فهرس الكتاب

الصفحة 1209 من 11127

757 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عمرٍ العمريِّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (سَعِيْدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ المقبُري كيسان اللَّيثيُّ الجندعيُّ.

قال الدَّارقطني خالف يحيى فيه جميع أصحاب عُبيد الله؛ لأنَّهم كلهم رووه عن عُبيد الله، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، ولم يذكروا أباه. وقال الدَّارقطني يحيى حافظٌ يُعتَمد ما رواه، فيشبه أن يكون عبيد الله حدَّث به على الوجهين، ولكلٍّ من الرِّوايتين وجه يُرجِّح.

فأمَّا رواية يحيى؛ فللزِّيادة من الحافظ الثِّقة، وأمَّا الرواية الأُخرى فللكثرة، ولأنَّ سعيدًا لم يوصف بالتَّدليس، وقد ثبتَ سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه.

ومن ثمَّة أخرج الشَّيخان الطَّريقين؛ فأخرج البخاريُّ طريق يحيى هنا، وفي باب (( وجوب القراءة ) ) [خ¦793] ، وأخرج في (( الاستئذان ) )طريق ابن نُمير [خ¦6251] ، وفي (( الأيمان والنُّذور ) )طريق أبي أسامة [خ¦6667] كلاهما عن عبيد الله ليس فيه

ج 4 ص 384

عن أبيه.

وأخرجه مسلمٌ أيضًا من طرقه الثَّلاثة، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه أيضًا، لكنَّهم لم يستوعبوا الطُّرق الثَّلاثة.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّم دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ) هو خلَّاد بن رافعٍ جدُّ عليِّ بن يحيى بن خلَّاد أحد الرُّواة في حديث رفاعة بن رافع أخرجه النسائيُّ، وفي رواية ابن نُمير (( فدخل رجلٌ ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد ) ). وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة (( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ ونحن حوله ) )، ووقع في رواية النسائيِّ عن رفاعة بن رافعٍ (( إذ جاء رجلٌ كالبدويِّ ) )، وهذا لا يمنع تفسيره بخلَّاد؛ لأنَّ رفاعة شبهه بالبدويِّ.

(فَصَلَّى) وزاد في رواية داود بن قيس (( ركعتين ) )، وفي رواية النسائيِّ (( فصلَّى فأخفَّ صلاته ) ) (فَسَلَّمَ) وفي رواية له على ما يجيء (( ثمَّ جاء فسلَّم ) ) (عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم فَرَدَّ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم السلام (وَقَالَ) وفي رواية (ارْجِعْ فَصَلِّ) وفي رواية بالواو، وفي رواية ابن عجلان (( فقال أعدْ صلاتك ) ) (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) نفيٌ للكمال أو نفي للصِّحة (فَرَجَعَ فَصَلَّى) بالفاء، ويروى بياء المضارع على أنَّ الجملة حالٌ منتظرة مقدَّرة (كَمَا صَلَّى) أولًا.

(ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم، فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم (ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) فإن قيل كأن الموقع موقع (( لمَّا ) )؛ لأنَّ (( لم ) )محتملةٌ لاستمرار النَّفي نحو {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص 3] ، ولانقطاعه نحو {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان 1] ؛ لأنَّ المعنى أنَّه كان بعد ذلك شيئًا بخلاف (( لمَّا ) )، فإنَّها لاستمرار النفي إلى زمان الحال وهو المراد هنا.

فالجواب أنَّه لمَّا دلَّت المشاهدة على أنَّ عدمَ اعتداله كان، واتَّصل بالحال كان ذلك قرينة على أنَّ (( لم ) )وقعتْ موقع (( لمَّا ) )فلا لبس.

(ثَلاَثًا) أي ثلاث مرَّات (فَقَالَ) بالفاء، وفي رواية ، وفي رواية ابنِ نُمير سقط قوله (( ثلاثًا ) )، ووقع هكذا (( فقال في الثالثة ) )، وفي رواية أبي أسامة (( فقال في الثانية أو الثالثة ) )والرِّواية التي بلا ترديدٍ أولى.

(وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي) على صيغة الأمر، وفي رواية يحيى بن عليٍّ (( فقال الرجل فأَرِني وعلِّمني فإنَّما أنا بشرٌ أصيب وأخطئ، فقال أجل ) )، واستُشكل كونه صلى الله عليه وسلم تركه ثلاث مرَّاتٍ يصلِّي صلاةً فاسدةً.

وأجاب فضل الله التُّوربشتي بأنَّ الرَّجل لمَّا رجع ولم يستكشف الحال من مورد الوحي كأنَّه اغترَّ بما عنده من العلم فسكت صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 385

عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلمَّا طلب كشف الحال من مورد الوحي أرشدَه إليه صلى الله عليه وسلم.

وقال النَّوويُّ إنَّما لم يعلمه أولًا ليكون أبلغَ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصَّلاة المجزية.

وقال ابن الجوزيِّ يحتمل أن يكون تقريره لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، وأنَّ الوقت لم يفته، أو أراد إيقاظ الفطنة للمتروك.

وقال ابنُ دقيق العيد ليس التَّقرير بدليلٍ على الجواز مطلقًا، بل لا بدَّ من انتفاء الموانع، ولا شكَّ أنَّ في قبول زيادة التَّعلُّم لِمَا يُلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجُّه سؤاله مصلحةٌ مانعة من وجوب المبادرة إلى التَّعليم، لاسيَّما مع عدم خوف الفوات، إمَّا بناءً على ظاهر الحال أو بوحيٍ خاصٍّ، والله أعلم.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ويروى (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ) أي تكبيرة الإحرام، وفي رواية ابن نُمير (( إذا قمت إلى الصَّلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبل القبلة، فكبِّر ) )وفي رواية يحيى بن علي (( فتوضَّأ كما أمرك الله فأسبغ الوضوء ثم تشهَّد وأقم ) )وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النسائي (( إنَّها لن تتمَّ صلاة أحدكم حتَّى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثمَّ يكبر الله ويحمده ويمجده ) )وفي رواية أبي داود (( ويثني عليه ) )بدل (( ويمجِّده ) ).

(ثُمَّ اقْرَأْ مَا) ويروى بالموحدة (تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وفي حديث رفاعة من رواية إسحاق (( ويقرأ ما تيسَّر من القرآن ممَّا علَّمه الله ) ). وفي رواية يحيى بن علي (( فإن كان معك قرآنٌ فاقرأْ، وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّله ) ). وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود (( ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن، أو بما شاء الله ) )، وفي رواية أحمد وابن حبَّان (( ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن، ثمَّ اقرأ بما شئت ) ).

(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ) رأسك من الرُّكوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ) حال كونك (قَائِمًا) وفي رواية ابن ماجه (( حتى تطمئنَّ قائمًا ) ) (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ) رأسك من السُّجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير وقراءة ما تيسَّر والركوع والسجود والجلوس، وفي رواية محمد بن عَمرو (( ثمَّ اصنعْ ذلك في كلِّ ركعةٍ وسجدةٍ ) ).

(فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) من الفرض والنَّفل، ومطابقة الحديث للتَّرجمة باعتبار الجزء السَّادس وهو قوله (( وما يُخَافت ) )؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر الرَّجل المذكور في هذا الحديث بالقراءة في صلاته وكانت صلاته نهاريَّة؛ لأنَّ الأصل في صلاة النَّهار الإسرار إلَّا ما خرج بدليلٍ كالجمعة والعيدين، والأصل في صلاة اللَّيل الجهر، فإن خالفَ فعليه سجود السَّهو عندنا خلافًا للشافعيِّ، وقد مرَّ الكلام فيه، قاله العينيُّ [خ¦755] .

وأنت خبيرٌ بأنَّه بعيدٌ غاية البعد، إذ لا تعرض في الحديث للمخافتة ولا للجهر بل للقراءة مطلقًا فالأولى بيان المطابقة بأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بالقراءة لمن يصلِّي وهو فاتحة التَّرجمة كما ترى.

وقال ابن بطَّال ومن لم يوجب سجود السَّهو في ذلك استند

ج 4 ص 386

بحديث أبي قتادة الآتي فيما بعد وكان يُسمِعُنا الآية أحيانًا، لكن الظَّاهر أن يكون ذلك قصدًا لا سهوًا، ولمَّا كان صلى الله عليه وسلم قد جهر في بعض صلاة السِّرِّ ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصَّلاة إذا جهر فيها؛ لأنَّه لو اختلف الحكم في ذلك لبيَّنه قال والظَّاهر أنه لا حجَّة للكوفيين فيه من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا نظرٍ، انتهى.

وقال العينيُّ جهره صلى الله عليه وسلم القراءة في حديث أبي قتادة إنَّما كان لبيان جواز الجهر في القراءة السِّرِّية وأنَّ الإسرار ليس بشرط لصحَّة الصَّلاة بل هو سنَّة.

ويحتمل أنَّ الجهر بالآية كان بسبق؛ للاستغراق في التَّدبُّر، وأمَّا قوله إنَّه لا حجَّة للكوفيين فيه ... إلى آخره، ففيه أنَّه روى أنس أنَّه صلى الله عليه وسلم أسرَّ في الظُّهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء.

وأصل الحديث في «سنن الدَّارقطني» عن أنس رضي الله عنه، وروى أبو داود في «مراسيله» عن الحسن في صلاة النَّبي صلى الله علية وسلم خلف جبريل عليه السلام وأنَّه أسرَّ في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وموضع الحاجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه هنا قوله (( ثمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ) )وكأنَّه أشار بإيراده عقيب حديث عبادة أنَّ الفاتحة إنَّما تتحتَّم على من يحسنها، وأنَّ من لا يحسنها يقرأ بما تيسَّر عليه أو أنَّ إطلاق القراءة في حديث أبي هريرة مقيَّدٌ بما في حديث عبادة.

هذا وفيه أنَّ الوجه الأوَّل الذي ذكره لا دَلالة عليه في الحديث بل الحديث إنَّما يدلُّ على وجوب ما تيسَّر من القرآن مطلقًا.

وأمَّا الوجه الثاني فيردُ عليه ما يردُ على ما قاله الخطَّابيُّ حيث قال قوله (( ثمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ) )ظاهره الإطلاق والتَّخيير لكن المراد فيه فاتحة الكتاب لمن أحسنها بدليل حديث قتادة، وهو كقوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة 196] حيث كان أقلَّ ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السُّنَّة وهو الشاة، انتهى.

وفيه أنَّ الخطَّابي أراد أن يتَّخذ لمذهبه دليلًا على حسب اختياره بكلام ينقض أوله آخره حيث اعترف أولًا أنَّ ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتَّخيير وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه إجمال؟

وقوله وهو كقوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة 196] ظاهر الفساد؛ لأنَّ الهدي اسمٌ لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم وفيه إجمالٌ، وأقلُّ ما يجزئ شاة فيكون مرادًا بالسنة، بخلاف قوله (( ما تيسَّر معك

ج 4 ص 387

من القرآن )) فإنَّه ليس كذلك فإنَّه يتناول كلَّ ما يطلق عليه اسم القرآن فيتناول الفاتحة وغيرها وليس فيه إجمالٌ وتخصيصه بالفاتحة ترجيحٌ بلا مرجِّح وهو باطلٌ.

ولا يجوز أن يكون قوله (( لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ) )مخصصًا؛ لأنَّه ينافي معنى التيسر فينقلب إلى التعسُّر وهو باطلٌ. ولا يجوز أيضًا أن يكون مفسِّرًا؛ لأنَّه ليس فيه إبهام، ومن قال أنَّه مجمل كالتَّيميِّ وغيره وحديث عبادة مفسِّر، والمفسِّر قاضٍ على المجمل، فقد أبعدَ؛ لأنَّه لا يصدق عليه حدُّ الإجمال إذ المجمل ما خفي المراد منه لنفس اللَّفظ خفاء لا يدرك إلَّا ببيان المجمل سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام كالمشترك، أو لغرابة اللفظ كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظَّاهر إلى ما هو غير معلومٍ كالصلاة والزكاة والرِّبا، فافهم.

وقال النَّوويُّ قوله (( ما تيسَّر ) )محمولٌ على الفاتحة، فإنها متيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة، أو على من عجز عن الفاتحة.

وتعقِّب بأنَّ قوله (( ما تيسَّر ) )لا إجمال فيه حتى يبيَّن بالفاتحة، والتَّقييد بالفاتحة يُنافي التيسُّر الذي يدلُّ عليه الإطلاق، فلا يصح حمله عليه. وأيضًا فسورة الإخلاص أكثر تيسُّرًا من الفاتحة، وهي أقصرُ من الفاتحة فما معنى انحصار التَّيسر في الفاتحة.

وأمَّا الحمل على ما زاد على الفاتحة فمبنيٌّ على تسليم تعيُّن الفاتحة وهو محلُّ النزاع. ومع هذا إذا كان مأمورًا بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك الزيادة أيضًا فرضًا مثل قراءة الفاتحة ولم يقل به الشَّافعي.

وأمَّا حمله على من عجز عن الفاتحة، فحملٌ غير صحيحٍ؛ لأنَّه ليس في الحديث شيءٌ يدلُّ عليه. وفي حديث رفاعة بن رافع أخرجه أبو داود (( إذا قمت فتوجَّهت، فكبِّر، ثمَّ اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن فاحمد الله وكبِّره وهلِّله ) ).

فكيف يحمل قوله (( اقرأ ما تيسَّر ) )على من عجزَ عن الفاتحة وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم حكم العاجز عن القراءة مستقلًا برأسه، فليتأمل.

ثمَّ من فوائد الحديث أنَّ في قوله (( فردَّ ) )وجوب ردِّ السلام على المسلم، وفيه ردٌّ على ابن المُنيِّر حيث قال فيه أنَّ الموعظة في وقت الحاجة أهمُّ من ردِّ السَّلام، ولعله لم يردَّ عليه تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التَّأديب بالهجرة وترك ردِّ السلام، انتهى.

والحامل له على ذلك عدم وقوفه على لفظة (( فردَّ ) )؛ لأنَّ هذه اللَّفظة موجودة في «الصحيحين» في هذا الموضع، أو كأنَّه اعتمد على النُّسخة التي اعتمد عليها صاحب «العمدة» فإنَّه ساق هذا الحديث بلفظ هذا الباب، وليس فيه لفظ (( فردَّ ) ).

ومنها ما قاله القاضي عياض من أنَّ قوله (( ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ ) )أنَّ أفعال الجاهل

ج 4 ص 388

في العبادة على غير علمٍ لا تجزئ.

وقال العينيُّ هذا الذي قاله إنَّما يمشي إذا كان المراد بالنفي نفي الإِجزاء وليس كذلك، بل المراد به نفي الكمال لأنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال في آخر الحديث في رواية القعنبي عن سعيدٍ المقبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا فعلت ذلك فقد تمَّت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنَّما انتقصتَ من صلاتك ) )، وقد سمَّى صلَّى الله عليهِ وسلَّم صلاته صلاةً، فدلَّ على أنَّ المراد من النَّفي هو نفي الكمال.

وقال بعضهم ومن حمله على نفي الكمال تمسَّك بأنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم لم يأمره بعد التَّعليم بالإعادة فدلَّ على إجزائها وإلَّا لزم تأخير البيان، ثمَّ قال وفيه نظرٌ لأنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم قد أمره في المرَّة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلَّمه، فكأنَّه قال أعدْ صلاتك، انتهى.

وفيه أنَّه إنَّما أمره بالإعادة على هذه الكيفيَّة الكاملة، ولا يستلزم ذلك نفي ذات الصَّلاة، فالنفي راجعٌ إلى الصِّفة لا إلى الذَّات، والدَّليل عليه أنَّ صلاته لو كانت فاسدةً لكان الاشتغال بذلك عبثًا، والنَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم لا يقرُّ واحدًا على الاشتغال بالعبث.

وهذا هو الَّذي ذكره المتأخرون من أصحابنا نصرةً لأبي حنيفة ومحمد رحمها الله في ذهابهما إلى أنَّ الطُّمأنينة في الركوع والسجود واجبةٌ وليست بفرضٍ حتَّى قال في «الخلاصة» إنَّها سنَّةٌ عندهما، وقالوا إنَّ الركوع هو الانحناء والسُّجود هو الانخفاض لغة، فيتعلَّق الركنية بالأدنى منهما.

وقالوا أيضًا قوله تعالى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} أمرٌ بالرُّكوع والسُّجود وهما لفظان خاصَّان يراد بهما الانحناء والانخفاض فيتأدَّى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك، وافتراض الطُّمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادةٌ على مطلق النَّصِّ وهو نسخٌ وذا لا يجوز.

وأمَّا الطحاويُّ الذي هو العُمدة في بيان اختلاف العلماء في الفقه لم ينصب الخلاف بين أصحابنا الثَّلاثة على هذا الوجه، فإنَّه قال في «شرح معاني الآثار» باب مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه.

ثمَّ روى حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم أنَّه قال (( إذا قال أحدُكم في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فقد تمَّ ركوعه وذلك أدناه، وإذا قال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فقد تمَّ سجوده وذلك أدناه ) ). وأخرجه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه ثمَّ قال فذهب قومٌ إلى هذا وأراد به إسحاق وداود وأحمد في رواية مشهورة وسائر الظَّاهرية فإنَّهم قالوا

ج 4 ص 389

مقدار الركوع والسجود لا يجزئ أقلَّ منه هو المقدار الذي يقول فيه سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى كلُّ واحد ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ قال وخالفهم في ذلك آخرون، وأراد بهم الثوريُّ والأوزاعيُّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية، فإنَّهم قالوا مقدار الركوع أن يركعَ حتَّى يستوي راكعًا، ومقدار السُّجود أن يسجدَ حتى يطمئنَّ ساجدًا، وهذا المقدار الذي لا بدَّ منه ولا تتمُّ الصَّلاة إلَّا به.

ثمَّ روى حديث رفاعة بن رافع في احتجاجهم فيما ذهبوا إليه، ثمَّ في آخر الباب قال وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ولم ينصب الخلاف بينهم مثل ما نصبه صاحب «الهداية» و «المبسوط» و «المحيط» وغيرهم

~إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا

ومنها أن قوله (( فكبِّر ) )يدلُّ على أنَّ الشروع في الصَّلاة لا يكون إلَّا بالتكبير وهو فرضٌ بلا خلاف، ومنها أنَّ قوله (( ثمَّ اقرأ ) )يدلُّ على أنَّ القراءة فرضٌ في الصلاة، ومنها أنَّ قوله (( ما تيسَّر ) )يدلُّ على أنَّ الفرض مطلق القراءة فهو حجَّةٌ لأصحابنا على عدم فرضيَّة قراءة الفاتحة إذ لو كانت فرضًا لأمر به صلَّى الله عليهِ وسلَّم؛ لأنَّ المقام مقام التَّعليم، وقد مرَّ ما يتعلَّق به من الأبحاث.

ومنها أنَّ في قوله (( حتَّى تطمئنَّ ) )في الموضعين دَلالةٌ على وجوب الطُّمأنينة في الرُّكوع والسُّجود، ومنها ما قاله الخطَّابيُّ أنَّ في قوله (( وافعل ذلك في صلاتك كلها ) )دليلًا على أنَّه يقرأ في كلِّ ركعةٍ كما كان عليه أن يركع ويسجد في كلِّ ركعة.

وقال أصحاب الرَّأي إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأُخْرَيين قرأ، وإن شاء أن يسبِّح سبَّح وإن لم يقرأ فيهما شيئًا أجزأته ورووا فيه عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه قال (( يقرأ في الأوليين ويسبِّح في الأخريين ) )من طريق الحارث عنه، وقد تكلَّم الناس في الحارث قديمًا وطعن فيه الشعبيُّ، ورماه بالكذبِ وتركه أصحاب الصَّحيح، ولو صحَّ ذلك عن عليٍّ لم يكن حجَّةً؛ لأنَّ جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم قد خالفوه في ذلك منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم.

وسنَّة رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم أولى ما اتَّبع فيه، بل قد ثبت عن عليٍّ رضي الله عنه من طريق عبيد الله بن أبي رافع

ج 4 ص 390

أنَّه كان يأمر أن يقرأَ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.

وقال العينيُّ وإن سلَّمنا أنَّ قوله ذلك دلَّ على أن يقرأَ في كلِّ ركعةٍ، فقد دلَّ غيره أنَّ القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين، بدليل ما رُوي عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال شكى أهلُ الكوفة سعدًا الحديث.

وفيه (( وأحذف في الأخريين ) )؛ أي احذف القراءة في الأخريين، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في هذا الباب [خ¦755] وتفسيرهم بقولهم اقصر القراءة ولا تحذفها خلاف الظاهر، وإن طعنوا في الرواية عن عليٍّ من طريق الحارث فقد روى عبد الرَّزاق في «مصنفه» عن معمر عن الزهريِّ عن عُبيد الله بن أبي رافع قال كان علي رضي الله عنه يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأمِّ القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين. وهذا إسنادٌ صحيحٌ.

وهذا ينافي قول الخطَّابي بل قد ثبت عن عليٍّ رضي الله عنه من طريق عبيد الله. .. إلى آخره.

وقوله لأنَّ جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم خالفوه، غير مسلَّم فإنَّه روي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه مثله على ما روى ابن أبي شيبة قال نا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله رضي الله عنهما أنَّهما قالا قرأ في الأوليين وسبَّح في الأخريين.

وكذا رَوَى عن عائشة رضي الله عنها إبراهيم وابن الأسود، وفي «التهذيب» لابن جريرٍ الطبريِّ وقال حمَّاد عن إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان لا يقرأ في الركعتين الأخريين من الظُّهر والعصر شيئًا.

وقال هلال بن سنان صلَّيت إلى جنب عبد الله بن يزيد فسمعته يسبِّح.

وروى منصور عن جرير عن إبراهيم قال ليس في الركعتين الأخريين من المكتوبة قراءة، سبِّحِ اللهَ واذكر الله.

وقال سفيان الثوريُّ اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب أو سبِّح فيهما بقدر الفاتحة أيَّ ذلك فعلتَ أجزأك، وإن سبَّح في الأخريين أحبُّ إليَّ.

فإن قيل لم يبيِّن في هذا الحديث بعض الواجبات كالنيَّة والقعدة الأخيرة وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها، كالتَّشهد في الأخيرة والصَّلاة على النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم وإصابة لفظ السلام.

فالجواب أن يقال لعلَّ هذه الأشياء كانت معلومة

ج 4 ص 391

عند هذا الرَّجل، قيل ويجوز أن يكون الرَّاوي اختصر ذلك، وأمَّا النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم فقد ذكر [ها] كلَّها؛ لأنَّ المقام مقام التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

وما قال ابن دقيق العيد تكرَّر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر، أمَّا الوجوب فلتعلُّق الأمر به، وأمَّا عدمه فليس لمجرَّد كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون المقام مقام التَّعليم والبيان للجاهل، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، انتهى.

ففيه أنَّه إنَّما يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر أنَّ لو لم يذكر النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم جميع الواجبات التي في الصلاة مطلقًا، وأمَّا إذا لم يذكر بعضًا منها اعتمادًا على العلم بوجوبه قبل ذلك أو ذكر واختصر الراوي كما قيل فلا، على أنَّا نقول إذا جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيءٍ لم يذكر في هذا الحديث يقدَّم ويعمل بها.

ومنها وجوب الإعادة على من يخلُّ بشيءٍ من الواجبات للاحتياط في باب العبادات، ومنها أنَّ الشُّروع في النافلة ملزمٌ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ صلاة ذلك الرجل كانت نافلة.

ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها التَّعليم بالرفق دون التَّغليظ والتَّعنيف، ومنها إيضاح المسألة وتخليص المقاصد وتلخيصها.

ومنها جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، ومنها التَّسليم للعالم والانقياد له، ومنها الاعتراف بالتَّقصير والتصريح بحكم البشريَّة في جواز الخطأ.

ومنها حسن خلقه صلَّى الله عليهِ وسلَّم ولطف معاشرته مع أصحابه رضي الله عنهم، ومنها ما قاله القاضي عياض من أنَّ فيه حجَّةٌ على من أجاز القراءة بالفارسيَّة؛ لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمَّى قرآنًا، وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنَّ القرآن اسمٌ للمعنى فقط أو للنظم والمعنى جميعًا، فمن ذهب إلى أنَّه اسمٌ للمعنى فقط احتجَّ بقوله تعالى {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء 196] ولم يكن القرآن في زبر الأوَّلين بلسان العرب.

وقوله لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمَّى قرآنًا فيه نظر لأنَّ التوراة الذي أنزله الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام يُطلق عليه أنَّه قرآن وهو ليس بلسان العرب، وكذلك الإنجيل والزبور؛ لأنَّ القرآن كلام الله تعالى قائمٌ بذاته لا يتجزَّأ ولا ينفصل عنه، غير أنَّه إذا نزل بلسان العرب سمِّي قرآنًا، ولما نزل على موسى سمِّي توراة، ولمَّا نزل على عيسى سمِّي إنجيلًا، ولمَّا نزل على داود

ج 4 ص 392

سمِّي زبورًا، واختلاف العبادات باختلاف الاعتبارات.

ومنها أنَّ المفتي إذا سئل عن شيءٍ وكان هناك شيءٌ آخر يحتاج إليه يستحبُّ له أن يذكره له وأن يسأله عنه، ويكون ذلك منه نصيحةً له وزيادة خير.

ومنها استحباب تأخير الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في فعله إلى أن يفرغ عنه لاحتمال نسيانه فيه وليس ذلك من باب التَّقرير على الخطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت