772 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المعروف بابن عُلَيَّة (قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، وقد تكلِّم يحيى بن معين في حديثه عن ابن جريج خاصَّةً لكن تابعه عليه عبد الرَّزَّاق ومحمد بن بكر وغُندر عند أحمد وخالد بن الحارث عند النسائيِّ وابن وهب عند ابن خُزيمة ويحيى بن أبي الحجَّاج عند أبي عَوَانة سِتَّتُهم عن ابن جريج، منهم من ذكر الكلام الأخير ومنهم من لم يذكره.
وتابع ابن جريج حبيب المعلِّم عند مسلم وأبي داود، وحبيب بن الشهيد عند مسلم وأحمد، ورقية بن مَصْقلة عند النسائي، وقيس بن سعد وعُمَارة بن ميمون عند أبي داود، وحسين المعلِّم عند أبي نُعيم في «المستخرج» ستَّتهم عن عطاء منهم من طوَّله، ومنهم من اختصرَه.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ) على البناء للمفعول؛ أي يجب أن يقرأ القرآنَ في كلِّ صلاة لكن في بعضها بالجهر، وفي بعضها بالسِّرِّ (فَمَا أَسْمَعَنَا) بفتح العين (رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّم) أي فما جهر به.
(أَسْمَعْنَاكُمْ) بسكون العين؛ أي جهرنا به (وَمَا أَخْفَى عَنَّا) أي وما أسرَّ به (أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ) أي أسررنا به، ويروى قوله (( يقرأ ) )، على البناء للفاعل أيضًا؛ أي يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا قاله الكرمانيُّ، ولم يذكره الحافظ العسقلانيُّ لكن ذكر رواية الأَصيلي بنون مفتوحة في أوله؛ أي نحن نقرأ، وسقط في رواية لفظ (( عنكم ) ).
ثمَّ إنَّه هكذا روي موقوفًا في جميع الرِّوايات إلَّا في رواية أبي أسامة عن حبيب بن الشَّهيد عند مسلم فرواه مرفوعًا بلفظ (( لا صلاة إلَّا بقراءة ) )إلَّا أنَّ الدَّارقطني أنكره على مسلمٍ، وقال إنَّ المحفوظ عن أبي أسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جريج.
وكذا رواه أحمد عن يحيى القطَّان وأبي عبيدة الحدَّاد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا.
وأخرجه أبو عَوَانة من طريق يحيى بن أبي الحجَّاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره وسمعته يقول (( لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ) )وظاهر سياقه أنَّ ضمير سمعته للنَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 413
فيكون مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة.
نعم قوله (( ما أسمعنا ) )، و (( ما أخفى عنَّا ) )، يشعر بأنَّ جميع ما ذكره متلقَّى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيكون للجميع حكم الرفع.
(وَإِنْ لَمْ تَزِدْ) بتاء الخطاب، وزاد مسلم في روايته عن أبي خيثمة وعَمرو النَّاقد عن إسماعيل فقال له رجلٌ إن لم أزد. وكذا زاده يحيى بن محمَّد عن مسدد شيخ البخاريِّ فيه أخرجه البيهقي. وزاد أبو يعلى في أوَّله عن أبي خيثمة بهذا السَّند إذا كنت إمامًا فخفَّف، وإذا كنت وحدَك فطوِّل ما بدا لك، وفي كلِّ صلاة قراءة. الحديث.
(عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ) أي الفاتحة، وسمِّيت بها لاشتمالها على المعاني التي في القرآن أو لأنَّها أول القرآن، كما أنَّ مكة سمِّيت أمَّ القرى؛ لأنَّها أوَّل الأرض وأصلها (أَجْزَأَتْ) أي أجزأت الصلاة من الإجزاء، وهو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد به، وحكى ابن التِّين لغةً أخرى، وهي أَجْزَتْ، بلا ألف؛ أي قضت، وهي رواية القابسيِّ واستشكله، ثمَّ حكى عن الخطَّابي قال يقال جَزَى وأَجْزَى، مثل وَفَى وأَوْفَى، فزال الإشكال (وَإِنْ زِدْتَ) عليها (فَهُوَ) أي الزائد عليها (خَيْرٌ) وفي رواية حبيب المعلِّم فهو أفضل.
وفي الحديث وجوب القراءة في كلِّ الصَّلوات، وفيه ردٌّ على من أنكرَ وجوب القراءة مطلقًا وعلى من أنكرَ وجوبها في الظُّهر والعصر. وفيه الجهرُ فيما يجهرُ، والإخفاء فيما يخفى.
وفي رواية الطَّحاوي في هذا الحديث قال أبو هريرة رضي الله عنه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يؤمُّنا فيجهرُ ويُخافت، وكان جهره في بعض كالمغرب والعشاء والصُّبح والجمعة والعيدين، وفي بعضها كان يسرُّ كالظُّهر والعصر، وفي ثالثة المغرب وأخريي العشاء.
وفي الاستسقاء يجهر عند أبي يوسف ومحمَّد والشَّافعي وأحمد، وفي الخسوف والكسوف لا جهرَ عند أبي حنيفة ومحمَّد، وقال أبو يوسف فيهما يجهر، وقال الشَّافعي في الكسوف يُسرُّ وفي الخسوف يجهر، وأمَّا بقيَّة النَّوافل ففي النَّهار لا جهر فيها، وفي اللَّيل يتخيَّر.
وقال النَّوويُّ وفي نوافل اللَّيل قيل يجهر، وقيل يتخيَّر بين الجهر والإسرار.
وفي الحديث أيضًا ما استدلَّ به الشافعيَّة على استحباب ضمِّ السُّورة إلى الفاتحة، وهو ظاهر الحديث، وعندنا ضمُّ السورة أو ثلاث آيات من أيِّ سورةٍ شاء من واجباتِ الصَّلاة.
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة
منها ما رواهُ أبو سعيد قال صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 414
(( لا صلاةَ إلَّا بفاتحة الكتاب وسورةٍ معها ) )رواه ابن عديٍّ في «الكامل» . وفي لفظ (( أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأَ الفاتحة وما تيسَّر ) )، وفي لفظ (( لا تجزئ صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها ) )، وفي لفظ (( وسورة في فريضة أو غيرها ) ).
ومنها ما رواه التِّرمذيُّ وابن ماجه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مفتاحُ الصَّلاة الطَّهور، وتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأْ بالحمد، وسورة في فريضة أو غيرها ) ).
وروى أبو داود من حديث أبي نضرة عنه قال (( أُمِرنا أن نقرأَ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر ) ). ورواه ابن حبان في «صحيحه» ولفظه (( أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأَ الفاتحة وما تيسَّر ) ). ورواهُ أحمد وأبو يعلى في «مسنديهما» أيضًا. وروى ابنُ عديٍّ من حديث عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تجزئ صلاة لا يقرأُ فيها بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدًا ) ).
وروى أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» من حديث أبي مسعود الأنصاريِّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تجزئ صلاةٌ لا يقرأُ فيها بفاتحةِ الكتاب وشيء معها ) ).
وقد عمل أصحابُنا بكلِّ الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضمِّ سورة أو ثلاث آيات معها؛ لأنَّ هذه الأخبار أخبارُ آحادٍ فلا تثبت بها الفرضيَّة وليس الفرض عندنا إلَّا مطلق القراءة؛ لقوله تعالى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ} فأخبر بقراءة ما تيسَّر من القرآن مطلقًا، وتقييدُه بالفاتحة زيادة على مطلق النَّصِّ، وذا لا يجوز فعَمِلْنا بالكلِّ وأوجبنا قراءة الفاتحة وضمِّ سورةٍ أو ثلاث آياتٍ معها.
وقلنا إنَّ قوله (( لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ) )مثل قوله (( لا صلاةَ لجار المسجدِ إلَّا في المسجد ) ).
وصحَّ أيضًا عن جماعة من الصَّحابة إيجاب ذلك وهو عثمانُ بن أبي العاص رضي الله عنه، وبه قال أيضًا ابن كنانة من المالكيَّة، وحكاه القاضي الفراء الحنبليُّ روايةً عن أحمد. وقيل يستحبُّ في جميع الرَّكعات، وهو ظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي الحديث أنَّ من لم يقرأ بفاتحة الكتاب لم تصحَّ صلاته، انتهى.
وهو مذهبه. وأمَّا عندنا فلا تبطل صلاته فإن تركها عامدًا فقد أساء، وإن تركها ساهيًا فعليه سجدة السَّهو.