وهذا القول ينصرفُ إلى صلاة من صلَّى من رؤساء الخوارج في وقت الفتنة، ولا يدخلُ فيهم من ذكر من الصَّحابة رضي الله عنهم.
(فَقَالَ) عثمان رضي الله عنه (الصَّلاَةُ) مبتدأ خبره قوله (أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ) وفي رواية ابن المبارك (( إنَّ الصَّلاة أحسن ) )، وفي رواية هِقْل بن زياد عن الأوزاعي
ج 4 ص 237
عند الإسماعيلي (( الصَّلاة من أحسن ما يعمل النَّاس ) ).
(فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ظاهره أنَّ عثمان رضي الله عنه رخَّص له في الصَّلاة معهم كأنَّه يقول لا يضرُّك كونه مفتونًا، بل إذا أحسنَ فوافقه على إحسانه، ومن جملة الإحسان الصَّلاة، واتركْ ما افتتنَ به، وبهذا يطابق التَّرجمة.
وقال ابن المُنيِّر يَحتمِل أن يكون رأى أنَّ الصَّلاة خلفه لا تصحُّ، فحادَ عن الجواب بقوله «إنَّ الصَّلاة أحسن ما يعمل النَّاس» ؛ لأنَّ الصَّلاة التي هي أحسن هي الصَّلاة الصَّحيحة، وصلاة الخارجي غير صحيحة؛ لأنَّه إمَّا كافر، أو فاسق. انتهى.
وهذا قاله نصرة لمذهبه في عدم صحَّة الصَّلاة خلف الفاسق. وفيه نظر؛ لأنَّ سيف بن عمر روى في كتاب «الفتوح» عن سهلِ بن يوسف الأنصاري، عن أبيه قال كره النَّاس الصَّلاة خلف الذين حصروا عثمان رضي الله عنه، إلَّا عثمان فإنَّه قال من دَعى إلى الصَّلاة فأجيبوهُ.
وهذا صريحٌ في أنَّ مقصوده بقوله «الصَّلاة أحسن» الإشارةُ إلى الإذْنِ بالصَّلاة خلفه. وفيه تأييد لما فهمه المؤلِّف رحمه الله من قوله «إمام فتنة» ، من أنَّ المراد رئيس فتنة لا الإمام في وقت الفتنة، كما ذكره الدَّاودي، وأيَّده بأنَّ عثمان رضي الله عنه لم يذكر الذي أمَّهم بمكروهٍ، بل ذكر أنَّ فعله أحسن الأفعال، فتأمَّل.
(وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) من قولٍ، أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، ففيه تحذير من الفتنة، والدخولِ فيها، ومن جميع ما ينكر، وفي هذا الأثر أيضًا الحضُّ على شهود الجماعة، ولاسيَّما في زمن الفتنة؛ لئلا يزداد تفرُّق الكلمة. وفيه أيضًا أنَّ الصَّلاة خلفَ من تكره الصَّلاة خلفه أولى من تعطيلِ الجماعة.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ الجمعة لا تجزئ أن تقام بغير إذن الإمام.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه ليس فيه ردٌّ، بل دعوى الرَّد على ذلك مردودةٌ؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه صلَّى يوم الأضحى الذي شَرْطُها أن يصلِّي من يصلِّي الجمعة، فمن أين ثبت أنَّه صلى بغير إذن عثمان رضي الله عنه؟
وكذلك رُوِي عنه أنَّه صلَّى عدَّة صلوات، وفيها الجمعة، فمن ادَّعى أنَّه صلَّى بغير استئذانٍ فعليه البيان. ولئن سلَّمنا أنَّه صلَّى بغير استئذانٍ، ولكن كان ذلك بسبب تخلُّف الإمام عن الحضور، فإذا تعذَّر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامةُ رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون لما قُتِل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وعن هذا قال محمَّد بن الحسن لو غَلَب على مصر متغلِّب، فصلَّى بهم الجمعة جاز. ونقل ذلك عن الحسن البصري، وكان عليٌّ رضي الله عنه أولى بذلك؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم رضوا به وصلُّوا وراءه.
كيف وقد روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال خطبنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج 4 ص 238
الحديث، وفيه (( فمن تركها _ أي الجمعة _ في حياتي، أو بعدي، وله إمامٌ عادلٌ أو جائر استخفافًا بها، وجحودًا لها، فلا جمعَ الله شملَه، ولا بارك له في أمرهِ، ألا ولا صلاة له، ولا زكاةَ، ولا حجَّ له، ولا صومَ له، ولا برَّ له حتَّى يتوب ) )الحديث.
ومن هذا أخذ أصحابنا، وقالوا لا يجوز إقامتها إلَّا للسُّلطان، أو لمن أَمَّرَهُ كالنَّائب والقاضي والخطيب. وأمَّا ما يقال إنَّ هذا الحديث ضعيفٌ، وفي سنده عبد الله بن محمَّد فمدفوعٌ بأنَّه رُوِي من طرق كثيرةٍ، ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوَّة يحتجُّ به، وأمَّا الصَّلاة خلف الخوارج، وأهل البدع، فاختلفَ العلماء فيه فأجازت طائفةٌ منهم ابن عمر رضي الله عنهما، إذ صلَّى خلف الحجَّاج، وكذلك ابن أبي بكر، وسعيد بن جُبير.
وقال النَّخعي كانوا يصلُّون وراء الأمراء ما كانوا، وكان أبو واصل يُجمِّع مع المختار بن أبي عُبيد، وسئل ميمون بن مهران عن الصَّلاة خلف رجل يُذكَر أنَّه من الخوارج فقال أنت لا تصلِّي له إنَّما تصلِّي لله عزَّ وجلَّ، وقد كنَّا نصلِّي خلف الحجَّاج، وكان حروريًّا أزرقيًّا.
وروى أشهب عن مالك لا أحب الصَّلاة خلف الإباضيَّة والواصليَّة، ولا السُّكنى معهم في بلد. وقال ابن القاسم أرى الإعادة في الوقت على من صلَّى خلف أهل البدع. وقال أصبغ يعيد أبدًا.
وقال الثَّوري في القدَرِي لا تقدِّموه. قال أحمدُ بن حنبل لا يُصلَّى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلَّى خلف الجهميِّ والرافضيِّ والقدري يُعيد.
وقال أصحابنا تُكره الصَّلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا يجوز خلف الرافضي والقدريِّ والجهمي؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّ الله تعالى لا يعلم الشيء قبل حدوثه، وهو كفر، والمشبِّهة، ومن يقول بخلق القرآن.
وكان أبو حنيفة رحمه الله لا يرى الصَّلاة خلف المبتدع، ومثله عن أبي يوسف، وأمَّا الفاسق بجوارحه كالزَّاني وشارب الخمر، فزعم ابن حبيب من المالكيَّة أنَّ من صلَّى خلف من شرب الخمر يعيد أبدًا إلا أن يكون واليًا. وقيل في رواية يصح.
وفي «المحيط» لو صلَّى خلف فاسقٍ، أو مبتدعٍ يكون مُحرِزًا ثواب الجماعة، ولا ينال ثواب من يصلِّي خلف المتَّقي. وفي «المبسوط» يكره الاقتداء بصاحبِ بدعةٍ.
(وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمَّد بن الوليد أبو الهذيل الشَّامي الحمصي، وهو صاحبُ الزُّهري. قال ابنُ سعد مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابنُ سبعين، والزُّبيدي نسبة إلى زُبيد، بطنٌ في مَذْحِج، وفي الأزد، وفي خولان القضاعيَّة.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم
ج 4 ص 239
بن شهاب (لاَ نَرَى أَنْ يُصَلَّى) على صيغة المجهول (خَلْفَ الْمُخَنَّثِ) روي بكسر النون وفتحها والكسر أفصح، والفتح أشهر، وهو الذي خُلُقه خُلُق النساء، وهو نوعان من يكون ذلك خِلْقةً له لا صُنْعَ له فيه، وهذا لا إثم عليه ولا ذمَّ، ومن تكلَّف ذلك وليس له خُلُقيًّا، وهذا هو المذموم، ويقال بالكسر مَن فيه تثنٍّ، وتشبُّه بالنساء، وبالفتح مَن يُؤتَى في دبره، وأمَّا من يتكسَّر في كلامه ومشيته فلا بأس بالصَّلاة خلفه.
وقال الدَّاودي كل منهما مراد؛ لأنَّ كلًا منهما بدعة قبيحة، وذلك لأنَّ الإمامة موضع الكمال، واختيار أهل الفضل، والمخنَّث مفتتن في تشبُّهه بالنِّساء كما أنَّ إمام الفتنة والمبتدع كلٌّ منهما مفتون في طريقته، فلمَّا شملهم معنى الفتنة كرهت إمامتهم.
(إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا) كأن يكون ذا شوكة، أو من جهته، فلا تعطَّل الجماعة بسببه. وقد روى معمر عن الزُّهري بغير قيد أخرجه عبد الرَّزَّاق عنه، ولفظه قلت فالمخنَّث؟ قال لا، ولا كرامه لا يؤتمُّ به. وهو محمول على حالة الاختيار.