فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 11127

774 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن عليَّة (قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

ورواة هذا الحديث ما بين بصري وكوفي ومدني، ومتنه من أفراد البخاريِّ.

(قَالَ قَرَأَ) أي جهر بالقراءة (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا أُمِرَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول؛ أي فيما أمره الله تعالى بجهر القراءة فيه (وَسَكَتَ) أي أسرَّ (فِيمَا أُمِرَ) بإسرار القراءة فيه، وإنَّما صحَّ تفسير قوله (( قرأ ) )بقولنا (( جهر بالقراءة ) )لأنَّ معنى قسيمه وهو قوله (( سكت ) )أسرَّ القراءة لا يقال معنى (( سكت ) )ترك القراءة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يزال إمامًا فلا بدَّ له من القراءة سرًّا أو جهرًا.

وقد تظاهرت

ج 4 ص 423

الأخبار وتواترت الآثار أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يجهر في أوليي العشاء والمغرب وفي الصُّبح، فناسب الحديث الترجمة من حيث إنَّ الفجر داخلٌ في الذي جهر فيه.

وممَّا يؤكد ذلك قول ابن عبَّاس رضي الله عنه في آخر الحديث لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ؛ لأنَّه قد ثبت بالرِّوايات أنَّه صلى الله عليه وسلم قرأ في الصُّبح جهرًا، فهو كان مأمورًا بالجهر، ونحن مأمورون بالأسوة به فيسنُّ لنا الجهر وهو المطلوبُ.

( {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم 64] ) بفتح النون وكسر السين وتشديد الياء، من النسيان؛ أي تاركًا؛ لأن النِّسيان في اللغة التَّرك، قاله أبو عُبيدة. قال الله تعالى {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة 67] وقال تعالى {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة 237] ويمكن أن يكون من النِّسيان خلاف الذِّكر، وهو ممتنعٌ على الله تعالى فيكون من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، والمعنى هاهنا لو شاء الله تعالى أن ينزل بيان أحوال الصَّلاة حتَّى يكون قرآنًا متلوَّ الفعل ولم يتركه عن نسيان، ولكنَّه وكَّل الأمر في ذلك إلى بيان نبيِّه صلى الله عليه وسلم ثمَّ أمرنا بالاقتداء به، وهو معنى قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل 44] .

(وَ {لَقَدْ} ) ويروى ( {كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ} [الأحزاب 21] ) بضم الهمزة وكسرها وقد قرئ بهما؛ أي قدوة، ولم تختلف الأمَّة في أن أفعاله التي لبيان مجمل الكتاب واجبةٌ كما لم يختلفوا في أنَّ أفعاله التي هي نوم وطعام وشراب وشبهها غير واجبة، وإنَّما اختلفوا في أفعاله التي تتَّصل بأمر الشريعة ممَّا ليس ببيان مُجمَل الكتاب، فالذي يُختَار أنَّها واجبةٌ. قيل يمكن أن يكون مراد البخاريِّ بهذا ختم تراجم القراءة في الصَّلوات بالإشارة إلى أنَّ المعتمد في ذلك هو فعلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن يغيِّر شيئًا ممَّا صنعه، هذا والله أعلم.

وقال الإسماعيليُّ إيراد حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما هنا يُغاير ما تقدَّم من إثبات القراءة في الصَّلوات؛ لأنَّ مذهب ابن عبَّاس رضي الله عنهما ترك القراءة في السِّرِّية.

وأُجيب بأنَّ الحديث الذي أورده البخاريُّ ليس فيه دَلالة على التَّرك.

وأمَّا ابن عبَّاس رضي الله عنهما فكان يشكُّ في ذلك تارةً، وينفي القراءة أخرى وربما أثبتها، أمَّا نفيه فرواه أبو داود وغيره من طريق عبد الله بن عُبيد الله بن عبَّاس، عن عمه أنَّهم دخلوا عليه فقالوا له هل كان

ج 4 ص 424

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ في الظُّهر والعصر؟ قال لا، قيل لعلَّه يقرأ في نفسه؟ قال هذه شرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلَّغَ ما أُمِرَ به.

وأمَّا شكُّه فرواه أبو داود أيضًا والطَّبريُّ من رواية حُصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟

وقد أثبت قراءته فيهما خبَّاب وأبو قتادة وغيرهما فروايتهم مقدَّمةٌ على من نفى، فضلًا عمَّن شكَّ، ولعلَّ البخاريَّ أراد بإيراد هذا إقامة الحجة عليه؛ لأنَّه احتجَّ بقوله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] فيقال له قد ثبتَ أنَّه قرأَ فيلزمك أن تقرأ، والله أعلم.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما إثبات ذلك أيضًا رواه أيُّوب عن أبي العالية قال سألتُ ابن عبَّاس أَقرأ في الظُّهر والعصر؟ قال هو أمامك اقرأ منه ما قلَّ أو كثر. أخرجه ابن المنذر والطحاويُّ وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت