فهرس الكتاب

الصفحة 11121 من 11127

7555 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمد الحجبي قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) أي ابن عبد المجيد الثَّقفي قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي ابن أبي تميمة أبو بكر السَّختياني الإمام (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن يزيد الجَرْمي (وَالْقَاسِمِ) أي ابن عاصم (التَّمِيمِيِّ) وقيل الكلبي، وقيل اللَّيثي، كلاهما

(عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابن مضَرِّب _ بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المشددة المكسورة _ على وزن اسم فاعل من التَّضريب، أنَّه (قَالَ كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جُرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الراء (وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعري نسبةً إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (وُدٌّ) بضم الواو وتشديد الدال محبة (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا؛ أي مؤاخاة.

(فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ) بضم القاف على البناء للمفعول، و «الطَّعام» معرَّفٌ، وفي رواية الأَصيلي ، وهو الذي في «اليونينية» ، وفرعها بالتَّنكير.

(فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ) بتثليث الدال، يقع على الذَّكر والأنثى (وَعِنْدَهُ) أي عند أبي موسى (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ) بفتح الفوقية وسكون التحتية،

ج 30 ص 430

قبيلةٌ من قضاعة (كَأَنَّهُ) وفي رواية الأَصيليِّ مما ليس في الفرع .

(مِنَ الْمَوَالِي فَدَعَاهُ) أبو موسى (إِلَيْهِ) أي إلى لحم الدَّجاج (فَقَالَ) الرَّجل (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) من النَّجاسة، وثبت «شيئًا» في رواية الكُشميهني، وسقط في رواية غيره.

(فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي كرهته (فَحَلَفْتُ لاَ آكُلُهُ) وفي رواية الكُشميهني ، واختُلف في الجَلَّالة، فقال مالكٌ لا بأس بأكل الجَلَّالة من الدَّجاج وغيره، إنَّما جاء عنه النَّهي للتَّقذُّر. وفي رواية أبي داود، والنَّسائي من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجَلَّالة إذا تغيَّر لحمها بأكل النَّجاسة.

وصحح النَّووي أنَّه إذا ظهر تغيُّر لحم الجَلَّالة من نَعَمٍ أو دجاجةٍ بالرَّائحةِ والنَّتن في عَرَقِها وغيره كُره أكلها، وذهب جماعةٌ من الشَّافعيَّة، وهو قول الحنابلة إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وهو الَّذي صحَّحه الشَّيخ أبو إسحاق المروزي وإمام الحرمين والبغوي والغزالي، ولم يسمَّ الرَّجل المذكور في الحديث، وفي سياق التِّرمذي أنَّه زَهْدم، وكذا عند أبي عَوانة في «صحيحه» . ويحتمل أن يكون كلٌّ من زَهْدم والآخر امتنعا من الأكل.

(فَقَالَ) أبو موسى له (هَلُمَّ) أي تعال وأقبل (فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ) أي فوالله لأحدِّثك؛ أي عن الطَّريق في حلِّ اليمين، هكذا في رواية الكُشميهني. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بنون التأكيد باللام قبل الكاف. وفي أصل «اليونينية» بسكون اللام والمثلثة.

(إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) أي ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (نَسْتَحْمِلُهُ) أي نطلبُ منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيءٍ من الإبل (قَالَ) وفي نسخة (وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) عليه (فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِنَهْبِ إِبِلٍ) أي غنيمة (فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟) فأتينا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، وهو من الإبل ما بين الثَّلاث إلى العشر، وقيل ما بين الثِّنتين إلى التِّسعة، واللَّفظ مؤنَّثٌ لا واحدَ له من لفظه كالنَّعم. وقال أبو عبيد الذَّود من الإناث دون الذُّكور، وفي «غزوة تبوك» [خ¦4415] «ستَّة أبعرة» ، وفي «الأيمان والنذور» [خ¦6718] «بثلاثة ذود» ، ولا تنافي في ذلك؛ لأنَّ ذكر عددٍ لا ينافي غيره. وقوله «خمسٍ» بالتنوين، وكذا بغير تنوينٍ على الإضافة. واستنكره أبو البقاء في «غريبه» قال والصَّواب بتنوين «خمسٍ» وأن يكون «ذود» بدلًا من «خمس» ،

ج 30 ص 431

فإنَّه لو قال بغير تنوين لتغيَّر المعنى؛ لأنَّ عدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون خمس خمَّسة عشر بعيرًا؛ لأنَّ الإبل الذُّود ثلاثةٌ.

وتعقَّبه الحافظ العسقلاني فقال ما أدري كيف حكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا، وليكن عند الإبل خمسة عشر بعيرًا، فما الَّذي يضرّ؟ وقد ثبت في بعضِ طرقه (( خذْ هذين القرينين ) )إلى أن عدَّ ستَّ مرَّاتٍ. والَّذي قاله إنَّما يتم أن لو جاءت روايةٌ صريحة أنَّه لم يُعطهم سوى خمسة أبعرة.

(غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، والذُّرَى بضم الذال المعجمة وفتح الراء، جمع ذروة، وهي أعلى كلِّ شيءٍ؛ أي ذوي الأسنمة البيض من سِمَنهنَّ، وكثرة شحومهنَّ (ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا مَا صَنَعْنَا) بسكون العين (حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَحْمِلُنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ .

(وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام (تَغَفَّلْنَا) أي طلبنا غفلْته بسكون اللام (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ) وكنَّا سببَ ذهوله عمَّا وقع (وَاللَّهِ لاَ نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (فَقُلْنَا لَهُ) ذلك (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ) حقيقةً؛ لأنَّه خالق أفعال العباد. وقال ابنُ المُنيِّر والَّذي يظهر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حلفَ لا يحملهم، فلمَّا حملهم راجعوه في يمينه، فقال (( أنا ما حملتكم، ولكنَّ الله حملكم ) )فبيَّن أنَّ يمينه إنَّما انعقدت فيما يملك، فلو حملهم على ما يملك حنث وكفر، ولكنَّه حملهم على ما لا يملك مُلْكًا خاصًّا، وهو مالُ الله، وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده صلى الله عليه وسلم في الأول أنَّه لا يحملهم على ما لا يملكه بقرضٍ يتكلَّفه ونحو ذلك.

وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم عقب ذلك (( لا أحلف على يمين ... إلى آخره ) )؛ فتأسيسُ قاعدةٍ مبتدأةٍ كأنَّه يقول ولو كنت حلفتُ، ثمَّ رأيت ترك ما حلفتُ عليه خيرًا منه لأحنثتُ نفسي وكفَّرتُ عن يميني. قال وهم إنَّما سألوه ظنًّا أنَّه يملك حُملانًا، فحلف لا يحملهم على شيءٍ يملكه؛ لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك. انتهى.

ووجهه الدَّماميني في «مصابيحه» بأنَّ مكارم أخلاقهِ صلى الله عليه وسلم ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنَّه صلى الله عليه وسلم يحلفُ على عدم حملانهم مطلقًا. قال والَّذي يظهرُ لي أنَّ قوله (( وما عندي ما أحملكم ) )جملة حاليَّةٌ من فاعل الفعل المنفي بـ «لا» ، أو مفعوله؛ أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيءٍ

ج 30 ص 432

أحملكم عليه؛ أي إنَّه لا يتكلَّف حملهم بقرضٍ أو غيره؛ لِمَا رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحَمْلهُ لهم على ما جاءه من مالِ الله لا يكون مقتضيًا لحنثهِ.

وقيل إنَّ قوله (( ولكنَّ اللهَ حملكم ) )يحتمل وجوهًا أن يريد إزالة المنَّة ليست عنهم، وإضافة النِّعمة إلى مالكها الأصلي الَّذي هو الله تعالى أو أنَّه نسي، وفِعْلُ النَّاسي مضافٌ إلى الله تعالى كما جاء في الصائم إذا أكل ناسيًا فإنَّ الله أطعمه [خ¦1933] . أو أنَّ الله حين ساق هذه الغنيمة إليهم فهو أعطاهم، أو نظرًا إلى الحقيقة فإنَّ الله تعالى هو خالق كلِّ الأفعال. ولم يُرِدْ صلى الله عليه وسلم أنَّه لا صنعَ له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أراد ذلك لَمَا قال بعدُ (إِنِّي) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَاللَّهِ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي على محلوف يمينٍ، وسمَّاه يمينًا مجازًا؛ للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة، ومثله «صلى على قبرهِ بعدما دُفن» [خ¦458] ؛ أي صلَّى على صاحب القبر، وأطلق القبرَ على صاحب القبر، ويدل لهذا التَّأويل رواية مسلم حيث قال فيها بدل قوله (( على يمين ) ) (( على أمر ) ).

(فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا) من التَّحلُّل، وهو التَّفصِّي من عهدة اليمين، والخروج من حرمتها؛ أي ما يحلُّ له منها بالكفَّارة. وفي «الأيمان والنُّذور» [خ¦6680] (( فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني وأتيتُ الَّذي هو خيرٌ ) )، فقدَّم الكفَّارة على الإتيان، ففيه دَلالةٌ على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وقد ذهب أكثر الصَّحابة على جواز تقديم الكفَّارة على الحنث، وإليه ذهب الشَّافعي ومالك وأحمد، إلَّا أنَّ الشَّافعي استثنى الصِّيام فقال لا يجزئ إلَّا بعد الحنث، واحتجُّوا له بأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصَّلاة، بخلاف العتقِ والكسوة والإطعام، فإنَّها من حقوقِ الأموال، فيجوز تقديمها كالزَّكاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ قبله.

ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( ولكنَّ اللهَ حملكم ) )حيث نسبَ الحمل إلى الله تعالى.

وقد مضى الحديث في مواضع كثيرة في «المغازي» [خ¦4385] ، و «النذور» [خ¦6680] ، و «الذبائح» [خ¦5517] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت