755 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح المهملة، الوَضَّاح _ بفتح الواو وتشديد الضاد المعجمة وآخره حاء مهملة _ ابن عبد الله اليشكريُّ، مات سنة خمس أو ستٍّ وسبعين ومائة في ربيع الأوَّل.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) مصغَّر عمر، هو ابن سويدٍ الكوفيُّ، وكان قد أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وروى عن جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة في ذي الحجَّة، وكان على قضاء الكوفة، ويقال له الفرسي نسبةً إلى فرسٍ له سابق.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بن جنادة العامريِّ السَّوائيِّ، يكنى أبا خالدٍ، وقيل أبا عبد الله، ولأبيه سَمُرة صحبةٌ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستَّةٌ وأربعون حديثًا، اتَّفقا على حديثين، وانفرد مسلمٌ بتسعة وعشرين، وهو ابنُ أخت سعد بن أبي وقاص، وقد صرَّح ابن عُيينة بسماع عبد الملك من جابرٍ أخرجه أحمد وغيره.
(قَالَ شَكَى أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا) هو ابن وقَّاصٍ مالك بن أهيب _ويقال وهيب_ بن عبد مناف.
وسعد هو أبو إسحاق الزُّهري أحد العشرة المبشَّرة المشهود لهم بالجنَّة، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميالٍ من المدينة، وحُمِلَ على رقاب النَّاس إلى المدينة، ودُفن بالبقيع سنة خمسٍ وخمسين وهو المشهور، وهو آخر العشرة موتًا، واختُلف في عمره فأنهَى ما قيل ثلاث وثمانون سنةً، وكان حين شكوه أميرًا على الكوفة.
(إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) والمعنى شكى بعضُ أهل الكوفة، وكذا في «مسند» إسحاق بن راهويه، عن جرير بن عبد الملك، وسمَّى الطبريُّ جماعةً منهم، وهم الجرَّاح بن سنان، وقَبيصة، وأربد الأسديُّون، وذكر العسكري أنَّ منهم الأشعث بن قيس.
وروى عبد الرَّزاق عن معمر، عن عبد الملك، عن جابر بن سَمُرة كنتُ جالسًا عند عمر رضي الله عنه، إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقَّاص حتَّى قالوا إنَّه لا يحسن الصَّلاة.
وأمَّا الكوفة ففي «الزاهر» لابن الأنباريِّ سمِّيت كوفةً؛ لاستدارتها أخذًا من قول العرب رأيت كُوفانًا _ بضم الكاف _ للرملة المستديرة. ويقال سُمِّيت كوفةً؛ لاجتماع النَّاس بها من قولهم قد تكوَّف الرَّجل يتكوَّف تكوُّفًا، إذا ركب بعضه بعضًا، ويقال الكوفة
ج 4 ص 364
أخذت من الكوفان، يقال هم في كُوْفان من بلاءٍ وشرٍّ؛ أي في حرزٍ ومنعة.
ويقال سمِّيت كوفةً؛ لأنَّها قطعةٌ من البلاد من قول العرب قد أعطيت فلانًا كيفة؛ أي قطعةً، يقال كِفْت أَكِيفُ كَيفًا، إذا قطعت فالكوفة فعلة من هذا، والأصل فيها كيفة، فلمَّا سُكِّنت الياء وانضمَّ ما قبلها جعلت واوًا.
وقال أبو القاسم الزَّجَّاجي سمِّيت كوفةً بموضعها، وذلك أنَّ كلَّ رملةٍ يخالطها حصباء تسمَّى كوفة.
وقال آخرون سمِّيت كوفةً؛ لأنَّ جبل سانيد بها محيطٌ بها، وقال ابن حرمل هي على الفرات، وبناؤها كبناء البصرة مصَّرها سعد بن أبي وقَّاص، وهي خططٌ لقبائل العرب، وهي خراجيَّةٌ بخلاف البصرة؛ لأنَّ ضياع الكوفة قديمةٌ جاهليَّةٌ، وضياع البصرة موات أحييت في الإسلام.
وفي «معجم ما استعجم» سمِّيت الكوفة بها؛ لأنَّ سعدًا رضي الله عنه لما افتتح القادسيَّة نزل المسلمون الأنبار، فآذاهم البَقُّ، فخرجَ فارتاد لهم موضع الكوفة، وقال تكوَّفوا في هذا الموضع؛ أي اجتمعوا.
وقال محمَّد بن سهل كانت الكوفةُ منازل نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو الذي بنى مسجدها.
وقال اليعقوبيُّ في كتابه هي مدينة العراق الكبرى والمصر الأعظم وفيه الإسلام، ودارُ هجرة المسلمين، وهي أوَّل مدينةٍ اختطَّ المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة، وهي على معظم الفرات، ومنه يشرب أهلها، ومن بغداد إليها ثلاثون فرسخًا.
وفي «تاريخ الطَّبري» لما احتوى المسلمون الأنبار كتب سعدٌ إلى عمر رضي الله عنه يخبره بذاك، وكتب إليه انظر فلاةً إلى جانبٍ من البحر، فارتدْ للمسلمين بها منزلًا فبعث سعد رجلًا من الأنصار، يقال له الحارث بن سلمةَ، ويقال بل عثمان بن الحنيف، فارتاد لهم موضع الكوفة، وفي «الصحاح» الكوفةُ الرَّملة الحمراء، وبها سمِّيت الكوفة.
(فَعَزَلَهُ) عمر رضي الله عنه (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا) هو عمَّار بن ياسرٍ رضي الله عنه هو أبو اليقظان العَبْسي، قتل بصفِّين سنة سبعٍ وثلاثين، وصلَّى عليه علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه (فَشَكَوْا مِنْهُ) أي من سعدٍ، والفاء فيه ليست عاطفة تعقيبيَّة، إذ الشَّكوى كانت سابقة على العزل، وإنَّما هي تفسيريَّة، والجملة وقعـ [ـت] تفسيرًا لقوله (( شكى أهل الكوفة سعدًا ) )، وقوله (( فعزلَه واستعمل عليهم عمَّارًا ) )جملة معترضة.
(حَتَّى) أي شكوا من سعدٍ في كلِّ شيءٍ حتى (ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي) فهذا يدلُّ على أنَّ شكواهم كانت متعدِّدة منها قصَّة الصَّلاة.
وصرَّح في رواية فقال عمر رضي الله عنه
ج 4 ص 365
لقد شكوك في كلِّ شيءٍ حتَّى في الصَّلاة.
ومنها ما ذكره ابن سعدٍ وسيف أنَّهم زعموا أنَّه حابى في بيع خُمُسٍ باعه، وأنَّه صنع على داره بابًا مبوَّبًا من خشبٍ، وكان السُّوق مجاورًا له، فكان يتأذَّى بأصواتهم، فزعموا أنَّه قال انقطع الصُّوَيْتُ، وذكر سيف أنَّهم زعموا أنَّه كان يُلْهيه الصَّيد عن الخروج في السَّرايا.
وقال الزُّبير بن بكَّار في كتاب «النسب» رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر، فوجدها باطلةً. انتهى.
ويشهدُ لذلك قول عمر رضي الله عنه في وصيَّته فإنِّي لم أعزله من عجزٍ ولا خيانةٍ، وكان عمر رضي الله عنه أمَّر سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه على قتال الفرس في سنة أربع عشرة، ففتح الله العراق على يديه، ثمَّ اختطَّ الكوفة سنة سبع عشرة، واستمرَّ عليها أميرًا إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خيَّاط.
وعند الطَّبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما ذكر، واستعمل عمر رضي الله عنه عمَّارًا على الصلاة، وابن مسعودٍ على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وكأنَّ تخصيص عمَّار بالذِّكر هنا؛ لوقوع التَّصريح بالصَّلاة دون غيرها ممَّا وقعت فيه الشَّكوى.
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) عمر رضي الله عنه، فوصل إليه الرسول، فجاء إلى عمر، وسيأتي أنَّ الرَّسول مَن هو، (فَقَالَ) عمر لسعدٍ رضي الله عنهما (يَا أَبَا إِسْحَاقَ) وهي كنية سعدٍ كنى بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيمٌ من عمر له رضي الله عنهما، وفيه دلالةٌ على أنَّه لم تقدح فيه الشَّكوى عنده.
(إِنَّ هَؤُلاَءِ) أي أهل الكوفة (يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ) أي أبو إسحاق (أَمَّا) بالتشديد، وهي للتَّقسيم، وفيه مقدَّر؛ لأنَّه لا بدَّ له من قسيمٍ آخر، فتقديره أتاهم فقالوا ما قالوا وأما (أَنَا) فأقول (وَاللَّهِ) وجواب القسم محذوف يدلُّ عليه قوله (فَإِنِّي) وفي رواية بغير فاء (كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي صلاةً مثل صلاته صلى الله عليه وسلم، والقسم لتأكيد الخبر في نفس السَّامع.
(مَا أَخْرِمُ) بفتح الهمزة وكسر الراء؛ أي ما أنقص (عَنْهَا) أي عن صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما أقطع، وحكى ابن التِّين في قوله _ ضم الهمزة _ عن بعض الرواة، واستضعفه.
(أُصَلِّي صَلاَةَ الْعَشِيِّ) كذا هنا بالإفراد، وفي الباب الذي بعده (( صلاتَي العَشيِّ ) )بالتَّثنية [خ¦758] .
والعَشِيِّ _ بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء _ كذا هو في رواية الأكثرين في الموضعين إلَّا في رواية الكُشميهني بالمدِّ، والمراد من صلاتي العشيِّ الظُّهر والعصر.
ولا يبعد أن يقال صلاتي العشاء بالمدِّ، ويراد بهما المغرب والعشاء
ج 4 ص 366
لكن يعكِّر عليه قوله الآتي (( الأُخْرَيين ) )لأنَّ المغرب إنَّما لها أخرى واحدة، والله أعلم.
ووجه تخصيصِ صلاة العشاء بالذِّكر من بين الصَّلوات احتمال كون شكواهم منه في هذه الصَّلاة، أو أنَّه لمَّا لم يهمل شيئًا من هذه الصَّلاة التي وقتها وقت الاستراحة ففي غيرها أولى، والأوَّل أولى من الثَّاني؛ لأنَّه يقال مثله في الظَّهر والعصر أيضًا؛ لأنَّهما وقت الاشتغال بالمعاملة والمعاش، وفي الصبح أيضًا؛ لأنَّه وقت لذَّة النَّوم.
(فَارْكُد) بضم الكاف؛ أي اسكنْ وامكثْ، يقال ركدَ يركدُ، إذا ثبت ودام، ومنه الماء الرَّاكد؛ أي السَّاكن الدَّائم، وركدت السَّفينة سكنتْ من الاضطراب، وركدَ الرِّيح سكنَ، والمعنى هاهنا أقومُ طويلًا أُطوِّل القراءة (فِي) الركعتين (الأُولَيَيْنِ) وفي رواية لمسلم (( وأمد في الأوليين ) )بدل (( فارْكُد ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون التَّطويل بما هو أعمُّ من القراءة كالرُّكوع والسُّجود، لكنَّ المعهود في التَّفرقة بين الركعات إنَّما هو القراءة.
(وَأُخِفُّ) بضم الهمزة وكسر المعجمة وتشديد الفاء، من الإفعال، وفي رواية الكُشميهني بفتح الهمزة وسكون المهملة وكسر الذال المعجمة، وكذا هو في رواية عثمان بن سعيد الدَّارمي عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاريِّ فيه أخرجه البيهقي؛ أي أحذف التَّطويل في القراءة، لا أَصِلُ القراءة.
وفي رواية الإسماعيليِّ من رواية محمد بن كثير عن شعبة (( أحذم ) )بالميم موضع الفاء، من حَذَم يَحْذِم حَذْمًا، إذا أسرع، وأصل الحذم الإسراع في كلِّ شيءٍ، ومنه حديث عمر رضي الله عنه (( إذا أقمت فاحذمْ ) )أي أسرع.
(فِي) الرَّكعتين (الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ) عمر رضي الله عنه (ذَاكَ) بغير لام، ويروى باللام، وهو مبتدأ خبره (الظَّنُّ) جملة اسميَّة.
وقوله (بِكَ) يتعلَّق بالظَّنِّ (يَا أَبَا إِسْحَاقَ) أي هذا الذي تقوله يا أبا إسحاق هو الذي يُظنُّ بك، وزاد مسعر عن عبد الملك وأبي عون معًا فقال سعد (( أتعلِّمني الأعراب الصَّلاة ) )؟ أخرجه مسلم.
وفيه دَلالةٌ على أنَّ الذين شكوه لم يكونوا من أهل العلم؛ لأنَّ الجهالة كانت غالبةً في الأعراب، وكأنَّهم ظنُّوا مشروعيَّة التَّسوية بين الرَّكعات، فأنكروا على سعدٍ التفرقة، فيستفاد منه ذمُّ القول بالرَّأي الذي لا يستند إلى أصلٍ، ويستفاد منه أنَّ القياس في مقابلة النَّص فاسدُ الاعتبار.
والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجةٍ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من النَّاس، ولا واحدَ له من لفظه سواء أقام بالبادية أو بالمدن.
(فَأَرْسَلَ) عمر رضي الله عنه (مَعَهُ) أي مع سعد رضي الله عنه (رَجُلًا) هو محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاريُّ فيما ذكره الطبريُّ.
(أَوْ رِجَالًا) بالشَّكِّ، وفي رواية ابن عُيينة (( فبعث عمر رجلين ) ) (إِلَى الْكُوفَةِ) وهذا يدلُّ على أنَّه أعاده إلى الكوفة؛ ليحصل الكشف عنه بحضرته؛
ج 4 ص 367
ليكون أبعد من التُّهمة، وقد ذكر سيف والطَّبريُّ أنَّ رسول عمر بذلك كان محمَّد بن مسلمة، قال وهو الذي كان يقتصُّ آثار من شُكِيَ من العمَّال في زمن عمر رضي الله عنه.
وحكى ابن التِّين أنَّ عمر رضي الله عنه أرسل في ذلك عبد الله بن الأرقم، فإن كان محفوظًا؛ فقد عُرِف الرجلان.
وروى ابن سعدٍ من طريق مليح بن عوفٍ السُّلمي قال بعث عمر رضي الله عنه محمَّد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلًا بالبلاد، فذكر القصَّة وفيها وأقام سعدًا في مساجد الكوفةِ يسألهم عنه. وفي رواية إسحاق عن جرير فطيف به في مساجد الكوفة.
(فَسَأَلَ) بالفاء (عَنْهُ) أي عن سعدٍ، ويروى فيكون من الأحوال المقدَّرة (أَهْلَ الْكُوفَةِ) كيف حاله بينهم (وَلَمْ) بالواو، ويروى بالفاء (يَدَعْ) أي لم يترك الرجل المبعوث (مَسْجِدًا) من مساجد الكوفة (إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ) أي عن سعد.
(وَ) الحال أنَّ أهل الكوفة (يُثْنُونَ) عليه (مَعْرُوفًا) أي خيرًا، وفي رواية ابن عيينة (( فكلُّهم يُثني عليه خيرًا ) ) (حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ) بفتح المهملة وسكون الموحدة وآخره مهملة، قبيلةٌ كبيرةٌ من قيس، وزاد سيف في روايته فقال محمَّد بن مسلمة أنشد الله رجلًا يعلم حقًّا إلَّا قال.
(فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكْنَى) بضم الياء وسكون الكاف وفتح النون (أَبَا سَعْدَةَ) بفتح المهملة بعدها عين مهملة ساكنة.
(قَالَ) ويروى (أَمَّا) بتشديد الميم، وأختها محذوف أيضًا، وتقديره أمَّا غيري فأثنى عليه، وأمَّا نحن (إِذْ) أي حين (نَشَدْتَنَا) أي سألتنا بالله تعالى، يقال نشدتُك أي سألتُك بالله.
(فَإِنَّ سَعْدًا) أي فنقول إنَّ سعدًا (لاَ يَسِيرُ) وفي رواية (بِالسَّرِيَّةِ) الباء للمصاحبة، والسَّرِيَّة _ بفتح المهملة وتخفيف الراء المكسورة وتشديد التحتانية _ قطعةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبعث إلى العدوِّ، وسمُّوا بذلك؛ لأنَّهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السَّرِيِّ النفيس.
وقيل سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ينفذون سرًّا وخفيةً، وليس بالوجه؛ لأنَّ لام (( السِّرِّ ) )راء وهذه ياء.
وقيل يحتمل أن يكون صفة لمحذوف؛ أي لا يسير بالطَّريقة السَّرِيَّة؛ أي العادلة، والأوَّل أولى وأوجه؛ لقوله بعد ذلك (( ولا يعدل ) )، والأصل عدم التِّكرار، والتَّأسيس أولى من التَّأكيد.
ويؤيِّده رواية جرير وسفيان بلفظ (( لا ينفر في السَّرِيَّة ) )، والمعنى لا يخرج بنفسه معها،
ج 4 ص 368
فنفى عنه الشَّجاعة التي هي كمال القوَّة الغضبيَّة.
(وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ) فنفى عنه العفَّة التي هي كمال القوَّة الشَّهوانيَّة (وَلاَ يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ) أي الحكومة والقضاء، وفي رواية جرير وسيف (( في الرَّعيَّة ) )فنفى عنه الحكمة التي هي كمال القوَّة العقليَّة، وفيه سلب للعدلِ عنه بالكليَّة، وهو قدحٌ في الدِّين.
(قَالَ سَعْدٌ) وفي رواية جرير (( فغضب سعدٌ ) )، وحكى ابن التِّين أنَّه قال له أعليَّ تسجع (أَمَا) بتخفيف الميم حرف استفتاح (وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ) من الدَّعوات، واللام كالنون الثَّقيلة للتَّأكيد.
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا) فيما نسبني إليه (قَامَ) في هذه القضيَّة (رِيَاءً وَسُمْعَةً) ليراه النَّاس ويسمعوه ويشهروا ذلك عنه؛ ليكون له بذلك ذِكرٌ (فَأَطِلْ عُمْرَهُ) مراده أن يطولَ في غاية ليرتدَّ إلى أسفل السَّافلين، ويصير إلى أرذلِ العمر، وتضعف قواه، وينتكسُ في الخلق محنةً لا نعمة، أو مراده طول العمر مع طول الفقر، وهذا أشدُّ ما يكون في الرَّجل، فهو دعاءٌ عليه لا له (وَأَطِلْ فَقْرَهُ) وفي رواية جرير (( وشدِّد فقره ) )، وفي رواية سيف (( وأَكثِرْ عياله ) )وهذه الحالةُ بئست الحالة، وهي طول العمر مع الفقر، وكثرة العيال نسأل الله العفو والعافية.
(وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ) أي اجعله عرضةً للفتن، أو أدخله في معرضها، أو أظهره بها، ويروى بالموحَّدة.
والحكمة في هذه الدَّعوات الثَّلاث أنَّ أسامة بن قتادة المذكور نفى عن سعد رضي الله عنه الفضائل الثَّلاث التي هي أصولُ الفضائل وأمَّهات الكمالات، وهي الشَّجاعةُ والعفَّةُ والحكمة، كما مرَّ، فهذه الثَّلاثة تتعلَّق بالنَّفس والمال والدِّين، فقابلها بمثلها فطول العمر يتعلَّق بالنَّفس، وطول الفقر يتعلَّق بالمال، والوقوع في الفتن يتعلَّق بالدِّين.
ولمَّا كان في الاثنتين الأوليين يمكن الاعتذار عنه دون الثَّالثة قابلهما بأمرين دنيويِّين، والثَّالثة بأمرٍ دينيٍّ.
وبيان ذلك أنَّ قوله (( لا ينفر بالسَّريَّة ) )يمكن أن يكون حقًّا، لكن رأى المصلحة في إقامته؛ ليرتِّب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذرٌ كما وقع له في القادسيَّة.
وقوله (( لا يقسم بالسَّويَّة ) )يمكن أن يكون حقًّا أيضًا، فإنَّ للإمام تفضيل بعض النَّاس بشيءٍ يختصُّ به لمصلحةٍ يراها في ذلك.
وأمَّا قوله (( ولا يعدل
ج 4 ص 369
في القضيَّة )) فهو أشدُّها؛ لأنَّه سلب عنه العدل مطلقًا، وذلك قدحٌ في الدِّين.
ومن أعجبِ العجب أنَّ سعدًا مع كون هذا الرَّجل واجهه بهذا، وأغضبه حتَّى دعا عليه في حال غضبه راعى العدلَ والإنصاف في الدُّعاء، إذ علَّقه بشرط أن يكون كاذبًا، وأن يكون الحامل له على ذلك الغرضُ الدُّنيويُّ.
وقال الزَّين ابن المُنيِّر في الدَّعوات الثَّلاث مناسبة للحال، أمَّا طول عمره فليراه من سمع بأمره؛ ليعلم كرامة سعدٍ، وأمَّا طولُ فقره فلنقيض مطلوبه؛ لأنَّ حاله يشعر بأنَّه طلب أمرًا دنيويًّا، وأمَّا تعرُّضه للفتن فلكونه قام فيها، ورضيها دون أهل بلده.
قال عبد الملك بن عمير بيَّنه جريرٌ في روايته.
(فَكَانَ) ويروى بالواو؛ أي كان أسامة (بَعْدُ) بالضم؛ أي بعد ذلك (إِذَا سُئِلَ) عن حال نفسه، وفي رواية ابن عُيينة (( إذا قيل له كيف أنت ) ) (يَقُولُ) أنا (شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ) فقوله (( كبيرٌ ) )إشارةٌ إلى الدَّعوة الأولى، وقوله (( مفتونٌ ) )إلى الدَّعوة الثالثة، وإنَّما لم يُشِر إلى الدَّعوة الثَّانية، وهي قوله وأطل فقره؛ لأنَّه يدخل في عموم قوله (أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ) بإفراد الدَّعوة وهي ثلاثةٌ لإرادة الجنس.
وقد وقع التَّصريح بذلك في رواية الطَّبرانيِّ من طريق أسد بن موسى. وفي رواية أبي يَعلى عن إبراهيم بن الحجَّاج كلاهما عن أبي عَوانة، ولفظه قال عبد الملك فأنا رأيته يتعرَّض للإماء في السِّكك، فإذا سألوه قال كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ.
وفي رواية إسحاق عن جرير (( فافتقرَ وافتتنَ ) ). وفي رواية سيف (( فعَمِي واجتمعَ عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بحُسنِ المرأة تشبَّث بها، فإذا أنكر عليه قال دعوة المبارك سعد ) ). وفي رواية ابن عُيينة (( ولا يكون فتنة إلَّا وهو فيها ) ). وفي رواية محمَّد بن جُحَادة عن مصعب بن سعدٍ نحو هذه القصَّة قال (( وأدرك فتنة المختار، وقتل فيها ) )، رواه المخلِّص في «فوائده» . وعند ابن العساكر وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمسٍ وستِّين إلى أن قتل سنة سبع وستِّين. وفي روايةٍ لسيف إنَّه عاش إلى فتنةِ الجماجم، وكانت سنة ثلاثٍ وثمانين.
(قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ) بن عُمير (فَأَنَا) بالفاء، ويروى بالواو (رَأَيْتُهُ بَعْدُ) أي بعد ذلك (قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ) أي شعرهما (عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ) بكسر الكاف وفتح الموحدة (وَإِنَّهُ) أي وإنَّ أبا سعدة (لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطَّرِيقِ) ويروى
ج 4 ص 370
(يَغْمِزُهُنَّ) أي يعصر أعضاءهنَّ بالأصابع، وفيه أيضًا إشارةٌ إلى الفتنة والفقر، إذ لو كان غنيًّا؛ لما احتاج إلى غمزِ الجواري في الطُّرق. وكان سعدٌ رضي الله عنه معروفًا بالإجابة، روى الطَّبرانيُّ من طريق الشَّعبي قال قيل لسعدٍ متى أصبت الدَّعوة؟ قال يوم بدرٍ، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم (( اللَّهمَّ استجب لسعدٍ ) ). وروى التِّرمذي وابن حبَّان والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم عن سعدٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال (( اللَّهمَّ استجب لسعدٍ إذا دعاك ) ).
وفي هذا الحديث فوائد
منها وجوب القراءة في الرَّكعتين الأوليين من الصَّلاة، وعدم وجوبها في الأخريين، واستدلَّ بعض أصحابنا لأبي حنيفة ومن قال بقوله رحمهم الله في عدم وجوب القراءة في الأخريين بالحديث المذكور.
وعن هذا قال صاحب «الهداية» وغيره إن شاء قرأَ في الأخريين، وإن شاء سبَّح، وإن شاءَ سكتَ، وهو المأثورُ عن عليٍّ وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، إلَّا أنَّ الأفضل أنَّه يقرأ.
وقال أصحابنا المصلِّي مأمورٌ بالقراءة بقوله تعالى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ} [المزمل 20] والأمر لا يقتضي التِّكرار، فتعين الرَّكعة الأولى منها، وإنَّما أوجبناها في الثَّانية استدلالًا بالأولى؛ لأنَّهما تتشاكلان من كلِّ وجهٍ.
وممَّن قال إنَّ القراءة في الصَّلاة مستحبَّةٌ الأحمر وابن عُلَيَّة والحسن بن صالحٍ والأصمُّ، وروى الشَّافعيُّ بإسناده عن مالكٍ عن محمَّد بن علي بن الحسين أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه صلَّى المغرب فلم يقرأ فيها شيئًا، فقيل له؟ فقال كيف كان الرُّكوع والسُّجود؟ قال حسن، قال فلا بأس.
قيل وهذا منقطعٌ بين محمَّد بن عليٍّ وعمر وفي إسناده أيضًا مجهول.
وفي «شرح مسند الشافعي» لابن الأثير روى الشَّعبيُّ عن زياد بن عياض عن أبي موسى صلَّى عمر رضي الله عنه فلم يقرأ شيئًا فأعاد، قال ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم أنَّه صلَّى المغرب ولم يقرأ فأعاد.
وروى الشَّافعيُّ فيما بلغه عن زيد بن خبَّاب، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ رضي الله عنه قال له رجلٌ إنِّي صلَّيت فلم أقرأ؟ قال أتممت الرُّكوع والسُّجود؟ قال نعم قال تمَّت صلاتك.
وقال ابن المنذر روِّينا عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قال اقرأ في الأوَّلين وسبِّح في الأخريين، وعن مالك رواية شاذَّة أنَّ الصَّلاة صحيحةٌ بدون القراءة.
وقال ابن الماجشون من تركَ القراءة في ركعة من الصُّبح أو أيِّ صلاة كانت تجزئه سجدتا السَّهو،
ج 4 ص 371
وروى البيهقيُّ عن زيد بن ثابتٍ القراءة في الصَّلاة سنَّة.
وعن الشَّافعيِّ في القديم إن تركها ناسيًا صحَّت صلاته، وفي «المصنف» من طريق أبي إسحاق عن علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنَّهما قالا اقرأ في الأوليين وسبِّح في الأخريين.
وعن منصورٍ قال قلت لإبراهيم ما نفعل في الرَّكعتين الأخريين من الصَّلاة؟ قال سبِّح واحمد الله وكبِّر. وعن الأسود والثَّوريِّ كذلك.
ثم إنَّه استدلَّ بقوله (( أركد في الأوليين ) )مَن يسوِّي [1] الرَّكعتين الأوليين على الأخريين في الصَّلوات كلِّها. وهو مذهب الشَّافعي، حكاه في «المهذب» . وفي «الروضة» الأصحُّ التَّسوية بينهما وبين الثَّالثة والرَّابعة قال ويطوِّل أولى الفجر على الثَّانية وغيرها وهو قول محمَّدٍ والثَّوري وأحمد بن حنبل، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يطيل الرَّكعة الأولى على الثَّانية إلَّا في الفجر خاصًّة.
وفي «شرح المهذب» لأصحابنا وجهان أشهرهما لا تُطوَّل، والثَّاني يستحبُّ تطويل القراءة في الأولى، هذا هو الصَّحيح المختار.
واتَّفقوا على كراهةِ إطالة الثَّانية على الأولى إلَّا مالكًا فإنَّه قال لا بأس بتطويل الثَّانية على الأولى مستدلًّا بأنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم قرأ في الرَّكعة الأولى بسورةِ الأعلى وهي ستَّ عشرة آيةً، وفي الثَّانية بالغاشية وهي ستٌّ وعشرون آيةً.
وفي (( الصَّلاة ) )لأبي نُعيم حدَّثنا شيبان، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه كان النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم يطوِّل في الرَّكعة الأولى في الظُّهر والعصر والفجر، ويقصر في الأخرى.
ثمَّ إن جهر فيما يخافَت فيه أو خافتَ فيما يُجهر فيه، فعند أبي حنيفة يسجدُ للسَّهو، وعند أبي يوسف إن جهر بحرفٍ يسجد، وفي روايةٍ عنه إن زاد فيما يُخافَت فيه على ما يُسمِعُ أذنيه يجب سجدتا السَّهو والصَّحيح إنَّما تجب إذا جهر مقدار ما تجوز به الصَّلاة.
وفي «المصنف» فيمن كان يجهر بالقراءة في الظُّهر والعصر خبَّاب بن الأرتِّ وسعيد بن جبير والأسود وعلقمة، وعن جابرٍ قال سألت الشعبيَّ وقاسمًا ومجاهدًا وعطاء عن الرَّجل يجهر في الظُّهر والعصر، فقالوا ليس عليه سهوٌ.
وعن قتادة أنَّ أنسًا رضي الله عنه جهر فيهما فلم يسجد، وكذا فعل سعيدُ بن العاص إذ كان أميرًا بالمدينة.
وفي «التلويح» ويستدلُّ لأبي حنيفة رحمه الله بما رواه أبو هريرة في كتاب ابن شاهين بسندٍ فيه كلام قال صلَّى الله عليهِ وسلَّم (( إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النَّهار فارجموهُ بالبعر ) ).
وفي «المصنف» عن يحيى
ج 4 ص 372
بن أبي كثيرٍ قالوا يا رسول الله، إنَّ قومًا يجهرون بالقراءة بالنَّهار، فقال (( ارمُوهم بالبعر ) ). وعن الحسن وأبي عُبيدة صلاة النَّهار عجماء، وقال صاحب «التلويح» وحديث ابن عبَّاسٍ (( صلاة النَّهار عجماء ) ). وإن كان بعض الأئمَّة قال هو حديثٌ لا أصل له باطلٌ يشبه أن يكون ليس كذلك.
ومنها أيضًا أنَّ الإمام إذا شُكِيَ إليه نائبه بعثَ إليه واستفسرهُ عن ذلك، ومنها أيضًا جوازُ عزله وإن لم يثبتْ عليه شيءٌ إذا اقتضت المصلحة ذلك، قال مالكٌ قد عزلَ عمر سعدًا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، والَّذي يظهر أنَّ عمر رضي الله عنه عزله حسمًا لمادَّة الفتنة، ففي رواية سيف قال عمر رضي الله عنه لولا الاحتياط وأن لا يُتَّقَي من أميرٍ مثل سعد لما عزلته.
وقيل عزله إيثارًا لقربه منه لكونه من أهل الشُّورى، وقيل لأنَّ مذهب عمر رضي الله عنه أنَّه لا يستمرُّ بالعامل أكثر من أربع سنينٍ. وقال المازريُّ اختلفوا هل يعزل القاضي بشكوى الواحد أو الاثنين أو لا يعزل حتَّى يجتمع الأكثر على الشَّكوى منه.
ومنها السُّؤال عمَّن شُكِيَ في موضعِ عمله عن أهل الفضل منهم؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه كان يسأل عنه في المساجد أهل ملازمة الصَّلاة فيها، ومنها الاقتصار في المسألة على من يظنُّ به الفضل. ومنها أنَّ السُّؤال عن عدالة الشَّاهد ونحوه يكون ممَّن يجاوره، وإن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال، ومنها خطاب الرَّجل الجليل بكنيته، والاعتذار لمن سمع في حقِّه كلامٌ يسوؤه.
ومنها الفرقُ بين الافتراء الذي يقصد به السَّبُّ، والافتراء الذي يُقصد به دفع الضَّرر، فيعزَّر قائل الأوَّل دون الثاني، ويحتمل أن يكون سعد لم يطلب حقَّه منهم، أو عفا عنهم، أو اكتفى بالدُّعاء على الذي كشف قناعه في الافتراء عليه دون غيره؛ لأنَّه صار كالمنفرد بأذيَّته، وقد جاء الخبر (( من دعا على ظالمهِ فقد انتصرَ ) )فلعلَّه أراد الشَّفقة عليه بأن عجَّل له العقوبة في الدُّنيا فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمهُ لما كان فيه من وفور الدِّيانة ويقال إنَّما دعا عليه لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشَّريعة فكأنَّه انتصر لصاحب الشَّريعة.
ومنها جواز الدُّعاء على الظَّالم المعيَّن بما يستلزم النَّقص في دينه، وليس هو من طلب
ج 4 ص 373
وقوع المعصية ولكن من حيث إنَّه يؤدِّي إلى نكاية الظَّالم وعقوبته.
ومن هذا القبيل مشروعيَّة طلب الشَّهادة وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأوَّل قول موسى عليه السَّلام {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس 88] الآية.
تتمَّة ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فإنِّي كنت أصلِّي بهم صلاة رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم ) )ولا نزاع في قراءة النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم في صلاته دائمًا، وهو يدلُّ على وجوب القراءة لكن التَّطابق إنَّما يكون في الجزء الأوَّل من التَّرجمة وهو قوله (( وجوب القراءة للإمام ) ).
وقوله (( ما أخْرِمُ عنها ) )أي عن صلاةِ رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم فدلَّ على الجزء الخامس والسَّادس من التَّرجمة، وهو الجهرُ فيما يجهر، والمخافتة فيما يخافت، ولا نزاع أنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم كان يجهر في محلِّ الجهر، ويخفي في محلِّ الإخفاء، ويدلُّ هذا أيضًا على الجزء الثَّالث والرَّابع؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم ما كان يترك القراءةَ في الصَّلاة لا في السَّفر ولا في الحضر؛ لأنَّه لم ينقل تركه أصلًا ولم يبق من التَّرجمة إلَّا الجزء الثَّاني وهو قراءةُ الإمام، ولا دَلالة في الحديث عليه.
وبهذا التَّقرير يندفع اعتراض الإسماعيليِّ وغيره حيث قالوا لا دَلالة في حديث سعدٍ على وجوب القراءة، وإنَّما فيه تخفيفها في الأخريين عن الأوليين.
وقال ابن بطَّال وجه دخول حديث سعد في التَّرجمة أنَّه لما قال (( أركد وأخفُّ ) )عُلِم أنَّه لا يَتركُ في شيءٍ من صلاته القراءة، وقد قال إنَّها مثل صلاة النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم انتهى.
وهذا قريبٌ ممَّا ذكر أوَّلًا ولكن لا يدلُّ على وجوب القراءة على المأموم أيضًا، والله أعلم.
[1] في العمدة من يرى تطويل الركعتين الأوليين.