65 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) ؛ بصيغة الفاعل، (أَبُو الْحَسَنِ) وفي رواية المروزي شيخ البخاري انفرد به عن الأئمة الخمسة، روى عن ابن المبارك ووكيع، وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، قال الخطيب كان ثقة، وقال أبو حاتم صدوق، نزل بغداد وانتقل إلى مكة وجاور بها حتى مات آخر سنة ست وعشرين ومائتين.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) ؛ وفي رواية (عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك لأنه إذا أطلق عبد الله فيمن بعد الصحابة فالمراد ابن المبارك كما مر، وقد سبق ذكره في «الوحي» [خ¦6] (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السدوسي البصري الأكمه، وقد مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ... إلى آخره. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ؛ رضي الله عنه، وقد سقط في رواية «ابن مالك» .
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أنَّ رواته ما بين مروزيٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، ومنها أن رواته أئمة أجلاء، وقد أخرج متنه المؤلف في «الجهاد» [خ¦2938] ، وفي «اللباس» [خ¦5875] ، وفي «الأحكام» أيضًا [خ¦7162] ، وأخرجه مسلم في «اللباس» ، وأخرجه النسائي في «الزينة» ، وفي «السير» ، وفي «العلم» ، وفي «التفسير» .
(قَالَ) أي أنه قال (كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي أمر الكاتب أن يكتب، ففيه مجاز والقرينة العرف؛ لأن العرف أن الأمير لا يكتب الكتاب بنفسه غالبًا، فافهم [1] .
(كِتَابًا) أي إلى العجم أو إلى الروم كما جاء الرواية بهما في كتاب «اللباس» عند المؤلف [خ¦5875] (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) شك من الراوي قيل هو أنس (فَقِيلَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُمْ) أي الروم أو العجم لا يقال إنه إضمار قبل الذكر لقيام القرينة وهي قوله
(لاَ يَقْرَؤُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا) وقد جاء في بعض طرق الحديث عن أنس رضي الله عنه «لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم» ، وفي بعضها «لناس من الأعاجم» ، وفي مسلم أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل له إنهم لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا، وإنما كانوا كذلك؛ خوفًا من كشف أسرارهم، وإشعارًا بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم. وعن أنس رضي الله عنه أن ختم
ج 1 ص 447
كتاب السلطان والقضاة سُنَّة متبعة، وقد قيل في قوله تعالى {أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل 29] إنها إنما قالت ذلك؛ لأنه كان مختومًا.
(فَاتَّخَذَ) صلى الله عليه وسلم (خَاتَمًا) فيه لغات المشهور منها أربعة _ فتح التاء وكسرها _ وخاتام وخَيتام _ بفتح الخاء _ والجمع الخواتم، وتختمت إذا لبسته والختام الطين الذي يختم به (مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ) بسكون القاف مبتدأ خبره [2] (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أي هذه الكلمة محمد سطر ورسول سطر، ولفظة الجلالة سطر كما صحت به الرواية.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ) أي بياض الخاتم لأنه من فضة حال كونه (فِي يَدِهِ) الكريمة صلى الله عليه وسلم هذا من باب إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأن الخاتم ليس في يده بل في الإصبع وفيه قلب أيضًا؛ لأن الإصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبع فهو من قبيل قولهم عرضت الناقة على الحوض، (فَقُلْتُ) القائل هو شعبة (لِقَتَادَةَ مَنْ) استفهامية (قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ) أي قاله، ووجه الاستدلال بهذا الحديث على المكاتبة والمناولة ظاهر. وفيه من الفوائد غير ما ذكر مخالقة الناس بأخلاقهم، واستئلاف العدو بما لا يضر، وجواز اتخاذ الخاتم من فضة للرجال وهو مجمع عليه، وما روي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان فشاذٌ مردود، وأجمعوا أيضًا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، وما روي عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم من إباحته، وروي عن بعضهم من كراهته فقال النووي هذان النقلان باطلان، وما حكى الخطابي أنه يكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زي الرجال فقال النووي أيضًا (إنه ضعيف أو باطل لا أصل له، وجواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه ونقش اسم الله تعالى فيه، بل فيه كونه مندوبًا إليه) وهو قول مالك وابن المسيب وغيرهما وكرهه ابن سيرين.
وفيه التنبيه أيضًا على أن مِنْ شَرْطِ العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا؛ ليحصل الأمن من تَوَهُّم تغييره، لكن قد يُستغنى عن ختمه إذا كان الحامل عدلًا مؤتمنًا والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وجه الفهم إشارة إلى ما قاله الكرماني من أن الأميَّ من لا يحسن الكتابة لا من لا يعرفها أصلًا، وقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده سلَّمنا أن الأمي من لا يعرف الكتابة أصلًا، لكن يحتمل أن يكون هذا الإسناد حقيقة أيضًا بأن يصدر عنه هذه الكتابة خارقة للعادة على سبيل الإعجاز فتأمل. منه.
[2] في هامش الأصل والرابط كون الخبر عين المبتدأ كما في قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد} )) .