فهرس الكتاب

الصفحة 1269 من 11127

793 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد (قَالَ أَخْبَرَنِي) وفي رواية (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو ابن عمر العمريِّ (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان اللَّيثيُّ الجندعيُّ.

قال الدَّارقطني خالف يحيى القطان أصحاب عبيدِ الله كلَّهم في هذا الإسناد فإنَّهم لم يقولوا (( عن أبيه ) )ويحيى حافظ، قال فيشبه أن يكون عُبيد الله حدَّث به على الوجهين.

وقال البزَّار لم يُتَابعْ يحيى عليه

ج 4 ص 478

ورجَّح الترمذيُّ رواية يحيى، وقال الحافظ العسقلانيُّ لكلٍّ من الروايتين وجه، أمَّا رواية يحيى فللزِّيادة من الحافظ. وأمَّا الرِّواية الأخرى فللكثرة؛ ولأنَّ سعيدًا لم يوصف بالتَّدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه.

ومن ثمَّة أخرج الشيخان الطَّريقين فأخرج البخاريُّ طريق يحيى هنا، وفي باب (( وجوب القراءة ) ) [خ¦757] وأخرج في (( الاستئذان ) )طريق عبد الله بن نُمير [خ¦6251] وفي (( الإيمان والنذور ) ) [خ¦6667] طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه.

وأخرج مسلم من رواية الثلاثة، وللحديث طريق أُخرى من غير رواية أبي هريرة رضي الله عنه أخرجها أبو داود من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عَمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن عليِّ بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرقي، عن أبيه، عن عمِّه رفاعة بن رافع. ومنهم من لم يسمِّ رفاعة قال عن عمٍّ له بدريٌّ، ومنهم من لم يقلْ عن أبيه.

ورواها النسائيُّ والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن جدِّه عن رفاعة لكن لم يقل التِّرمذي (( عن أبيه ) ). وفيه اختلافٌ آخر سيُذكر عن قريب، والحاصلُ أنَّ الحديث صحيحٌ لا علَّة فيه كما توهَّم.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي رواية رضي الله عنه حدَّثه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ) النبوي، وفي رواية ؛ أي أنَّه دخل.

(فَدَخَلَ) بالفاء، وفي رواية بالواو (رَجُلٌ) وفي رواية ابن نُمير (( ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في ناحية المسجد ) )وللنسائيِّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة (( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ ونحن حوله ) )وهذا الرَّجل هو خلَّاد بن رافع جدُّ علي بن يحيى راوي الخبر بيَّنه ابن أبي شيبة عن عبَّاد بن العوام عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة أنَّ خلَّادًا دخل المسجد.

وروى أبو موسى في «الذيل» من جهة ابن عُيينة، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن عبد الله بن خلَّاد، عن أبيه، عن جده أنَّه دخل المسجد. انتهى.

وفيه أمران زيادة عبد الله في نسب علي بن يحيى، وجعل الحديث من رواية خلَّاد جد عليٍّ، فأمَّا الأوَّل فوهمٌ من الرَّاوي عن ابن عُيينة، وأمَّا الثاني فمن ابن عُيينة؛ لأنَّ سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك لكن بإسقاط (( عبد الله ) )، والمحفوظ أنَّه من حديث رفاعة.

كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيدٍ القطَّان. وابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر كلاهما عن محمد بن عجلان.

وأمَّا ما وقع عند الترمذيِّ (( إذ جاء

ج 4 ص 479

رجلٌ كالبدويِّ )) فلا يمنع تفسيره بخلَّاد؛ لأنَّ رفاعة شبَّهه بالبدويِّ لكونه أخفَّ الصلاةَ أو لغير ذلك.

(فَصَلَّى) وزاد النسائي من رواية داود (( ركعتين ) )وفيه إشعارٌ بأنَّه صلى نفلًا، والأقرب أنَّها تحيَّة المسجد. وفي الرِّواية المذكورة (( وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يرمقه في صلاته ) ). وزاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة (( ولا ندري ما يعيب منها ) ).

وعند ابن أبي شيبة من رواية أبي خالد (( يرمقه ونحن لا نشعر ) )، وهذا محمولٌ على حالهم في المرة الأولى أو هو مختصرٌ من الذي قبله كأنَّه قال ولا نشعر بما يعيب منها.

(ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي أسامة (( فجاء فسلَّم ) )وهي أولى؛ لأنَّه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخٍ، فافهم.

(فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مسلم، وكذا في رواية ابن نُمير في الاستئذان (( فقال وعليك السلام ) ) [خ¦6251] ، وفي هذا تعقُّب على ابن المُنيِّر حيث قال فيه إنَّ الموعظة في وقت الحاجة أهمُّ من ردِّ السَّلام، ولعلَّه لم يردَّ عليه تأديبًا على جهلهِ فيؤخذُ منه التَّأديب بالهجرة وترك السَّلام، انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ والذي وقفنا عليه من نسخ «الصحيحين» ثبوت الرَّدِّ في هذا الموضع وغيره إلَّا الذي في (( الأيمان والنُّذور ) ) [خ¦6667] .

وقد ساقه صاحب «العمدة» بلفظ الباب إلَّا أنَّه حذف منه (( فردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه السلام ) )فلعلَّ ابن المُنيِّر اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب «العمدة» .

(فقال) له صلى الله عليه وسلم (ارْجِعْ فَصَلِّ) وفي رواية ابن عجلان (( فقال أعدْ صلاتك ) ) (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) قال القاضي عياض فيه أنَّ أفعال الجاهل في العبادة على غير علمٍ لا تُجزئ، وهو مبنيٌّ على أنَّ المراد بالنَّفي نفي الإجزاء وهو الظَّاهر. ومن حمله على نفي الكمال تمسَّك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدلَّ على إجزائها وإلَّا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكيَّة وهو المهلَّب ومن تبعه، وفيه نظرٌ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرَّة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلَّمه، فكأنَّه قال له أعدْ صلاتك، على هذه الكيفيَّة أشار إلى ذلك ابن المُنيِّر، وفيه بحثٌ.

(فَصَلَّى) أي رجع فصلَّى (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم بعد ردِّ السَّلام(ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ

ج 4 ص 480

ثَلاَثًا)أي صلِّى وسلَّم ثلاث مرات، وفي رواية ابن نُمير (( فقال في الثالثة أو في التي بعدها ) )بإسقاط قوله (( ثلاثًا ) )، وفي رواية أبي أسامة (( فقال في الثانية أو الثالثة ) )ويترجَّح الأولى بعدم وقوع الشَّكِّ فيها، ولكونه صلى الله عليه وسلم كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالبًا.

(فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَمَا) بالفاء، وفي رواية بدونها (أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي) وفي رواية يحيى بن عليٍّ فقال الرجل (( فأرني وعلِّمني، فإنَّما أنا بشرٌ أُصيب وأُخطئ، فقال أجل ) ) (قَالَ) وفي رواية بالفاء (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ) تكبيرة الإحرام، وفي رواية ابن نُمير (( إذا قمتَ إلى الصَّلاة فأسبغْ الوضوء، ثمَّ استقبل القبلة فكبر ) ). وفي رواية يحيى بن علي (( فتوضَّأ كما أمرك الله، ثمَّ تشهَّد وأقم ) )، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النَّسائي (( إنها لن تتمَّ صلاة أحدكم حتَّى يسبغ الوضوء، كما أمره الله فيغسلَ وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجلَيه إلى الكعبين، ثمَّ يكبِّر الله ويحمده ويمجِّده ) ). وعند أبي داود (( ويثني عليه ) )بدل (( ويمجِّده ) ).

(ثُمَّ اقْرَأْ مَا) وفي رواية (تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) لم تختلف الرِّوايات في هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأمَّا رفاعة ففي رواية إسحاق المذكورة (( ويقرأ ما تيسَّر من القرآن ممَّا علَّمه الله ) ). وفي رواية يحيى بن علي (( فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ وإلَّا فاحمد الله وكبره ) )، وفي رواية محمد بن عَمرو عند أبي داود (( ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن أو بما شاء الله ) )، ولأحمد وابن حبَّان من هذا الوجه (( ثمَّ اقرأ بما شئت ) ).

وقد ترجم له ابن حبَّان (( البيان بأنَّ فرض المصلِّي قراءة فاتحة الكتاب في كلِّ ركعةٍ ) ).

(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (رَاكِعًا) وفي رواية أحمد (( فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيك على ركبتيْكَ وامددْ ظهركَ ومكِّن لركوعِكَ ) )، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة (( ثمَّ يكبِّر فيركع حتَّى تطمئنَّ مفاصلُه ويَسترخي ) ).

(ثُمَّ ارْفَعْ) رأسك من الركوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) وفي رواية ابن نُمير عند ابن ماجه (( حتَّى تطمئنَّ قائمًا ) )أخرجه عن ابن أبي شيبة، عنه.

ج 4 ص 481

وقد أخرج مسلمٌ إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسقْ لفظه فهو على شرطهِ، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن أبي أسامة، وهو في «مستخرج» أبي نُعيم من طريقه، وكذا أخرجه السرَّاج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاريِّ عن أبي أسامة فثبت ذكر الطُّمأنينة في الاعتدال على شرط الشَّيخين. ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبَّان، وفي لفظ لأحمد (( فأقم صلبك حتَّى ترجع العظام إلى مفاصلها ) ).

وعُرِف بهذا أنَّ قول إمام الحرمين في القلب من إيجابها _ أي الطُّمأنينة في الرُّكوع _ شيءٌ؛ لأنَّها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، دالٌّ على أنَّه لم يقف على هذه الطَّرق الصَّحيحة.

(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة (( ثم يكبر فيسجد حتَّى يمكِّن وجهه أو جبهته حتَّى تطمئنَّ مفاصله وتسترخي ) ) (ثُمَّ ارْفَعْ) رأسك من السُّجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) وفي رواية إسحاق المذكورة (( ثمَّ يكبر فيرفع حتَّى يستوي قاعدًا على مقعدتهِ ويُقيم صلبه ) )، وفي رواية محمد بن عمرو (( فإذا رفعتَ رأسك فاجلسْ على فخذك اليُسرى ) )وفي رواية ابن إسحاق (( فإذا جلستَ في وسط الصَّلاة فاطمَئِنَّ جالسًا، ثمَّ افترش فخذكَ اليُسرى ثمَّ تشهَّد ) ).

(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير للإحرام والقراءة والركوع والسُّجود والجلوس على الكيفية المذكورة (فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) فرضًا ونفلًا، وفي رواية محمد بن عمرو (( ثمَّ اصنعْ ذلك في كلِّ ركعةٍ وسجدة ) )ولم يذكر له بقيَّة الواجبات في الصَّلاة لكونه كان معلومًا عنده، وسيجيء التَّفصيل في ذلك.

وقد وقع في رواية ابنِ نُمير في (( الاستئذان ) )بعد ذكر السجود الثاني (( ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا ) ) [خ¦6251] . وقد قال بعضهم هذا يدلُّ على إيجاب جلسة الاستراحة ولم يقل به أحدٌ، وأشار البخاريُّ إلى أنَّ هذا اللَّفظ وهمٌ فإنَّه عقَّبه بأن قال قال أبو أسامة في الأخير (( حتَّى تستوي قائمًا ) )ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهُّد.

ويقوِّيه رواية ابن إسحاق المذكورة قريبًا وكلام البخاريِّ ظاهرٌ في أنَّ أبا أسامة خالف ابن نُمير لكن رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن أبي أسامة، كما قال ابن نُمير بلفظ (( ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ اقعد حتَّى تطمئنَّ قاعدًا،

ج 4 ص 482

ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ اقعد حتَّى تطمئن قاعدًا، ثمَّ افعل ذلك في كلِّ ركعةٍ )) .

وأخرجه البيهقيُّ من طريقه، وقال كذا قال إسحاق بن راهويه، والصَّحيح رواية عُبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ (( ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تستوي قائمًا ) )ثمَّ ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك.

واستُدلَّ بهذا الحديث على وجوب الطُّمأنينة في أركان الصَّلاة، وبه قال الجمهور واشتهر عن الحنفيَّة أنَّ الطُّمأنينة سنَّةٌ وصرَّح بذلك كثيرٌ من مصنَّفيهم، لكن كلام الطحاويِّ كالصَّريح في الوجوب عندهم فإنَّه ترجم مقدار الركوع والسُّجود. ثمَّ ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قول (( سبحان ربِّي العظيم ثلاثًا في الرُّكوع وذلك أدناه ) )، قال فذهب قومٌ إلى أنَّ هذا مقدار الركوع والسُّجود لا يجزئ أدنى منه، قال وخالفهم آخرون فقالوا إذا استوى راكعًا واطمأنَّ ساجدًا أجزأ، ثمَّ قال وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.

وقال ابنُ دقيق العيد تكرَّر من الفقهاء الاستدلالُ بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر، أمَّا الوجوب فلتعلُّق الأمر به، وأمَّا عدمه فليس لمجرَّد أنَّ الأصل عدم الوجوب بل لكون الموضع موضعَ تعليم وبيانٍ للجائز، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. ويتقوَّى ذلك بكونه صلى الله عليه وسلم ذكر ما تعلَّقت به الإساءة من هذا المصلِّي، وما لم يتعلَّق به، فدلَّ على أنَّه لم يقصر المقصود على ما وقعتْ فيه الإساءة.

قال فكلُّ موضعٍ اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسَّك به في وجوبه وبالعكس لكن يحتاج أوَّلًا إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه والأخذ بالزائد فالزائد، ثمَّ إن عارض الوجوبَ أو عدمَه دليلٌ أقوى منه عُمِل به، وإن جاءت صيغة الأمر في حديثٍ آخر بشيءٍ لم يذكر في هذا الحديث قدِّمت، انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد جمعتُ طرقه القويَّة من رواية أبي هريرة ورفاعة، وقد أمليتُ الزِّيادات التي اشتملت عليها فممَّا لم يُذكَر فيه صريحًا من الواجبات المتَّفق عليها النِّيَّة، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهُّد الأخير، والصَّلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه، والسَّلام في آخر الصَّلاة.

قال النَّوويُّ وهو محمولٌ على أنَّ ذلك كان

ج 4 ص 483

معلومًا عند الرَّجل انتهى.

وهذا يحتاج إلى تكملةٍ وهو ثبوتُ الدَّليل على إيجاب ما ذُكِر كما تقدَّم، وفيه بعد ذلك نظرٌ قال وفيه دليلٌ على أنَّ الإقامة والتَّعوُّذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمنى على اليُسرى وتكبيراتِ الانتقالات وتسبيحاتِ الركوع والسُّجود وهيئة الجلوس ووضع اليد على الفخذ ونحو ذلك ممَّا لم يذكر في الحديث ليس بواجبٍ، انتهى.

وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطُّرق، كما تقدَّم بيانه فيحتاج من لم يقلْ بوجوبه إلى دليلٍ على عدم وجوبه، كما تقدَّم تقريره. واستُدِلَّ به أيضًا على تعيُّن لفظ التَّكبير خلافًا لمن قال يجزئ بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التَّعظيم، وقد تقدَّمت هذه المسألة في أوَّل صفة الصَّلاة [خ¦732 قبل] .

قال ابن دقيق العيد ويتأيَّد ذلك بأنَّ العبادات محلُّ التعبُّدات وإنَّ رُتَبَ هذه الأذكار مختلفةٌ فقد لا يتأتَّى برتبةٍ منها ما يقصد برتبةٍ أُخرى ونظيره الركوع، فإنَّ المقصود به التَّعظيم بالخضوع فلو أبدله بالسُّجود لا يجزئ مع أنَّه غاية الخضوع.

واستدلَّ به أيضًا على أنَّ قراءة الفاتحة لا تتعيَّن، قال ابنُ دقيق العيد ووجهه أنَّه إذا تيسَّر غير الفاتحة فقرأه يكون ممتثلًا فيخرج عن العهدة، قال والَّذين عيُّنوها أجابوا بأنَّ الدَّليل على تعيُّنها تقييدٌ للمطلق في هذا الحديث، وهو متعقَّبٌ لأنَّه ليس بمطلقٍ من كلِّ وجهٍ بل هو مقيَّد بقيد اليسر الذي يقتضي التَّخيير، وإنَّما يكون مطلقًا لو قال اقرأ قرآنًا، ثمَّ قال اقرأْ فاتحة الكتاب.

وقال بعضُهم هو بيانٌ للمُجمل وهو متعقَّبٌ أيضًا؛ لأنَّ المجمل ما لم تتَّضح دَلالته، وقوله (( ما تيسَّر ) )متَّضحٌ؛ لأنَّه ظاهرٌ في التَّخيير، قال وإنَّما يقرب ذلك إن جُعِلت (( ما ) )موصولة وأُريد بها شيءٌ معيَّنٌ وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها فهي المتيسِّرة.

وقيل هو محمولٌ على أنَّه عرف من حال الرَّجل أنَّه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسَّر، وقيل محمولٌ على أنَّه منسوخٌ بالدَّليل على تعيُّن الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما لكنَّه محتملٌ ومع الاحتمال لا يترك الصَّريح، وهو قوله (( لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) ).

وقيل إنَّ قوله (( ما تيسَّر ) )محمولٌ على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة.

ويؤيِّده الرواية التي تقدَّمت لأحمد وابن حبَّان حيث قال فيها (( اقرأْ بأمِّ القرآن، ثمَّ اقرأْ بما شئت ) )، واستدلَّ به أيضًا

ج 4 ص 484

على وجوب الطُّمأنينة في الأركان، واعتذر بعضُ من لم يقل به بأنَّه زيادةٌ على النَّصِّ؛ لأنَّ المأمور به في القرآن مطلق السُّجود فيصدق بغير طُمأنينة، فالطُّمأنينة زيادةٌ، والزِّيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر.

وعورض بأنَّها ليست زيادةً لكن بيان المراد بالسُّجود وأنَّه يخالف السُّجود اللُّغوي؛ لأنَّه مجرَّد وضع الجبهة، فبيَّنت السنَّة أنَّ السُّجود الشرعي ما كان بالطُّمأنينة.

ويؤيِّده أنَّ الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السُّجود وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ومن معه يصلُّون قبل ذلك، ولم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي بغير طمأنينةٍ.

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم وجوب الإعادة على من أخلَّ بشيءٍ من واجبات الصَّلاة. وفيه أيضًا أنَّ الشُّروع في النافلة ملزمٌ لكن يحتمل أن تكون تلك الصَّلاة كانت فريضة فيقف الاستدلال، وفيه أيضًا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وحسن التَّعليم من غير تعنيفٍ، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد، وطلب المتعلِّم من العالم أن يعلِّمه.

وفيه أيضًا تكرار السَّلام وردُّه وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال، وفيه أيضًا أنَّ القيام في الصَّلاة ليس مقصودًا لذاته وإنَّما يقصد للقراءة.

وفيه أيضًا جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، وفيه أيضًا التَّسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتَّقصير، والتَّصريح بحكم البشريَّة في جواز الخطأ.

وفيه أيضًا أنَّ فرائضَ الوضوء مقصورةٌ على ما وردَ به القرآن لا ما زادته السنَّة فيُندب، وفيه أيضًا حُسن خلقه صلى الله عليه وسلم ولُطف معاشرته.

وفيه أيضًا جواز تأخير البيان في المجلس للمصلحة، وقد استشكل تقرير النبيِّ صلى الله عليه وسلم له على صلاته، وهي فاسدةٌ على القول بأنَّه أخلَّ ببعض الواجبات.

وأجاب المازريُّ بأنَّه أرادَ استدراجه بفعل ما جهله مرَّاتٍ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا فيتذكَّره فيفعله من غير تعليمٍ، وليس ذلك من باب التَّقرير على الخطأ، بل من باب تحقُّق الخطأ.

وقال النوويُّ نحوه قال وإنَّما لم يعلِّمه أولًا ليكون أبلغَ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصَّلاة المجزئة، وقال ابن الجوزيِّ يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه ورأى أنَّ الوقت لم يفتْه فأراد إيقاظ الفطنة للمتروك.

وقال ابنُ دقيق العيد ليس التَّقرير بدليل على الجواز مطلقًا بل لا بدَّ من انتفاء الموانع، ولا شكَّ أنَّ في زيادة قبول المتعلم

ج 4 ص 485

لما يُلقى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه وتوجُّه سؤاله مصلحةٌ مانعةٌ من وجوب المبادرة إلى التَّعليم لا سيَّما مع عدم خوف الفوات إمَّا بناءً على ظاهر الحال أو بوحيٍ خاص.

وقال التُّوْرِبشتي إنَّما سكت عن تعليمه أولًا لأنَّه لمَّا رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي وكأنَّه اغترَّ بما عنده من العلم فسكت عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استُبهم عليه، فلمَّا طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه، انتهى.

لكن فيه مناقشةٌ؛ لأنَّه إن تمَّ له في الصلاة الثانية والثالثة لم يتمَّ له في الأولى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بدأه لما جاء أوَّل مرةٍ بقوله (( ارجع فإنَّك لم تصلِّ ) )فالسُّؤال واردٌ على تقريره له على الصلاة الأولى كيف لم ينكر عليه في أثنائها؟ لكنَّ الجواب يصلح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم.

وقال القاضي عياض وفيه حجَّةٌ على من أجاز القراءة بالفارسيَّة لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمَّى قرآنًا، وفيه نظرٌ ظاهر.

وقال النَّوويُّ وفيه وجوب القراءة في الركعات كلِّها وأنَّ المفتي إذا سئل عن شيءٍ وكان هناك شيءٌ آخر يحتاج إليه السائل يستحبُّ له أن يذكره له وإن لم يسأل عنه ويكون من النَّصيحة لا من الكلام فيما لا يعني، وموضع الدَّلالة منه كونه قال (( علِّمني ) )؛ أي الصلاة، فعلَّمه الصلاة ومقدِّماتها والله أعلم.

وأمَّا مطابقة الحديث للترجمة فمن حيث إنَّ أمره صلى الله عليه وسلم له بقوله (( ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ ) )أمر بالإعادة لكونه لم يتمَّ الركوع والسجود، فإن قيل ليس في الحديث بيان ما نقصه الرَّجل من الركوع ولا من السُّجود.

فالجواب أنَّ الركوع والسُّجود من أعظم أركان الصلاة لا تكون صلاةٌ إلَّا بهما، فالظَّاهر أنَّ الرَّجل لم يتمَّ ركوعه ولا سجوده، فلذلك أمره بالإعادة، ويدلُّ عليه رواية رفاعة بن رافع (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالسٌ في المسجد يومًا، قال رفاعة ونحن معه إذ جاءه رجلٌ كالبدويِّ فصلَّى فأخفَّ صلاته ثمَّ انصرف ) )الحديث.

فالظَّاهر أنَّ معظم إخفافه كان في الركوع والسجود بحيث إنَّه لم يتمِّهما.

وقد صرَّح بذلك ابن أبي شيبة في روايته هذا الحديث ولفظه دخل رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفةً لم يتمَّ ركوعها ولا سجودها. الحديث، فبهذا يطابق الحديث الترجمة، والله أعلم.

ج 4 ص 486

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت