فهرس الكتاب

الصفحة 1187 من 11127

743 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضي (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ) أي القراءة في الصَّلاة إطلاقًا للكلِّ وإرادة للجزء، وكذا رواه ابن المنذر والجوزقي وغيرهما من طريق أبي عمر الدوري، وهو حفصُ بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ (( كانوا يفتتحون القراءة ) ).

وكذا رواه البخاري في «جزء القراءة خلف الإمام» عن عَمرو بن مرزوق، عن شعبة، وذكر أنَّها أبين من رواية حفص بن عمر.

(بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) بضم الدال على الحكاية؛ أي بهذا اللفظ، وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة، وتأويله على إرادة اسم السُّورة يتوقَّف على أنَّ السُّورة كانت تسمَّى عندهم بهذه الجملة، فلا يعدل عن حقيقة اللَّفظ، وظاهره إلى المجاز إلَّا بدليل.

نعم، ثبت تسميتها بهذه الجملة في «صحيح البخاري» أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد ابن المعلى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له (( ألا أعلمك أعظمَ سورة في القرآن ) )فذكر الحديث، وفيه قال (( الحمد لله رب العالمين هي السَّبع المثاني ) ) [خ¦5006] .

وقال الحافظ

ج 4 ص 316

العسقلاني ولا يلزم من قوله كانوا يفتتحون بالحمد أنَّهم لم يقرؤوا البسملة سرًّا، وقد أطلق أبو هريرة رضي الله عنه السكوت على القراءة سرًّا، كما في الحديث الثاني من الباب [خ¦744] .

وقال العيني لا نزاع فيه، وإنَّما النزاع في جهر البسملة، وعدم كونها آية من الفاتحة، كما سيجيء التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى.

واعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث على وجوه

الأوَّل أنَّه رواه عن أنس رضي الله عنه جماعة منهم قتادة، وإسحاق بن عبد الله، ومنصور بن زاذان، وأيوب على اختلاف فيه، وأبو نعامة قيس بن عَبَاية الحنفي، وعائذ بن شريح بخلافٍ، والحسن، وثابت البُناني، وحُميد الطَّويل، ومحمد بن نوح.

أمَّا حديث قتادة فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

وأمَّا حديث إسحاق بن عبد الله فأخرجه مسلم عنه عن أنس رضي الله عنه قال (( صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم ) ).

وأمَّا حديث منصور فأخرجه النسائيُّ عنه عن أنس رضي الله عنه قال فلم يُسمِعا قراءتها.

وأمَّا حديث أيُّوب فأخرجه الشافعيُّ والنسائيُّ وابن ماجه فقال النَّسائي أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال ثنا سفيان، عن أيُّوب، عن أنس رضي الله عنه قال صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فافتتحوا بالحمدلة.

وقال الدَّارقطني اختُلِف فيه عن أيُّوب فقيل عن قتادة عن أنس، وقيل عن أبي قِلابة عن أنس، وقيل عن أيُّوب عن أنس رضي الله عنه.

وأمَّا حديث أبي نعامة فأخرجه البيهقيُّ بلفظ (( لا يقرؤون ) )يعني لا يجهرون بها، وفي لفظ (( لا يقرؤون ) )فقط.

وأما حديث عائذ بن شريح فقال الدَّارقطني اختلف عنه فقيل عنه عن أنس، وقيل عنه عن ثمامة عن أنس.

وأمَّا حديث الحسن عن أنس فأخرجه الطَّبراني بلفظ (( كان يُسِرُّ بها ) ).

وأمَّا حديث ثابت فذكره البيهقي، والطَّحاوي من حديث شعيب عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال (( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر رضي الله عنهم يجهرون ببسم الله الرَّحمن الرحيم ) ).

وأمَّا حديث حُميد عن أنس فأخرجه الطَّحاوي أيضًا عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ، عن مالك، عن حُميد الطَّويل، عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه قال (( قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة ) ).

وأمَّا حديث محمد بن نوح عن أنس رضي الله عنه فأخرجه الطَّحاوي أيضًا عن إبراهيم بن مُنقذ، عن عبد الله بن وهب،

ج 4 ص 317

عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدَّثه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ) ).

ثم إنَّه روى هذا الحديث عن قتادة أيضًا جماعة، شعبة وهشام وأبو عَوانة وأيُّوب وسعيد بن أبي عَروبة والأوزاعي، وشيبان. ورواه عن شعبة أيضًا جماعة منهم حفص بن عمر وغُندر والأعمش وعبد الرحمن بن زياد.

الثاني أنه قد اختلف ألفاظ هذا الحديث فلفظ البخاري ما مرَّ، ولفظ مسلم (( فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله ربِّ العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوَّل قراءة ولا في آخرها ) ).

ورواه النسائي، وابن حبَّان، والدَّارقطني، وقالوا (( فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) )، وزاد ابن حبَّان (( ويجهرون بالحمد لله رب العالمين ) ). وفي لفظ للنسائي، وابن حبَّان أيضًا (( فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

وفي لفظ أبي يَعلى في «مسنده» (( فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين ) )، وفي لفظ للطَّبراني في «معجمه» ، وأبي نُعيم في «الحلية» ، وابن خزيمة في «مختصر المختصر» (( فكانوا يُسِرُّون ببسم الله الرحمن الرحيم ) )، ورجال هؤلاء الرِّوايات كلهم ثقات مخرَّج لهم في «الصحيح» .

وروى الترمذيُّ حدَّثنا أحمد بن مَنيع، قال نا إسماعيل بن إبراهيم، حدَّثنا سعيد الجُريري، عن قيس بن عَبَاية، عن عبد الله بن معقل قال سمعني أبي وأنا في الصَّلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بُني مُحدَثٌ، إيَّاك والحدث، ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه.

قال وقد صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، وعمر، ومع عثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدًا يقولها، فلا تقلها، إذا صليت فقل الحمد لله ربِّ العالمين.

قال الترمذيُّ حديث حسنٌ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التَّابعين رضي الله عنهم.

وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضًا.

ولحديث أنس طُرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب «الصِّحاح» في الصحَّة، وكلُّ ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضًا، وهي سبعة ألفاظ

فالأوَّل (( كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والثاني (( فلم أسمع أحدًا يقول أو يقرأ بسم الله

ج 4 ص 318

الرحمن الرحيم )) .

والثالث (( فلم يكونوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والرابع (( فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والخامس (( فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والسادس (( وكانوا يسرُّون ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والسابع (( فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ) )، وهذا اللفظ هو الذي صحَّحه الخطيب وضعَّف ما سواه لرواية الحفَّاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه، وجعله اللفظ المُحكَم عن أنس، وجعل غيره متشابهًا، وحمل على الافتتاح بالسُّورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضًا لها، فإنَّ حقيقة هذا اللَّفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التَّسمية جهرًا أو سرًّا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب.

ويؤيِّده قوله في رواية مسلم (( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوَّل قراءة، ولا في آخرها ) ).

فإن قيل قال النَّووي في «الخلاصة» وقد ضعَّف الحفَّاظ حديث عبد الله بن معقل الذي أخرجه التِّرمذي، وأنكروا على التِّرمذي تحسينه كابن خُزيمة وابن عبد البر والخطيب قالوا إنَّ مداره على ابن عبد الله بن معقل، وهو مجهولٌ.

فالجواب أنَّه رواه أحمد في «مسنده» من حديث أبي نعامة عن بني عبد الله بن معقل قال كان أبونا إذا سمع أحدًا منَّا يقول بسم الله الرحمن الرحيم يقول أيْ بني صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدًا منهم يقول بسم الله.

ورواه الطَّبراني في «معجمه» عن عبد الله بن بُريدة عن ابن عبد الله بن معقل عن أبيه مثله.

ثمَّ أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن معقل، عن أبيه قال صلَّيت خلف إمام، فجهرَ ببسم الله الرحمن الرحيم، فلمَّا فرغ من صلاته قال ما هذا؟! غيِّبْ عنَّا هذه الَّتي أراك تجهر بها، فإني قد صلَّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلم يجهروا بها، فهؤلاء الثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن معقل، عن أبيه.

وهم أبو نعامة الحنفي قيس بن عَبَاية، وثَّقه ابن مَعين وغيره، وقال ابن عبد البرِّ هو ثقةٌ عند جميعهم.

وقال الخطيب لا أعلم أحدًا رماه ببدعةٍ في دينه، ولا كذبٍ في روايته، وعبد الله بن بُريدة، وهو أشهرُ ممَّن يثني عليه، وأبو سفيان السَّعدي، وهو وإن تكلِّم فيه، ولكنَّه يعتبر به بما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمَّى ابن عبد الله بن معقل يزيد،

ج 4 ص 319

كما هو عند الطَّبراني، فقد ارتفعتِ الجهالة عن ابن عبد الله بن معقل برواية هؤلاء الثَّلاثة.

وقد تقدَّم في «مسند الإمام أحمد» عن أبي نعامة، عن بني عبد الله بن معقل، وبنوه الذين يروي عنهم يزيد، وزياد، ومحمَّد.

والنسائيُّ وابن حبَّان وغيرهما يحتجُّون بمثل هؤلاء الثَّلاثة مع أنهم مشهورون بالرواية، ولم يرو أحد منهم حديثًا منكرًا ليس له شاهد ولا متابع حتَّى يُجرَح بسببه، أمَّا يزيد فهو الذي سُمِّي في هذا الحديث.

وأمَّا محمد فيروي له الطَّبراني عنه، عن أبيه قال سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( ما من إمامٍ يبيت غاشًّا لرعيَّته إلَّا حرَّم الله عليه الجنَّة ) ).

وزياد أيضًا روى الطَّبراني عنه عن أبيه مرفوعًا (( لا تحذفوا فإنَّه لا يُصاد به صيد، ولا ينكأ العدو، ولكنَّه يكسر السِّنَّ ويفقأُ العين ) ).

وبالجملة فهذا حديثٌ صريح في عدم الجهر بالبسملةِ، وهو وإن لم يكن من أقسام الصَّحيح، فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسَّنه التِّرمذي، والحديث الحسن يحتجُّ به، لاسيَّما إذا تعدَّدت شواهده، وكثرت متابعاته، والذين تكلَّموا فيه، وتركوا الاحتجاج به بجهالةِ ابن عبد الله بن معقل قد احتجُّوا في هذه المسألة، بما هو أضعفُ منه، بل احتجَّ الخطيبُ بما يعلم أنَّه موضوع، فهذا جرأةٌ عظيمةٌ لأجل تعصُّبه وحميَّته بما لا ينفعه في الدنيا، ولا في الآخرة، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث، إذ قال بعد أن رواه في كتاب «المعرفة» هذا حديث تفرَّد به أبو نعامة قيس بن عَبَاية، وابن عبد الله بن معقل، وأبو نعامة لم يحتجَّ بهما صاحبا الصَّحيح، فقوله تفرَّد به أبو نعامة غير صحيح، فقد تابعه عبد الله بن يزيد، وأبو سفيان، كما مرَّ.

وقوله وابن عبد الله بن معقل وأبو نعامة لم يحتج بهما صاحبا «الصحيح» ليس هذا لازمًا في صحَّة الإسناد، ولئن سلَّمنا فقد قيل إنَّه حسن، والحسن يحتجُّ به.

وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ ترك الجهر بها عندهم كان ميراثًا يتوارثونه خلفهم عن سلفهم، وهذا وحده كاف في المسألة؛ لأنَّ الصلوات الجهريَّة دائمة صباحًا ومساء، فلو كان صلى الله عليه وسلم يجهر بها دائمًا؛ لما وقع فيه الاختلاف ولا الاشتباه، ولكان معلومًا بالضرورة، ولما قال أنس رضي الله عنه لم يجهر بها صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون، ولا قال عبد الله بن معقل ذلك أيضًا، وسمَّاه حدثًا، ولَمَا استمرَّ عمل أهل المدينة في محراب النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومقامه على ترك الجهر بها، فيتوارثونه آخرهم عن أوَّلهم،

ج 4 ص 320

ولا يظنُّ عاقل أنَّ أكابر الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وسيأتي الجواب عن أحاديثِ الجهر إن شاء الله تعالى.

الثالث أنَّه احتجَّ به مالك وأصحابه على ترك التَّسمية في ابتداء الفاتحة، وأنَّها ليست منها، وبه قال الأوزاعيُّ والطَّبري.

وقال أصحابنا الحنفيَّة البسملة آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، ليست من الفاتحة ولا من أوَّل كلِّ سورة، ولا يجهر بها، بل يقولها سرًّا، وبه قال الثَّوري وأحمد وإسحاق.

وقال أبو عمر قال مالك لا يقرأ البسملة في الفرض سرًّا ولا جهرًا، وفي النافلة إن شاء فعل، وإن شاء ترك، وهو قول الطَّبريِّ.

وقال الثَّوري وأبو حنيفة وابنُ أبي ليلى وأحمد يقرأُ مع أم القرآن في كلِّ ركعة إلَّا ابن أبي ليلى، فإنَّه قال إن شاء جهر بها، وإن شاء أخفاها.

وقال الشَّافعي هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى، ويجهر بها إذا جهر.

واختلف قوله هل هي آية من كلِّ سورة أو لا؟ على قولين أحدهما نعم، وهو قول ابن المبارك، والثاني لا. قال صاحب «التوضيح» وعندنا يستحب الجهر بها فيما يجهر فيه، وبه قال أكثر العلماء.

والأحاديث الواردة في الجهر كثيرة متعدَّدة عن جماعة من الصَّحابة يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيًّا، رووا ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم منهم من صرَّح بذلك، ومنهم من فهم من عباراته، والحجَّة قائمة بالجهر وبالصَّحة، ثمَّ ذكر من الصَّحابة أبا هريرة وأم سلمة وابن عبَّاس وأنسًا وعلي بن أبي طالب وميسرة بن حبيب.

قال العيني ومن الذين عدَّهم عمَّار وعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير والحكم بن عُمَير ومعاوية رضي الله عنهم.

أمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه النَّسائي في «سننه» من حديث نُعيم المُجمِر، قال صلَّيت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ قرأ بأم القرآن حتَّى قال {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة 7] قال آمين في آخره، فلمَّا سلَّم قال إني لأشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه ابن خُزيمة وابن حبَّان في «صحيحيهما» ، والحاكم في «مستدركه» ، وقال إنَّه على شرط الشَّيخين، ولم يخرجاه.

ورواه الدَّارقطني في «سننه» وقال حديثٌ صحيحٌ، ورواته كلُّهم ثقاتٌ، وأخرجه البيهقيُّ في «سننه» وقال إسناده صحيحٌ، وله شواهد. وقال في «الخلافيات» رواته كلُّهم ثقاتٌ مجمعٌ على عدالتهم محتجٌّ بهم في الصَّحيح.

والجواب عنه من وجوه

الأوَّل

ج 4 ص 321

أنَّه معلول، فإنَّ ذكر البسملة فيه ممَّا تفرَّد به نُعيم المُجمِر من بين أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه، وهم ثمانمائة ما بين صاحبٍ وتابع، ولا يثبتُ عن ثقة من أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه حدَّث عن أبي هريرة أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملةِ في الصَّلاة. ألا ترى كيف أعرضَ صاحب «الصَّحيح» عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( كان يكبِّر في كلِّ صلاة من المكتوبة وغيرها ) )الحديث [خ¦803] .

فإن قيل قد رواها نُعيم المُجمِر، وهو ثقةٌ، والزِّيادة عن الثِّقة مقبولة، فالجواب أنَّ فيه خلافًا مشهورًا، فمنهم من لا يقبلها، فتأمَّل.

الثاني أنَّ قوله (( فقرأ ) )ليس بصريح في أنَّه سمعها منه، إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نُعيمًا بأنه قرأها سرًّا.

ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته؛ لقربه منه، كما رُوِي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذِّكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجودهِ، ولم يكن منه ذلك دليلًا على الجهر.

الثالث أنَّ التَّشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كلِّ وجهٍ، بل يكفي في غالب الأحوال والأفعال، وذلك متحقِّق في التَّكبير وغيره دون البسملة، فإن التَّكبير وغيره من أفعال الصَّلاة ثابت صحيحٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان مقصوده الردُّ على من تركه، وأمَّا التَّسمية ففي صحَّتها عنه نظر، فالتَّشبيه يصرف إلى الصَّحيح الثابت دون غيره، ويلزمهم على القول بالتَّشبيه من كلِّ وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوُّذ أيضًا.

فإنَّ الشَّافعي روى أخبرنا أبو محمد الأسلمي، عن ربيعة، عن عثمان، عن صالح بن أبي صالح أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه وهو يؤمُّ الناس رافعًا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أمِّ القرآن (( ربَّنا إنَّا نعوذ بك من الشَّيطان ) )، فهلَّا أخذوا بهذا، كما أخذوا بجهر البسملة مستدلِّين بما في «الصَّحيحين» عنه فما أسمَعَنا صلى الله عليه وسلم أسمعْنَاكم، وما أخفانا أخفيناكم [خ¦772] ، وكيف يظنُّ بأبي هريرة رضي الله عنه أنَّه يريد التَّشبيه في الجهر بالبسملة، وهو الرَّاوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال (( يقول الله تعالى قسمتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سألَ، فإذا قال العبد الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله حمدِني عبدي ) )الحديث، أخرجه مسلم عن سفيان بن عُيينة، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذا ظاهر في أنَّ البسملة ليست من الفاتحة ولا الابتداء بها.

ج 4 ص 322

وقال أبو عمر حديث العلاء هذا قاطعُ تعلُّقِ المنازعين، وهو نصٌّ لا يحتمل التَّأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه.

واعترض بعض المتأخِّرين على هذا الحديث بأمرين

أحدهما أنَّه لا يعتبر بكون الحديث في مسلم، فإنَّ العلاء بن عبد الرحمن تكلَّم فيه ابن معين فقال مضطرب الحديث حديثه ليس بحجَّة.

وقال ابنُ عدي وقد انفردَ بهذا الحديث، فلا يحتجُّ به.

الثاني أنَّه على تقدير صحَّته؛ فقد جاء في بعض الرِّوايات عنه ذكر التَّسمية كما أخرجه الدَّارقطني، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قسمتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي، فنصفها له يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي، ثمَّ يقول (( الحمد لله رب العالمين، فأقول حمدَني عبدي ) )الحديث.

وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة، ولكنَّها مفسِّرة لحديث مسلم أنَّه أراد السُّورة لا الآية.

وقال العيني هذا القائل حمله الجهل وفرط التعصُّب ورداءة الرأي والفكر على ترك الصَّحيح وتضعيفه؛ لكونه غير موافق لمذهبه. وقال لا يعتبر بكونه في مسلم مع أنَّه رواه عن العلاء الأئمَّة الثقات الأَثْبات كمالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وشعيب وعبد العزيز الدَّراوردي وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد بن كثير وغيرهم، والعلاء في نفسه ثقة صدوق.

وهذه الرِّواية ما انفرد بها عنه ابن سمعان.

وقال عمر بن عبد الواحد سألت مالكًا عنه؛ أي عن ابن سمعان فقال كان كذَّابًا، وكذا قال يحيى بن معين. وقال يحيى بن بُكير قال هشام بن عروة لقد كذب عليَّ، وحدَّث عنِّي بأحاديث لم أحدِّثها له. وعن أحمد متروك الحديث، وكذا قال أبو داود، وزاد (( من الكذَّابين ) ).

فإن قيل أخرج الخطيب عن أبي أويس قال أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّ النَّاس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه الدَّارقطني في «سننه» ، وابن عديٍّ في «الكامل» فقالا فيه (( قرأ ) )، بدل جهر، وكأنَّه رواه بالمعنى.

فالجواب أنَّ أبا أويس ضعَّفه أحمد وابن معين وأبو حاتم، فلا يحتجُّ بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء، وخالفه فيه من هو أوثق منه، لا يقال أخرج مسلم لأبي أويس؛ لأنَّ صاحبا «الصحيحين» إذا أخرجا لمن تُكلِّم فيه إنَّما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما تُوبع عليه، وظهرت شواهده، وعلم أنَّ له أصلًا ولا يخرجان ما تفرَّد به

ج 4 ص 323

سيَّما إذا خالف الثِّقات.

وهذه العلَّة راجت على كثير ممَّن استدرك على «الصَّحيحين» فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه «المستدرك» فإنه يقول هذا على شرط الشَّيخين أو أحدهما، وفيه هذه العلَّة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجًّا به في «الصحيح» أنَّه إذا وجد في أيِّ حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه.

ولهذا قال ابن دِحية في كتابه (( العلم المشهور ) )ويجب على أهل الحديث أن يتحفَّظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنَّه كثير الغلط، ظاهر السقط. وقد غفلَ عن ذلك كثير ممَّن جاء بعده، وقلَّده في ذلك.

فإن قيل قد جاء من طريق آخر أخرجه الدَّارقطني عن خالد بن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( علَّمني جبريلُ الصلاة فقام فكبَّر لنا، ثمَّ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كلِّ ركعة ) ).

فالجواب أنَّ هذا إسناد ساقط، فإنَّ خالد بن إلياس مجمع على ضعفه.

وعن البخاري عن أحمد أنه منكر الحديث، وقال ابن معين ليس بشيءٍ ولا يكتب حديثه.

وقال النسائيُّ متروك الحديث، وقال ابن حبَّان يروي الموضوعات عن الثِّقات، وقال الحاكم روى عن المقبُري ومحمَّد بن المنكدر وهشام بن عروة أحاديثَ موضوعة.

فإن قيل روى الدَّارقطني أيضًا عن جعفر بن مكرم نا أبو بكر الحنفي نا عبد المجيد بن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا قرأتُم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنَّها أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسَّبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها ) ).

فالجواب أنَّه قال أبو بكر الحنفي ثم لقيتُ نوحًا فحدَّثني عن سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه.

فإن قيل قال عبد الحقِّ في «أحكامه الكبرى» رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثَّقه ابن معين.

فالجواب أنَّه كان سفيان الثوري يضعِّفه، ولئن سلَّمنا رفعه، فليس فيه دَلالة على الجهر، ولئن سُلِّم، فالصَّواب فيه الوقف، قاله الدَّارقطني؛ لأنَّه رواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح، عن المقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. ورواه أسامة بن زيد وأبو بكر الحنفي عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه [1] موقوفًا.

فإن قيل هذا موقوف في حكم المرفوع، إذ لا يقول الصَّحابيُّ إنَّ البسملة إحدى آيات الفاتحة،

ج 4 ص 324

إلَّا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له، فحينئذٍ يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار.

فالجواب أنه لعلَّ أبا هريرة رضي الله عنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فظنَّها من الفاتحة فقال (( إنَّها إحدى آياتها ) )ونحن لا ننكر أنَّها من القرآن، ولكن النِّزاع في موضعين

أحدهما أنها آيةٌ من الفاتحة، والثاني أنَّ لها حكم سائر آيات الفاتحة جهرًا وسرًّا.

ونحن نقول إنَّها آية مستقلَّة قبل السورة، وليست منها جمعًا بين الأدلَّة، وأبو هريرة رضي الله عنه لم يخبر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا تدلُّ على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة رضي الله عنه قراءة النَّبي صلى الله عليه وسلم لها، وقد ظهر أنَّ ذلك ليس بدليل على محلِّ النزاع، فلا تُعارَض به أدلَّتنا الصَّحيحة الثابتة.

وأيضًا فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه عدم ذكر البسملة، كما رواه البخاري في «صحيحه» من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الحمد لله هي أمُّ القرآن، وهي السَّبع المثاني والقرآن العظيم ) ).

ورواه أبو داود والترمذيُّ وقال حديث حسنٌ صحيحٌ على أنَّ عبد الحميد بن جعفر ممن تُكلِّم فيه. ولكن وثَّقه أكثر العلماء، واحتجَّ به مسلم في «صحيحه» وليس تضعيف من ضعَّفه ممَّا يوجب ردَّ حديثه، ولكنَّ الثقة قد يغلط، والظاهر أنَّه قد غلط في هذا الحديث، والله أعلم.

وأمَّا حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها؛ فرواه الحاكم في «المستدرك» عن عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصَّلاة بسم الله الرحمن الرحيم، فعدَّها آية الحمد لله ربِّ العالمين آيتين الرحمن الرَّحيم ثلاث آيات ... إلى آخره، ورواه الدَّارقطني والبيهقي.

والجواب عنه أنَّ مدارَ هذه الرِّواية على عمر بن هارون البلخي، وهو مجروحٌ تكلَّم فيه غير واحدٍ من الأئمَّة. فعن أحمد لا أروي عنه شيئًا، وعن يحيى ليس بشيء، وعن ابن المبارك كذَّاب، وعن النسائيِّ متروك الحديث، وعن ابن الجوزي كذَّاب خبيثٌ ليس حديثه بشيءٍ.

فإن قيل روى أبو داود في كتاب «الحروف» حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال حدثنا أبي، قال نا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها ذكرت _أو كلمةً غيرها_ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 325

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقطع قراءته آية آية.

وأخرجه أحمد نا يحيى بن سعيد الأموي ... إلى آخره نحوه، ولفظه أنها سُئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( كان يقطع آية آية {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ) ).

فالجواب أنه ليس فيه حجَّة للخصم؛ لأنَّ فيه ذكرها قراءة النَّبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت، وبيان ترتيله، وليس فيه ذكر الصَّلاة.

فإن قيل قال البيهقي في كتاب «المعرفة» قال البويطي في كتابه أخبرني غيرُ واحدٍ، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ بأمِّ القرآن بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم يعدَّها آية، ثمَّ قرأ الحمد لله ربِّ العالمين، يعدُّها ست آياتٍ.

فالجواب أنَّه قال الَّطحاوي في كتاب «الرد على الكرابيسي» لم يسمعْ ابن أبي مليكة هذا الحديث من أمِّ سلمة رضي الله عنها، والذي يروى عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن أبي بكر، عن أمِّ سلمة هو الأصحُّ، ولهذا أسنده الترمذي من جهة يعلى، وقال غريب حسنٌ صحيحٌ.

ثم إن كان العدُّ بلسانه في الصَّلاة، فذلك منافٍ للصَّلاة، وإن كان بأصابعه، فلا يدلُّ على أنَّها آية من الفاتحة، قاله الذَّهبي في «مختصر السنن» .

وأما حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأخرجه البيهقيُّ في «سننه» من حديث ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في السَّبع المثاني قال هي فاتحةُ الكتاب قرأها ابن عبَّاس رضي الله عنهما بسم الله الرحمن الرحيم سبعًا.

قال ابن جُريج فقلت لأبي أخبرك سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنَّه قال بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله؟ قال نعم، ثم قال قرأها ابن عباس رضي الله عنهما في الركعتين جميعًا.

وأخرجه الطَّحاوي، عن أبي بكرة، عن أبي عاصم، عن ابن جُريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر 87] قال فاتحة الكتاب، ثمَّ قرأ ابن عبَّاس رضي الله عنهما بسم الله الرحمن الرحيم، وقال هي الآية السَّابعة.

والجواب عنه أنَّ في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، وقد قال البخاري حديثه لا يتابع عليه، وأنَّه يعارضه ما يدلُّ على خلافه، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 326

إذا نهضَ في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين. رواه مسلم والطحاوي.

وهذا دليلٌ صريح على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة.

فإن قيل روى الحاكم في «المستدرك» عن عبد الله بن عَمرو بن حسَّان، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال الحاكم إسناده صحيحٌ، وليس له علَّة.

فالجواب أنَّ هذا غيرُ صريحٍ ولا صحيحٍ، أمَّا أنه غير صريح؛ فلأنَّه ليس فيه أنَّه في الصَّلاة، وأمَّا أنَّه غير صحيح؛ فلأنَّ عبد الله بن عَمرو بن حسَّان كان يضعُ الحديث، قاله إمام الصَّنعة علي بن المديني. وقال أبو حاتم ليس بشيءٍ كان يكذب.

فإن قيل روى الدَّارقطني عن أبي الصَّلت الهروي، واسمه عبد السلام بن صالح، نا عباد بن العوام، نا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصَّلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.

فالجواب أنه أضعف من الأول، فإنَّ أبا الصَّلت متروكٌ. وقال أبو حاتم ليس عندي بصدوق، وقال الدَّارقطني رافضيٌّ خبيثٌ.

وأمَّا حديث أنس رضي الله عنه فأخرجه الحاكم والدَّارقطني من حديث محمد بن أبي المتوكل بن أبي السري قال صلَّيت خلف المعتمر بن سليمان من الصَّلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، قال المعتمر ما آلوا أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنسٍ رضي الله عنه، وقال أنس ما آلوا أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والجواب أنَّ هذا مُعَارَض بما رواه ابن خُزيمة في «مختصره» ، والطَّبراني في «معجمه» عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسرُّ ببسم الله الرحمن الرحيم، وزاد ابن خزيمة وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الصَّلاة.

فإن قيل روى الحاكم من طريق آخر، عن محمد بن أبي السري نا إسماعيل بن أبي أويس نا مالك، عن حُميد، عن أنس رضي الله عنه قال صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال الحاكم وإنما ذكرته شاهدًا.

فالجواب أنه قال الذَّهبيُّ في «مختصره» أما يستحيي الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الموضوع، فأنا أشهد بالله، والله إنه يكذب.

وأمَّا حديث علي رضي الله عنه فما رواه الحاكم في «مستدركه» ، عن سعيد بن عثمان الخراز، نا عبد الرحمن، عن سعيد

ج 4 ص 327

المؤذِّن، نا مطر بن خليفة، عن أبي الطُّفيل، عن عليٍّ وعمَّار أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يجهرُ في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال صحيحُ الإسناد لا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح.

والجواب أنَّه قال الذَّهبي في «مختصره» هذا خبر واهٍ كأنَّه موضوع؛ لأنَّ عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعَّفه ابن معين، وسعيد ضعيف أو مجهول. وقال ابن عبد الهادي هذا حديثٌ باطل.

وأمَّا حديث ميسرة بن حبيب رضي الله عنه فأخرجه البوشنجي كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم سكتتان، سكتة إذا فرغ من القراءة، وسكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فأنكر ذلك عمران بن حصين، فكتبوا إلى أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه، فكتب أن صدق ميسرة.

قال الدَّارقطني والبيهقي رجال إسناده ثقاتٌ، وصحَّحه أبو شامة وغيره.

والجواب أنَّه لا يدلُّ على الجهر، بل هو دليل لنا على الإخفاء.

وأمَّا حديث عمَّار فقد ذكر مع حديث علي رضي الله عنهما.

وأمَّا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأخرجه الدَّارقطني نا عمر بن الحسن بن علي الشَّيباني، نا جعفر بن محمد بن مروان، نا أبو طاهر أحمد بن عيسى، نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.

والجواب أنَّ هذا باطلٌ من هذا الوجه لم يحدِّث به ابن أبي فديك، والمتَّهم به أبو طاهر أحمد بن عيسى القرشي، وقد كذَّبه الدَّارقطني فيكون كاذبًا في روايته عن مثل هذا الثَّقة، وشيخ الدَّارقطني ضعيف وهو أيضًا ضعَّفه.

والحسن بن خلال ومحمد بن جعفر تكلَّم فيهما الدَّارقطني، وقال لا يحتجَّ بهما، وله طريق آخر عند الخطيب عن عَبادة بن زياد الأسدي، نا يونس بن يعقوب العبدي، عن المعتمر بن سليمان، عن ابنِ أبي عبيدة عن مسلم بن حبَّان قال صلَّيت خلف ابن عمر رضي الله عنهما فجهرَ ببسم الله الرحمن الرحيم في السُّورتين فقيل له فقال صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى قُبض وخلف أبي بكر رضي الله عنه حتَّى قُبِض، وخلف عمر رضي الله عنه حتى قُبض فكانوا يجهرون بها في السُّورتين فلا أدع الجهر بها حتَّى أموت، وهذا أيضًا باطل لأنَّ عَبادة بن زياد _ بفتح العين _ كان من رؤساء الشيعة، قاله أبو حاتم.

وقال الحافظ محمد بن النَّيسابوري هو مجمعٌ على كذبه، وشيخه يونس بن يعفور ضعَّفه النسائيُّ وابن معين. وقال ابن حبَّان لا يجوز الاحتجاج به عندي، ومسلم بن حبان مجهول.

ج 4 ص 328

وأمَّا حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه فأخرجه الدَّارقطني في «سننه» عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضَّبي، نا أحمد بن حمَّاد الهَمْداني، عن مطر بن خليفة، عن أبي الضُّحى، عن النُّعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمَّني جبريل عند الكعبة فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ).

والجواب أنَّ هذا حديث منكرٌ بل موضوع، وأحمد بن حمَّاد ضعيف ضعفه الدَّارقطني ويعقوب بن يوسف ليس بمشهورٍ، وسكوت الدَّارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدًّا.

وأمَّا حديث الحكم بن عُمَير رضي الله عنه فأخرجه الدَّارقطني، نا أبو القاسم الحسين بن محمد بن بشر الكوفي، نا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، نا إبراهيم بن حبيب، نا موسى بن أبي حبيب الطَّائفي، عن الحكم بن عُمير وكان بدريًا قال صليت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل وصلاة الغداة وصلاة الجمعة.

والجواب أنَّ هذا من الأحاديث المنكرة الغريبة، بل هو حديثٌ باطل؛ لأنَّ الحكم بن عُمير ليس بدريًا ولا في البدريِّين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا تعرف له صحبة، له أحاديث منكرة.

وقال الذَّهبي الحكم بن عمير، وقيل عَمرو الثمالي الأزدي له أحاديث ضعيفة الإسناد إليه، وموسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيًّا، بل هو مجهول لا يحتجُّ بحديثه وإبراهيم بن حبيب وهم فيه الدَّارقطني فإنَّه إبراهيم بن إسحاق الصيني، ووهم فيه الدَّارقطني فقال الضَّبِّي _ بالضاد المعجمة والباء الموحدة المشددة _.

وأمَّا حديث معاوية رضي الله عنه فأخرجه الحاكم في «مستدركه» عن عبد الله بن عثمان بن خثيم أنَّ أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه قال صلَّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأمِّ القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتَّى قضى تلك الصَّلاة، ولم يكبِّر حتَّى يهوي حتى قضى تلك الصَّلاة، فلمَّا سلَّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار، ومن كان على مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التَّكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فلمَّا صلَّى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أمِّ القرآن وكبَّر حين يهوي ساجدًا، قال الحاكم صحيحٌ على شرط مسلم.

ورواه الدَّارقطني وقال رواته كلُّهم ثقات،

ج 4 ص 329

وقد اعتمد الشَّافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر.

وقال الخطيبُ هو أجود ما يعتمدُ عليه في هذا الباب، وقال العيني ومداره على عبد الله بن عثمان فهو وإن كان من رجال مسلم، لكنَّه مُتكلَّم فيه فعن يحيى أحاديثه غير قويَّة.

وعن النسائيِّ لين الحديث ليس بالقويِّ، وعن ابن المديني منكر الحديث، وبالجملة فهو مختلف فيه فلا يقبل ما تفرَّد به مع أنَّ إسناده مضطرب بيَّناه في «شرح معاني الآثار» و «شرح سنن أبي داود» وهو أيضًا شاذٌّ معلل فإنَّه مخالفٌ لما رواه الثِّقات الأثبات عن أنس رضي الله عنه، وكيف يرى أنس بمثل حديث معاوية هذا محتجًا به، وهو مخالف لما رواه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه الراشدين.

ولم يعرف أحد من أصحاب أنس رضي الله عنه المعروفين بصحبته أنَّه نقل عنه مثل ذلك، وممَّا يردُّ حديث معاوية هذا أنَّ أنسًا كان مقيمًا بالبصرة ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد أنَّ أنسًا كان معه، بل الظاهر أنَّه لم يكن معه. وأيضًا إن مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا.

قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السَّبعة أدركت الأئمَّة وما يستفتحون القراءة إلا بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيحٍ أنَّه كان يجهر بها إلَّا شيء يسير وله محمل، وهذا عمل يتوارثه آخرهم عن أوَّلهم فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنَّتهم، انتهى.

وفي الباب أيضًا عن بُريدة بن الحُصيب رضي الله عنه أخرجه الدَّارقطني والحاكم في «الإكليل» . وعن جابر رضي الله عنه أخرجه الحاكم في «الإكليل» . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أخرجه الحافظ البوشنجي، وعن طلحة بن عبيد الله أخرجه الحاكم في «الإكليل» . وعن عبد الله بن أبي أوفى أخرجه الدَّارقطني. وعن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أخرجه الحافظ أبو القاسم الغافقي الأندلسي في كتابه «المسلسل» .

وعن مخالد بن ثور وبشر بن معاوية أخرجه الخطيب، وعن الحسين بن عُرْفطة الأسدي أخرجه أبو موسى المديني في كتابه «المستفاد بالنظر والكتابة في معرفة الصحابة» . وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه البوشنجي.

وكلُّها واهية ضعيفةٌ، وبالجملة أحاديث الجهر وإن كثرت رواتها فكلُّها ضعيفةٌ وهي ليست مخرَّجة في «الصحاح» ولا في المسانيد المشهورة، ولم يرو أكثرها إلَّا الحاكم والدَّارقطني،

ج 4 ص 330

فأما الحاكم فقد عُرِف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضَّعيفة بل الموضوعة.

وأما الدَّارقطني فقد ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة والشَّاذَّة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره، وفي رواتها الكذابون والضُّعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في التَّواريخ، ولا في كتب الجرح والتَّعديل كعمرو بن شُميل وجابر الجعفي وحصين بن مُخارق وعَمرو بن حفص المكيِّ وعبد الله بن عَمرو بن حسان وأبي الصَّلت الهروي وعمر بن هارون البلخي وعيسى بن ميمون وآخرون، وكيف يجوز أن يُعارَض بمثل هؤلاء ما رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمَّة الثقات الأثبات، ومنهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقَّب بأمير المؤمنين في الحديث وتلقَّاه الأئمَّة بالقبول، وهذا البخاري مع شدَّة تعصُّبه وفرط تحمُّله على مذهب أبي حنيفة لم يودعْ صحيحه منها حديثًا واحدًا، وقد تعب كثيرًا في تحصيل حديث صحيحٍ في الجهر حتى يخرِّجه في «صحيحه» فما ظفر به، وكذلك مسلم لم يذكر شيئًا من ذلك ولم يذكرا في هذا الباب إلَّا حديث أنس رضي الله عنه الدَّالُّ على الإخفاء.

فإن قيل إنَّهما لم يلتزما أن يودعا في «صحيحيهما» كلَّ حديث صحيحٍ فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصَّحيحة.

فالجواب أنَّ هذا القول لا يقوله إلَّا مكابر أو سخيف، فإنَّ مسألة الجهر من أعلام المسائل ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دوامًا في المناظرة وجولانًا في المصنَّفات، ولو حلف الشَّخص بالله أيمانًا مؤكَّدة أنَّ البخاري لو اطَّلع على حديث منها موافق لشرطه أو قريب منه لم يُخْلِ منه كتابه لما حنث، ولئن سلَّمنا فهذا أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السَّقيمة والأسانيد الضَّعيفة لم يخرجوا منها شيئًا فلولا أنَّها واهية عندهم بالكليَّة لما تركوها.

وقد تفرَّد النسائيُّ منها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد عرفت ضعفه من وجوه.

فإن قيل أحاديث الجهر تقدَّم على أحاديث الإخفاء بأشياء

منها كثرة الرواة فإن أحاديث الإخفاء رواتها اثنان من الصحابة وهما أنس بن مالك وعبد الله بن معقل، وأحاديث الجهر تحرَّاها أكثر من عشرين صحابيًا كما سبق، ومنها أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر على إثبات والإثبات مقدَّم على النَّفي [2] ، ومنها أنَّ أنسًا رضي الله عنه

ج 4 ص 331

قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة فروى أحمد والدَّارقطني من حديث سعيد بن زيد أبي سلمة قال سألت أنسًا رضي الله عنه أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين؟ قال إنَّك تسألني في شيءٍ ما أحفظ أو ما سألني أحدٌ قبلك. قال الدَّارقطني إسناده صحيح.

فالجواب عن الأوَّل أنَّ الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدَّليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح بخلاف حديث الإخفاء فإنَّه صحيح صريحٌ ثابت مخرج في الصَّحيح والمسانيد المعروفة والسُّنن المشهورة مع أنَّ جماعة من الحنفيَّة لا يرون الترجيح بكثرة الرُّواة.

وعن الثاني أنَّ هذه الشَّهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات على أنَّ هذا مختلف فيه، فعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدَّم على المثبت، وعند البعض على العكس.

وعن الثالث أنَّ إنكار أنس رضي الله عنه لا يقاوم ما ثبت عنه في الصَّحيح. ويحتمل أن يكون أنس نسيَ في تلك الحال لكِبَرِه، وقد وقع مثل هذا كثيرًا كما سُئل يومًا عن مسألة فقال عليكم بالحسن فسلوهُ فإنَّه حفظ ونسينَا، وكم ممَّن حدَّث ونسي، ويحتمل أنَّه إنَّما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلًا لا عن الجهر بها وإخفائها.

فإن قيل نجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وإنَّه كان صبيًّا يومئذٍ.

فالجواب أنَّ هذا مردود لأنَّه صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة فكيف يتصوَّر أن يكون يصلِّي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدهر يجهر؟ هذا بعيدٌ بل يستحيل، ثمَّ قد روي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكهلٌ في زمن عثمان رضي الله عنه مع تقدُّمه في زمانهم وروايته للحديث.

خاتمة ثم إنَّهم اختلفوا في كون البسملة من القرآن أو لا، وفي أنَّها من الفاتحة أو لا، وفي أوَّل كلِّ سورة أو لا، والصَّحيح من مذهب أصحابنا أنَّها من القرآن؛ لأنَّ الأمَّة أجمعتْ على أنَّ ما كان مكتوبًا بين الدَّفتين بعلم الوحي فهو من القرآن والتَّسمية كذلك ويبتنى على هذا أنَّ فرض القراءة في الصَّلاة يتأدَّى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثَّناء عند بعض مشايخنا؛ لأنَّها آية من القرآن.

وقال بعضهم لا يتأدَّى بها؛ لأنَّ في كونها

ج 4 ص 332

آية تامَّة احتمال فإنه روي عن الأوزاعي أنَّه قال ما أنزل الله تعالى في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلَّا في سورة النمل وحدها وليست بآية تامة، وإنَّما الآية من قوله {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل 30] فوقع الشكُّ في كونها آية تامَّة فلا يجوز بالشَّكِّ، وكذا يحرم قراءتها على الجنب والحائضِ والنفساء على قصد القرآن.

أمَّا على قياس رواية الكرخي فظاهر؛ لأنَّ ما دون الآية يحرم عليهم، وأمَّا على رواية الطَّحاوي فلاحتمال أنَّها آية تامَّة فتحرم عليهم احتياطًا.

وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله، وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه وهو المنصوص عن أحمد.

وقالت طائفةٌ ليست من القرآن إلَّا في سورة النمل وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة.

وقالت طائفة إنَّها آيةٌ من كلِّ سورة أو بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه، وقد نقل عن الشافعي أنَّها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنَّما يستفتح بها في السُّور تبركًا.

وقال الطَّحاوي لمَّا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الجهر بالبسملة ثبت أنها ليست من القرآن، ولو كانت من القرآن يوجب أن يجهرَ بها كما يجهر بالقرآن سواها، ألا ترى أنَّ بسم الله الرحمن الرحيم التي في النَّمل يجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن؛ لأنَّها من القرآن.

وقد رأيناها أيضًا مكتوبة في فواتح السُّور في المصحف في فاتحة الكتاب وفي غيرها ولما كانت في غير فاتحة الكتاب ليست بآية ثبتَ أنَّها في فاتحة الكتاب أيضًا ليست بآية.

فإن قيل إذا لم تكن قرآنًا لكان مدخلها في القرآن كافرًا؟

فالجواب أنَّ الاختلاف فيها يمنع من أن يكون آية تامَّة، ويمنع من تكفير من يعدُّها من القرآن، فإنَّ الكفر لا يكون إلَّا بمخالفة النصِّ والإجماع في أبواب العقائد.

وأمَّا ما زعم الشافعي أنَّها آية من كلِّ سورة فما سبقه إلى هذا القول أحد؛ لأنَّ الخلاف بين السلف إنَّما هو في أنَّها من الفاتحة أو لا ولم يعدَّها آية من سائر السُّور، والتحقيق أنَّها آية من القرآن حيث كتبت، وأنَّها مع ذلك ليست من السُّور بل كتبت آية في كل سورة، ولذلك تتلى آية مفردة في أوَّل كل سورة، كما تلاها النَّبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت عليه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر 1] .

وعن هذا قال الشيخ حافظ الدِّين النَّسفي وهي آية من القرآن أنزلتْ للفصل بين السُّور، وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السُّورة حتى نزلَ عليه بسم الله الرحمن الرحيم،

ج 4 ص 333

وفي رواية لا يعرف انقضاء السورة. رواه أبو داود والحاكم وقال إنَّه على شرط الشَّيخين.

فإن قيل لو لم يكن من أوَّل كلِّ سورة لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم؟

فالجواب أنَّا لا نسلِّم أنَّه يدلُّ على أنَّها من أوَّل كلِّ سورة بل يدلُّ على أن?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت