773 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة. وزيد في رواية واسم أبي وحشيَّة إياس (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وفي رواية بذكر اسمه رضي الله عنهما.
ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( التفسير ) )أيضًا [خ¦4921] ، وأخرجه مسلم في (( الصَّلاة ) )، والترمذي والنسائي في (( التفسير ) ).
وهذا الحديث مرسلُ صحابيٍّ؛ لأنَّ ابن عباس رضي الله عنهما لم يرفعْه ولا هو مدركٌ لتلك القصَّة.
(قَالَ انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم) قبل الهجرة بثلاث سنين (فِي طَائِفَةٍ) ذكره الجوهريُّ في باب طوف وقال الطَّائفة من الشَّيء قطعةٌ منه، ومنه قوله تعالى {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور 2] .
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما الواحد فما فوقه، وقال مجاهد الطَّائفة الرجل الواحد إلى الألف، وقال عطاء أقلُّها رجلان.
(مِنْ أَصْحَابِهِ) حال كونهم (عَامِدِينَ) أي قاصدين من عَمِدَ يَعْمَد عَمْدًا، من باب ضرب يضرب، وعن الأصمعيِّ لا يقال عمِدْت _ بكسر الميم _ وفي «شرح الفصيح» للزَّاهد وغيره عَمَده قَصَده وعَمَد إليه، وعَمَد له عمودًا، وزعم ابن درستويه
ج 4 ص 416
أنَّه لا يتعدَّى إلَّا بحرف جرٍّ.
(إِلَى سُوقِ) قال ابن السِّكِّيت السوق مؤنَّث، وربَّما ذُكِّرت، والتَّأنيث أغلب؛ لأنهم يصغِّرنها سويقة. وفي «المحكم» والجمعُ أسواق، والسُّوقة لغةٌ فيه، وفي «الجامع» اشتقاقها من سَوْقِ النَّاس إليها بضائعهم.
وقال السَّفاقسيُّ سمِّيت بذلك لقيام النَّاس فيها على سوقهم.
(عُكَاظٍ) بضم المهملة وتخفيف الكاف وفي آخره ظاء معجمة، قال الأزهريُّ هو اسمُ سوقٍ من أسواق العرب، وموسمٌ من مواسم الجاهليَّة كانت العرب تجتمعُ به كلَّ سنةٍ ويحضرها الشُّعراء يتناشدون ما أحدثوا من الشِّعر.
وعن اللَّيث سمِّي عكاظ به؛ لأنَّ العرب كانت تجتمعُ فيها فيَعْكِظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة؛ أي يدعك. وقال غيره عَكَظ الرَّجل دابَّته يَعْكِظها عَكْظًا، إذا حبسها، وتعكَّظ القومُ تعكُّظًا، إذا تحبَّسوا ينظرون في أمرهم، وبه سمِّيت عُكاظ.
وفي «الموعِب» كانوا يجتمعون بها في كلِّ سنةٍ فيقيمون شهرًا. وقال ابنُ حبيب هي صحراء مستوية لا عَلَم فيها ولا جبل إلَّا ما كان من النُّصب الَّتي كانت بها في الجاهليَّة، وقيل هي ماءٌ على نجد قريبةٌ من عرفات، وقيل وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء، وهي من عمل الطَّائف على بريدٍ منها، واتُّخذت سوقًا بعد الفيل بخمس عشرة سنة وتُرِكت عام الحروريَّة.
وقال أبو عبيدة عكاظ في ماءٍ بين نخلة والطَّائف إلى موضع يقال له الفتق، به أموال ونخل لثقيف بينه وبين الطَّائف عشرة أميال.
وكان سوق عُكاظ تقوم صبح هلال ذي القعدة عشرين يومًا.
وسوق مجنَّة كمحبَّة تقوم بعده عشرة أيام، وسوق ذي المجاز تقوم هلال ذي الحجَّة، وزعم الرَّشاطيُّ أنَّها كانت تقام نصف ذي القعدة إلى آخر الشَّهر، فإذا أهلَّ ذو الحجة أتوا ذا المجاز، وهو قريبٌ من عكاظ، فيقوم سوقه إلى يوم التروية، فيسيرون إلى منى.
وفي «القاموس» وذو المجاز سوقٌ كانت لهم على فرسخٍ من عرفة بناحيةِ كَبْكَب، وفي «الصحاح» مجنَّة كمحبَّة، اسمُ موضعٍ على أميالٍ من مكَّة.
(وَقَدْ حِيْلَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الياء، يقال حالَ الشَّيء بيني وبينك؛ أي حجز وأصل مصدره واوي؛ يعني من الحول، وأصل حيل حَول، مثل قيل وقَول، وهو هاهنا مسندٌ إلى مصدره؛ أي وقد وقع الحيلولة.
(بَيْنَ الشَّيَاطِينِ) جمع شيطان. قال الزمخشريُّ وقد جعل سيبويه نون الشَّيطان في موضع من كتابه أصليَّة وفي آخر زائدة، والدَّليل على أصالتها قولهم شَيْطَنَ، إذا بعد، سمِّي به لبعده من الخير والصَّلاح، وإذا جعلت نونه زائدة، فهو من شاطَ، إذا بطلَ، ومن أسمائه الباطل، والشَّياطين العصاةُ من الجنِّ وهم من ولد إبليس، والمراد أعتاهم،
ج 4 ص 417
وهم أعوانُ إبليس ينفذون بين يديه في الإغواء.
وقال الجوهريُّ كلُّ عابثٍ متمرِّدٍ من الجنِّ والإنس والدَّواب شيطان، وقال القاضِي أبو يعلى الشَّياطين مردة الجنِّ وأشرارهم، ولذلك يقال للشرِّير مارد، وقال تعالى {مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} .
وقال أبو عمر بن عبد البرِّ الجنُّ منزلون على مراتب، فإذا ذُكِر الجنُّ خالصًا، يقال جنِّي وإن أريد به مع يسكن مع النَّاس، يقال عامر، والجمع عُمَّار، وإن كان ممَّا يعرض للصبيان، يقال أرواح، فإن خبثَ فهو شيطان فإن زاد على ذلك فهو ماردٌ فإن زاد على ذلك وقويَ فهو عفريتٌ، والجمع عفاريت، انتهى.
وفي الحديث المذكور ذِكْر وجود الجنِّ ووجود الشَّيطان ولكنَّهما نوعٌ واحد غير أنَّهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لها، وهو الكفرُ والإيمان، والكافر منهم سمِّي بالشَّيطان والمؤمن بالجنِّ.
(وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضم الهاء، جمع الشِّهاب، وهو شعلةُ نارٍ ساطعةٌ كأنَّها كوكبٌ منقضٌّ.
واختلف في الشُّهب هل كانت يرمى بها قبل مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فذكر ابنُ إسحاق أنَّ العرب أنكرتْ وجود الشُّهب وأشدُّهم إنكارًا ثقيفٌ، وأنَّهم جاءوا إلى رئيسهم عَمرو بن أميَّة بعد وفاة [1] فسألوه فقال انظروا إن كانت هي الَّتي يُهتدى بها في ظلمات البرِّ والبحر فهو خرابُ الدُّنيا وزوالها، وإن كان غيرها فهو لأمرٍ حدث، وأنَّ الشَّياطين استنكرت ذلك وضربوا في الآفاق لينظروا ما موجبه، وقوله تعالى {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} [الجن 8] تدلُّ على وجود حراسته بما شاء الله تعالى إلَّا أنَّه قليلٌ وإنَّما كَثُر عند إبَّان مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا مُلئت حرسًا شديدًا؛ لأنَّهم عهدوا حرسًا لكنَّه غير شديدٍ.
ولأنَّ جماعة من العلماء منهم ابن عبَّاس رضي الله عنه والزهريِّ قالوا ما زالت الشُّهب مذْ كانت الدُّنيا، يؤيِّده ما في «صحيح مسلم» من قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا رُمِيَ بنجمٍ ما كنتُم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهليَّة، قالوا يموت عظيمٌ أو يولد عظيمٌ ) )الحديث.
وذكر بعضهم أنَّ السَّماء كانت محروسة قبل النبوَّة، ولكن إنَّما كانت تقع الشُّهب عند حدوث أمرٍ عظيمٍ من عذابٍ ينزل أو إرسال رسول إليهم، وعليه
ج 4 ص 418
تأوَّلوا قوله تعالى {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن 10] .
وقيل كانت الشُّهب ثابتةً معلومةً لكن رجم الشَّياطين وإحراقهم لم يكن إلَّا بعد نبوَّة سيدنا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل كيف يتعرَّض الجنُّ لإتلاف نفسها بسببِ سماع خبر بعد أن صارَ ذلك معلومًا لهم.
فالجواب أنَّه قد ينسِيهم الله تعالى ليَنْفُذَ فيهم قضاؤه، كما قيل في الهدهد أنَّه يرى الماء في تخوم الأرض، ولا يرى الفخَّ على ظهر الأرض، حتَّى إنَّ السُّهيلي وغيره زعموا أنَّ الشَّهاب تارةً يصيبهم فيحرقهم وتارةً لا، فإن صحَّ هذا كانوا غير متيقِّنين بالهلاك ولا جازمين به.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت الشَّياطين لا تحجبُ عن السماوات فلمَّا ولد عيسى عليه السلام منعتْ من ثلاث سماوات فلمَّا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعتْ من السَّماوات كلِّها.
وقال ابن الجوزيِّ الذي أميل إليه أنَّ الشُّهب لم تَرمِ إلَّا قبيلَ مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ استمرَّ ذلك وكثر حين بعث، وعن الزُّهريِّ كانت الشُّهب قليلةً فغلظ أمرها وكثُرت حين البعثة.
وقال أبو الفرج فإن قيل أيزولُ الكوكب إذا رجم به، قلنا قد يحرِّك الإنسان يده أو حاجبه فيضاف تلك الحركة إلى جميعه وربَّما فصل شعاعٌ من الكوكب فأحرقَ، ويجوز أن يكون ذلك الكوكب يَفنى ويتلاشى.
(فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا) ويروى (حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) أي فيهما، والمعنى سيروا في الأرض كلِّها، فلانٌ ضرب في الأرض إذا سار فيها، وقال تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} أي سرتم (فَانْظُرُوا) ويروى بالواو (مَا هَذَا الَّذِي) بإثبات اسم الإشارة، وفي رواية بحذفه (حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ) الشَّياطين وكانوا من جنِّ نصيبين، كما يدلُّ عليه قوله (الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ) وفي رواية (تِهَامَةَ) بكسر التاء، اسم مكَّة وطرف من جهة الحجاز مدارج العرج، وأوَّلها من قبل نجد مدارج عرق، فإذا نسب إليها، يقال تَهامي _ بفتح التاء _ قال أبو حاتم وعن سيبويه بكسرها، وفي «أمالي الهجري» آخر تهامة الحرمُ الشاميُّ.
ج 4 ص 419
وفي كتاب الرَّشاطي ما ساير البحر من نجدٍ، ونجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب والصَّحيح أنَّ مكَّة من تهامة، وقال المدائني جزيرة العرب خمسة أقسام تهامةَ ونجدٍ وحجاز وعروق ويمن.
أمَّا التِّهامة فهي النَّاحية الجنوبية من الحجاز، وأمَّا نجد فهي النَّاحية التي من الحجاز إلى العراق، وأمَّا الحجاز فهو من اليمن حتَّى يتصل بالشَّام وفيه المدينة وعمان، وأمَّا العروق فهي اليمامة إلى البحرين، قال وإنَّما سمِّي الحجاز حجازًا؛ لأنَّه يحجز بين نجدٍ وتهامة، ومن المدينة إلى طريق مكَّة إلى أن يبلغَ مهبطَ العرج حجازٌ أيضًا.
وما وراء ذلك إلى مكَّة وجدَّة فهو تهامة. وقال الواقديُّ الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يشارفَ أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة، وغمرة والطائف نجد، وما كان من وراء دجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجازٌ.
وقال قطرب تهامة من قولهم تَهِم البعيرُ تَهَمًا، دخله حرٌّ، وتَهِم البعيرُ إذا استنكرَ المرعى ولم يستمرَّ به، ولحم تهم؛ أي خنز، ويقال تهامة وتهومة.
(إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ بِنَخْلَةَ) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة غير منصرفٍ للعلمية والتأنيث موضع معروفٌ ثمَّة، وبطنُ نخلة موضعٌ بين مكَّة والطائف، وقال البكريُّ نخلة على لفظ الواحدة من النَّخل موضعٌ على ليلة من مكَّة (عَامِدِينَ) جمع باعتبار أنَّ أصحابه معه صلى الله عليه وسلم، كما يقال جاء السُّلطان والمراد هو وأتباعه أو جمع تعظيمًا له (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهْوَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ) أنصتوا وأصغوا إليه، والفرق بين السَّماع والاستماع أنَّ باب الافتعال لا بدَّ فيه من التَّصرُّف، فالاستماع فيه تصرُّفٌ بالقصد والإصغاء إليه والسَّماع أعمُّ منه (فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ) ظرف مكان، والعامل فيه قالوا في قوله (حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، قَالُوا) ويروى بالواو، ويروى بالفاء، وحينئذٍ العامل في (( هنالك ) )رجعوا مقدرًا يفسِّره المذكور (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) بديعًا مباينًا لسائر الكتب من حسن نظمه وصحَّة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز،
ج 4 ص 420
وانتصاب (( عجبًا ) )على أنَّه مصدر، وُضِعَ موضع العجيب، وفيه مبالغةٌ، وموضع التَّعجُّب منه خروجه عن حدِّ أشباهه ونظائره (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي يدعو إلى الصَّواب، وقيل يهدي إلى التَّوحيد والإيمان (فَآمَنَّا بِهِ) أي بالقرآن (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) يعني لمَّا كان الإيمان بالقرآن إيمانًا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا {وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} أي ولن نعود إلى ما كنَّا عليه من الإشراك به في طاعة الشَّيطان، ويجوز أن يكون الضمير في به لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ قوله {بربِّنا} يفسِّره (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) تعالى (عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) أي قل يا محمَّد؛ أي خبِّر قومك ما ليس لهم به علم، وزاد الأَصيلي {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} .
وقال ابن إسحاق لما أيسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر ثقيفٍ، وكان ذهب إليهم ليستنصرهم بعد موتِ أبي طالبٍ انصرف عن الطَّائف راجعًا إلى مكَّة حتَّى كان بنخلةٍ قام من جوف اللَّيل يصلِّي فمرَّ به النَّفر من الجنِّ الذين ذكر الله تعالى وهم فيما ذكر لي سمعة نفر من أهل نصيبين فاستمعوا له فلمَّا فرغ من صلاته ولَّوا إلى قومهم مُنْذرين قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا فقصَّ الله خَبَرهم عليه، فقال تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ} إلى قوله {أَلِيمٍ} [الأحقاف 29 - 31] ثمَّ قال تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن 1] إلى آخر القصَّة من خبرهم.
وإلى هذا المعنى أشار البخاريُّ بقوله (وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ) الذي قصَّه ثمَّ إنَّهم قد اختلفوا في هؤلاء النَّفر من الجنِّ، فقال الزَّجاج كانوا من أهل نصيبين، وقيل إنَّهم كانوا من اليمن، وقيل إنَّهم كانوا يهودًا، وقيل مشركين، وذكر ابن دُرَيد أنَّ أسماءهم شاصِر وماضِر والأَحْقَب ومُنَشَّى وناشِي ولم يزد شيئًا، وفي «تفسير الضحاك» كانوا تسعةً من أهل نصيبين قريةٌ باليمن غير التي بالعراق.
وفي رواية عاصم أنَّهم كانوا سبعة ثلاثةٌ من أهل حرَّان، وأربعةٌ من نصيبين، ذكره القرطبيُّ في «تفسيره» .
وعند الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه هبطوا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ببطن نخلةٍ، وكانوا تسعة، وقال صحيحُ الإسناد، وعند القرطبيِّ كانوا اثني عشر، وعن عكرمة كانوا اثني عشر ألفًا.
وفي «تفسير النسفي» وقيل كانوا من بني الشِّيْصبان وهم أكثر الجنِّ عددًا، وهم عامَّة جنود إبليس.
ثمَّ إنَّ صرف الجنِّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة بثلاث سنين وقبل الإسراء.
ذكر الواقديُّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطَّائف لثلاث بقين من شوَّال وأقام خمسًا وعشرين ليلةً وقدم مكَّة لثلاث وعشرين خلت من ذي القعدة يوم الثلاثاء، وأقام بمكَّة ثلاثة أشهر وقدم عليه جن الحجون في ربيع الأول
ج 4 ص 421
سنة إحدى عشر من النبوَّة.
ثمَّ إنَّ ليلة الجنِّ كانت متعدِّدة وتعدَّدت وفادتهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمكَّة والمدينة.
وقول البيهقيِّ إنَّ ليلة الجنِّ واحدةٌ فيه نظرٌ على ما قالوا، ثمَّ في الحديث وجود الجنِّ، قال إمام الحرمين في كتابه «الشامل» إنَّ كثيرًا من الفلاسفة وجماهير القدريَّة وكافة الزَّنادقة أنكروا الشَّياطين والجنَّ رأسًا.
وقال أبو القاسم الصَّفَّار في «شرح الإرشاد» قد أنكرهم معظم المعتزلة، وقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة على إثباتهم.
وقال أبو بكر الباقلَّاني وكثير من القدريَّة يثبتونَ وجود الجنِّ قديمًا، وينفون وجودهم حالًا، ومنهم من يقرُّ بوجودهم ويزعم أنَّهم لا يُرون لرقَّة أجسامهم ونفوذ الشُّعاع فيهم، ومنهم من قال إنَّهم لا يُرون لأنَّه لا ألوان لهم.
وقال الشيخ أبو العبَّاس ابن تيميَّة لم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في وجود الجنِّ وجمهور طوائف الكفَّار على إثبات الجنِّ وإن وجد فيهم من ينكر ذلك فهم كما يوجد في بعض طوائف المسلمين كالجهميَّة والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمَّتها مقرِّين بذلك، وهذا لأنَّ وجود الجنِّ قد تواترت به أخبار الأنبياء عليهم السلام تواترًا معلومًا بالاضطرار.
وفي كتاب «البيداء» عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما قال خلق الله الجنَّ قبل آدمَ بألفي سنة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان الجنُّ سكَّان الأرض والملائكة سكَّان السماء.
وقال بعضُهم عَمَروا الأرض ألفي سنة، وقيل أربعين سنة، وقال إسحاق بن بشرٍ في «البيداء» عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا خلق الله شوما أبا الجنِّ وهو الذي خُلِقَ من مارجٍ من نار، فقال تبارك وتعالى تمنَّ، فقال أتمنَّى أن نَرى ولا نُرى، وأن نغيب في الثرى، وأن يصير كهلنا شابًّا، وأعطي ذلك فهم يَرون ولا يُرون، وإذا ماتوا غيِّبوا في الثرى، ولا يموت كهلُهم حتى يعود شابًّا مثل الصبيِّ ثمَّ يردُّ إلى أرذل العمر، قال وخلق الله آدم عليه السلام، فقيل له تمنَّ، فتمنَّى الحِيَل فأُعطِي الحِيَل.
وفي «التلويح» وقد اختلف في أصلهم، فعن الحسن أنَّ الجنَّ ولد إبليس ومنهم المؤمن والكافر، والكافر منهم يسمَّى شيطانًا.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هم ولد الجانِّ وليسوا شياطين، منهم الكافر والمؤمن وهم يموتون، والشياطين
ج 4 ص 422
ولد إبليس لا يموتون إلَّا مع إبليس.
واختلفوا في مآل أمرهم على حسب اختلافهم في أصلِهم، فمن قال إنَّهم من ولد الجانِّ، قال يدخلون الجنَّة بإيمانهم، ومن قال إنَّهم من ذريَّة إبليس فعند الحسن يدخلونها.
وعن مجاهدٍ لا يدخلونها وقال ليس لمؤمني الجنِّ غير نجاتهم من النَّار، قال الله تعالى {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف 31] وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، ويقال لهم كالبهائم كونوا ترابًا. وفي رواية عن أبي حنيفة أنَّه تردَّد فيهم ولم يجزم. وقال آخرون يعاقبون في الإساءة ويجازون في الإحسان كالإنس.
وإليه ذهب مالك والشافعيُّ وابن أبي ليلى؛ لقوله تعالى {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام 132] بعد قوله {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الرحمن 33] الآيات.
ثمَّ في الحديث أيضًا دلالةٌ على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الفجر وعليه بوَّب البخاريُّ رحمه الله.
وفيه أيضًا دلالةٌ على مشروعيَّة الجماعة في الصَّلاة في السفر وأنَّها شرعت من أوَّل النبوة، وفيه أيضًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أُرسِل إلى الإنس والجنِّ ولم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في أنَّ الله تعالى أَرسلَ محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الجنِّ والإنس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( بُعِثت إلى النَّاس عامَّةً ) )في حديث جابر في «الصحيحين» [خ¦335] .
قال الجوهريُّ الناس قد يكون من الإنس ومن الجنِّ، وقد أخبر الله تعالى في القرآن أنَّ الجنَّ استمعوا القرآن وأنَّهم آمنوا به في قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا} إلى قوله {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف 29 - 32] ثمَّ أمره الله تعالى بأن يخبر النَّاس بذلك ليعلِّم الإنس بأحوالها، وأنَّه مبعوثٌ إلى الإنس والجنِّ.
[1] في العمدة (بعدها عمي) ، وهي أوضح وأصح.