فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 11127

746 - (حدثنا مُوسَى) هو ابن إسماعيل المنقري أبو سلمة التَّبوذكي، وقد تكرَّر ذكره (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) ويروى بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحية (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ)

ج 4 ص 350

سليمان بن مهران (عَنْ عُمَارَةَ) بضم المهملة وتخفيف الميم (ابْنَ عُمَيْرٍ) مصغَّر عمر، التَّيميِّ الكوفيِّ، وفي رواية حفص بن غياث، عن الأعمش (( حدثنا عمارة ) ).

(عَنْ أبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن سَخْبَرة _ بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة وبالراء _ الأزديِّ (قالَ قُلْنَا لِخَبَّابٍ) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة وفي آخره موحدة أخرى، هو ابن الأَرَتِّ _ بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية _ أبو عبد الله التَّميمي، ولحقه سَبْيٌ في الجاهليَّة فاشترته امرأة خزاعيَّة وأعتقتْه، وهو من السَّابقين إلى الإسلام، سادس السِّتَّة المعذَّبين في الله على إسلامهم، شهد المشاهد، روي له اثنان وثلاثون حديثًا، وللبخاريِّ خمسة، مات سنة سبع وثلاثين بالكوفة، وهو أوَّل من صلَّى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصرفه من صفِّين رضي الله عنه.

(أكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي) صلاة (الظُّهْرِ و) صلاة (العَصْرِ) قال الكرمانيُّ أي غير الفاتحة، إذ لا شكَّ في قراءتها. وقال العينيُّ هذا تحكُّم لا دليل عليه، إذ ظاهر الكلام أنَّ سؤالهم عن خبَّاب عن [1] قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظُّهر والعصر كان عن مطلق القراءة؛ لأنَّهم ربَّما كانوا يظنُّون أن لا قراءة فيهما؛ لعدم الجهر بها فيهما.

ألا ترى ما رواه أبو داود في «سننه» قال ثنا مسدَّد ثنا عبد الوارث، عن موسى بن سالم نا عبد الله بن عبيد الله قال دخلت على ابن عبَّاس رضي الله عنهما في شبابٍ من بني هاشم فقلنا لشابٍّ سل ابن عبَّاس رضي الله عنهما أكان رسول صلى الله عليه وسلم يقرأُ في الظهر والعصر، فقال لا، فقيل له لعلَّه كان يقرأ في نفسه، فقال خمشًا هذه شرٌّ من الأولى كان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أرسل به، الحديث.

وروى الطَّحاوي من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قيل له إنَّ ناسًا يقرؤون في الظُّهر والعصر، فقال لو كان لي عليهم سبيل لقلعتُ ألسنتهم، إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ وكانت قراءته لنا قراءة، وسكتَ وكان سكوته لنا سكوتًا.

وأخرجه البزَّار عن عكرمة أنَّ رجلًا سأل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن القراءة في الظُّهر والعصر، فقال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلوات فنقرأُ فيما قرأَ فيه، ونسكتُ فيما سكتَ فيه، فقلت كان يقرأ في نفسه، فغضب فقال أتتَّهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه أحمد ولفظه عن عكرمة قال قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أُمِرَ أن يقرأ فيه، وسكتَ فيما أُمر أن يسكتَ فيه، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم 64] و {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] .

وإلى هذه الأحاديث ذهب قومٌ

ج 4 ص 351

منهم سويدُ بن غَفَلة، والحسن بن صالح، وإبراهيم بن عُليَّة، ومالك في رواية، وقال لا قراءة في الظهر والعصر أصلًا.

قال العينيُّ فإذا كان الأمر كذلك كيف يقول الكرماني يقرأ غير الفاتحة، ويأتي بالتَّقييد في موضع الإطلاق من غير دليلٍ يقوم به، ولكن لا بدع هذا منه، فإنَّه لم يطَّلع على أحاديث هذا الباب ولا اختلاف السَّلف فيه، وقصد تمشية مذهبه نصرة لإمامه من غير برهان، ويذكر عن قريب الكلام فيه مستوفى إن شاء الله تعالى.

(قالَ نَعَمْ، قُلْنا) ويروى بالفاء العاطفة (بِمَ) بحذف الألف تخفيفًا؛ أي بأيِّ شيءٍ (كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ) باللام، ويروى بغير لام. وفي رواية الطَّحاويِّ (( بأيِّ شيءٍ كنتم تعرفون ذلك ) )، وفي لفظ للبخاريِّ (( بأي شيء كنتم تعلمون قراءته ) ) [خ¦761] ، وفي رواية ابن أبي شيبة (( بأيِّ شيءٍ كنتم تعرفون قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(قالَ) أي خبَّاب رضي الله عنه (بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ) بكسر اللام؛ أي بتحرُّكها، وقد جاء في بعض الرِّوايات بفتح اللام وبالياءين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة، وهي تثنية لَحْي _ بفتح اللام وسكون الحاء المهملة _ وهو منبت اللِّحية من الإنسان. وفي «المحكم» اللِّحية اسمٌ لجمعٍ من الشعر ما نبت على الخدين والذقن، واللحى الذي نبتَ عليه العارض.

وفي «الجامع» للقزَّاز يقال لِحية _ بكسر اللام _ ولَحية _ بفتح اللام _، والجمع لِحًى ولَحى، وقد استدلَّ بالحديث المذكور على وجوب القراءة في الظُّهر والعصر.

وقال الطَّحاويُّ رحمه الله بعد أن روى هذا الحديث فلم يكن في هذا دليل عندنا على أنَّه كان يقرأ فيهما؛ لأنَّه قد يجوز أن تضطرب لحيته بتسبيح يسبِّحه أو دعاء، ولكنَّ الذي حقَّق القراءة منه في هاتين الصلاتين تمسَّك بالآثار الذي روِّينا في الفصل الذي قبل هذا.

وقال العينيُّ أراد بها ما رواه عن أبي قتادة وأبي سعيدٍ الخدري، وجابر بن سَمُرة، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وأنس بن مالكٍ، وعلي رضي الله عنهم.

أمَّا حديث أبي قتادة فأخرجه البخاريُّ على ما يأتي عن قريبٍ [خ¦759] ، وكذا حديث جابر بن سَمُرة [خ¦755] ، وعمران بن حُصين [2] .

وأمَّا حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه؛ فأخرجه مسلمٌ عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظُّهر في الركعتين في كلِّ ركعة قدر ثلاثين آيةً، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كلِّ ركعةٍ قدر خمس عشرة آيةً، وفي الأخريين قدر نصف ذلك.

وأمَّا حديث عمران بن حُصين فأخرجه مسلمٌ عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 352

صلَّى الظهر، فجعل يقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1] فلمَّا انصرف قال (( أيُّكم قرأ أو أيُّكم القارئ ) )قال رجلٌ أنا، قال (( قد علمت أنَّ أحدكم خالجنيها ) )أي نازعني قراءتها.

وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه النَّسائي عن عطاءٍ قال قال أبو هريرة رضي الله عنه كلُّ صلاةٍ يقرأ فيها، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفاها أخفيناكم.

وأمَّا حديث أنسٍ رضي الله عنه فأخرجه النسائيُّ من حديث عبد الله بن عبيد قال سمعت أبا بكر بن النضر قال كنَّا بالطَّفِّ عند أنسٍ رضي الله عنه، فصلَّى بهم الظهر، فلمَّا فرغ قال إنِّي صلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظُّهر فقرأ لنا بهاتين السُّورتين في الرَّكعتين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} .

وهذه الأحاديث قد حقَّقت القراءة من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظُّهر والعصر، وانتفى ما روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما الذي ذُكِر عن قريب؛ لأنَّ غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم قد تحقَّقوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر.

وقال الخطَّابي في جواب هذا أنَّه وَهمٌ من ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّه قد ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقرأ في الظهر والعصر من طرقٍ كثيرةٍ، كحديث أبي قتادة وخبَّاب بن الأرتِّ وغيرهما.

وقال العينيُّ عندي جوابٌ أحسن من هذا مع رعاية الأدب في حقِّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو أنَّه رضي الله عنه اشتد في هذا أوَّلًا على الأمر باقتدائه صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( صلُّوا كما رأيتموني أصلي ) )والمرئيُّ هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصَّلاة اسمًا للفعل في حقِّ الظُّهر والعصر، والفعل والقول في غيرهما، ولم يبلغ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قراءته صلى الله عليه وسلم في الظُّهر والعصر، فلذلك قال في جواب السَّائل عنها ما قال، فلمَّا بلغه خبر قراءته صلى الله عليه وسلم فيهما، وثبت عنده رجع عنه.

والدَّليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» نا سفيان، عن سلمة بن كُهَيل، عن الحسن العرني، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظُّهر والعصر.

وممَّا يستفاد من الحديث ما ترجمَ عليه البخاريُّ وهو رفعُ البصر إلى الإمام، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال أصحابُنا والشَّافعيُّ وأبو ثور ينظر إلى موضع سجوده. ورُوِي ذلك عن إبراهيم وابن سيرين، وفي «التوضيح» واستثنى بعض أصحابنا ما إذا كان مشاهدًا للكعبة، فإنَّه ينظر إليها.

وقال القاضي حسين ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه، وإلى قدميه

ج 4 ص 353

في ركوعهِ، وإلى أنفه في سجوده، وإلى حِجْرِه في تشهُّده؛ لأنَّ امتدادَ النَّظر يُلهي فإذا قَصُر كان أولى.

وقال مالكٌ ينظر إلى أمامه، وليس عليه أن ينظرَ إلى موضع سجوده وهو قائمٌ، قال وأحاديث الباب تشهدُ له؛ لأنَّهم لو لم ينظروا إليه صلى الله عليه وسلم ما رأوا تأخَّره حين عرضت جهنَّم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلُّوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قِبْلته حين مُثِّلت له الجنَّة.

ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به ) )لأنَّ الائتمام لا يكون إلَّا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه، والله أعلم.

ثمَّ رجال هذا الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وقد أخرجه المؤلِّف في (( الصلاة ) )أيضًا [خ¦777] ، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.

[1] كذا في العمدة ولعلها سؤالهم لخباب.

[2] كذا في الأصول، ويخالفه ما بعده، فحديثه عند مسلم كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت