فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 11127

759 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرحمن (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير

ج 4 ص 393

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ رضي الله عنه. وفي رواية الجوزقيِّ من طريق عُبيد الله بن موسى عن شيبان التَّصريح بالإخبار ليحيى بن عبد الله ولعبد الله عن أبيه، وكذا للنَّسائيِّ من رواية الأوزاعي عن يحيى لكن بلفظ التَّحديث فيهما، وكذا عنده من رواية إبراهيم القَنَّاد، عن يحيى، حدَّثني عبد الله، فأمن بذلك تدليس يحيى، وقد أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه أيضًا.

(قَالَ كَانَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صلَّى الله عليهِ وسلَّم يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) تثنية الأولى (مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) أي في كلِّ ركعةٍ سورة، كما سيأتي صريحًا في الباب الذي بعده (يُطَوِّلُ) من التَّطويل (فِي) قراءة الركعة (الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ) من الإسماع (الآيَةَ أَحْيَانًا) وفي الرِّواية الآتية (( ويُسْمِعُنا ) ) [خ¦762] . وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من رواية سفيان، وللنسائيِّ من حديث البراء (( كنَّا نصلِّي خلف النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذَّاريات ) ).

ولابن خُزيمة من حديث أنس نحوه لكن قال {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1] ، {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية 1] واستدلَّ به على جواز الجهر في السِّرِّيَّة، وأنَّه لا سجود سهوٍ على من فعل ذلك خلافًا لمن قال ذلك من الحنفيَّة وغيرهم، وقد مرَّ الكلام فيه [خ¦755] ، وفيه حجَّةٌ على من زعم أنَّ الإسرار شرط لصحَّة الصَّلاة السِّريَّة.

ثمَّ إنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم كان يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز أو بغير قصدٍ للاستغراق في التَّدبُّر.

وقوله (( أحيانًا ) )جمع حين، يدلُّ على تكرُّر ذلك منه.

وقال ابن دقيق العيد فيه دليلٌ على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التَّوقُّف على اليقين؛ لأنَّ الطَّريق إلى العلم بقراءة السُّورة في السِّرية لا يكون إلَّا بسماع كلِّها، وإنَّما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهريَّة، وكأنَّه مأخوذٌ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا [1] بقراءة السُّورتين وهو بعيدٌ جدًا.

(وَكَانَ) صلَّى الله عليهِ وسلَّم (يَقْرَأُ فِي) صلاة (الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورة (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى) أي ويقصِّر في الثَّانية (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) ويقاس المغرب والعشاء عليها.

ومن فوائد الحديث قراءة الفاتحة في كلِّ ركعةٍ من الأوليين من ذوات الأربع والثَّلاث وجوبًا أو فرضًا، وكذلك ضمُّ السُّورة إلى الفاتحة وجوبًا.

ومنها استحباب قراءة سورةٍ قصيرةٍ بكمالها وأنَّها أفضل من قراءة قدرها من الطَّويلة، قاله النَّوويُّ

ج 4 ص 394

وزاد البغوي ولو قصرت السُّورة عن المقروء، وكأنَّه مأخوذٌ من قوله (( كان يفعل ) )لأنَّه يدلُّ على الدَّوام أو الغالب.

وفي «شروح الهداية» إن قرأ بعض سورة في ركعةٍ وبعضها في الثَّانية الصَّحيح أنَّه لا يكره، وقيل يكره ولا ينبغي أن يقرأ في الرَّكعتين من وسط السُّورة ومن آخرها ولو فعل لا بأس به.

وفي النسائيِّ (( قرأ رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثمَّ أخذته سعلةٌ فركع ) ).

ومنها تطويل الرَّكعة الأولى على الثانية في القراءة في جميع الصَّلوات، وهو قول محمَّدٍ، وبه قال بعض الشافعيَّة وجمعوا بينه وبين حديث سعدٍ الماضي حيث قال (( أمدُّ في الأوليين ) ) [خ¦770] ، بأنَّ المراد تطويلهما على الأُخريين لا التَّسوية بينهما في الطُّول.

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يسوِّي بين الركعتين إلَّا في الفجر خاصَّةً فإنَّه يطوِّل الأولى على الثانية فيها بلا خلاف، وجوابهما عن الحديث أنَّ تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتَّعوُّذ لا في القراءة، ويدلُّ عليه حديث أبي سعيدٍ عند مسلم (( كان يقرأ في الظُّهر في الأوليين في كلِّ ركعةٍ قدر ثلاثين آيةً ) ).

وفي رواية لابن ماجه (( إنَّ الذين حزروا كانوا ثلاثين من الصَّحابة رضي الله عنهم ) )، وادَّعى ابن حبَّان أنَّ الأولى إنما طالت على الثانية في التَّرتيل فيها مع استواء المقروء فيهما.

وقد روى مسلمٌ من حديث حفصة رضي الله عنها (( أنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم كان يرتِّل السُّورة حتى تكون أطول من أطول منها ) ).

ثمَّ الحكمة في تطويل الأولى على الثانية أنَّ النشاط في الأولى يكون أكثر فناسب التخفيف في الثَّانية حذرًا من الملل، قاله الشيخ تقي الدين.

وروى عبد الرزاق عن معمرٍ عن يحيى في آخر هذا الحديث فظننَّا أنَّه يريد بذلك أن يدرك النَّاس الرَّكعة الأولى، ولأبي داود وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد عن سفيان عن معمر.

وروى عبد الرَّزاق عن ابن جريج عن عطاء قال إنِّي لأحبُّ أن يطوِّل الإمام الرَّكعة الأولى من كلِّ صلاةٍ حتَّى يكثر الناس. وقد استدلَّ به بعض الشافعيَّة على جواز تطويل الإمام في الرُّكوع لأجل الدَّاخل.

وقال القرطبيُّ ولا حجَّة فيه لأنَّ الحكمة لا يعلَّل بها لخفائها أو لعدم انضباطها، ولأنَّه لم يكن يدخل في الصَّلاة يريد تقصير تلك الركعة ثمَّ يطيلها لأجل الآتي، وإنَّما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سننها من تطويل الأولى فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق، انتهى.

وقد ذكر البخاريُّ في «جزء القراءة» كلامًا معناه أنَّه لم يَرِد عن أحدٍ من السلف في انتظار الدَّاخل في الركوع شيءٌ، ولم يقع في حديث أبي قتادة هذا هنا ذكر القراءة في الأخريين فتمسَّك به بعض أصحابنا الحنفيَّة على إسقاطها فيهما، والله أعلم.

ج 4 ص 395

تتمة اعلم أنَّ السنة عند الحنفيَّة والشافعيَّة، وكذا عند المالكيَّة أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصَّل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره؛ لأنَّ الصبح وقت لذَّة النَّوم، كما قيل

~وعِندَ الصَّباحِ يطِيْبُ الكَرَى

والظُّهر وقت القيلولة فطُوِّلت ليدرك المتأخر، والعصر وقت إتمام العمل، والعشاء وقت الاستراحة فخُفِّفَت، والمغرب وقت إعياء الناس وحاجتهم إلى العَشاء لاسيما الصُّوَّام فكانت حقيقة بأن كانت أخف، ثمَّ محل سنيَّة الطِّوال والأوساط إذا كان المصلِّي منفردًا أو إمامًا والمأمومون محصورون وقد آثروا التَّطويل فإن كان إمامًا والمأمومون غير محصورين أو محصورين ولكن لم يُؤثِروا التطويل فلا يسنُّ ذلك، هكذا جزم به النَّوويُّ في «شرح المهذب» ، وجزم به أيضًا في «التحقيق» و «شرح مسلم» .

وقالت الحنابلة في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه والله أعلم.

[1] (( من قوله على قراءة باقيها .. إلى قوله بقراءة ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت