794 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر السُّلمي (عَنْ أَبِي الضُّحَى) بضم الضاد المعجمة وفتح الحاء مقصورًا، هو مسلم بن صُبَيْح _ بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية وبالحاء المهملة _ الكوفيُّ العطار التابعيُّ، مات في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز.
(عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيُّ الكوفي (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وواسطي وكوفي، وشيخ المؤلف فيه من أفراده.
وقد أخرج متنه المؤلف في (( المغازي ) ) [خ¦4293] و (( التفسير ) )أيضًا [خ¦4968] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه في (( الصلاة ) ).
(قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ) وفي رواية الأَصيلي (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) امتثالًا لما أمره الله تعالى به في قوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر 3] على أحسن الوجوه وأفضل الحالات في الصَّلاة ونفلها (سُبْحَانَكَ) نصب على المصدر وحذف فعله وهو أسبِّح لازم، وهو عَلَمٌ للتَّسبيح، ومعناه التَّنزيه عن النقائص والعلم لا يضاف إلَّا إذا نكِّر.
(اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَ) سبحت ملتبسًا (بِحَمْدِكَ) أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوَّتي، ففيه الشُّكر لله تعالى على هذه النِّعمة والاعتراف بها، والواو فيه إمَّا للحال أو للعطف؛ أي لعطف الجملة على الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل، والمراد من الحمد لازمه مجازًا وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، كما تقدم الإشارة إليه، أو إلى المفعول ويكون معناه وسبَّحت ملتبسًا بحمدي [1] لك.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) وإنَّما سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم المغفرة مع أنَّه غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر لبيان الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له وإظهار العبوديَّة والشكر وطلب الدَّوام، أو كان ذلك عن ترك الأولى أو التَّقصير في حقِّ عبادته مع أنَّ نفس الدُّعاء عبادةٌ أو لتعليم أمَّته، وأمَّا حكمة إتيانه بهذا في الركوع والسجود في الصَّلاة فهي أنَّ الصَّلاة أفضل من غيرها وفي تلك الحالتين زيادة خشوعٍ وتواضعٍ ليست في غيرهما، وإنَّما نصَّ في التَّرجمة على الدُّعاء دون التَّسبيح مع أنَّ الحديث شاملٌ لهما؛ لأنه قصدَ الإشارة إلى الرَّدِّ على من كره الدُّعاء في الركوع كمالكٍ رحمه الله.
وأمَّا التسبيح فلا خلاف فيه فاهتمَّ هنا بذكر الدعاء لذلك، واحتجَّ المخالف فيه بحديث ابن عباس
ج 4 ص 487
رضي الله عنهما أخرجه مسلم عنه مرفوعًا وفيه (( فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأمَّا السجود فاجتهدوا فيه في الدُّعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم ) )لكنَّه لا مفهوم له فلا يمتنعُ الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التَّعظيم في السجود.
ففي الحديث أنَّ الذكر في الركوع والسجود سنَّة، ولكن اختلفوا فقال الشَّافعي وأحمد وإسحاق وداود يدعو المصلِّي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث في صلاته فرضًا أو نفلًا.
وقال ابنُ قدَامة في «المغني» ويقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فإن زاد دعاء مأثورًا أو ذكرًا مثل الأدعية المأثورة هاهنا فحسنٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله.
وقال البيهقيُّ قال الشافعي يسبِّح، كما أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة، ويقول كما قال في حديث عليٍّ رضي الله عنه، وسنذكر حديثهما عن قريب.
وقال إبراهيم النخعيُّ والحسن البصري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية السنةُ للمصلِّي أن يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرَّاتٍ وذلك أدناه، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرَّاتٍ وذلك أدناه.
وقال الطَّحاويُّ قالوا لا ينبغي له أن يزيدَ في ركوعه على سبحان ربِّي العظيم يردِّدها ما أحبَّ ولا ينبغي له أن ينقصَ في ذلك من ثلاث مرَّات ولا ينبغِي له أن يزيدَ في سجوده على سبحان ربي الأعلى يردِّدها ما أحب ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك من ذلك مرَّاتٍ [2] ، انتهى.
وقوله (( يردِّدها ) )؛ أي يكرِّر كلمة سبحان ربي العظيم، وكلمة سبحان ربِّي الأعلى ما شاء فوق الثَّلاث غير أنَّه إذا كان إمامًا لا يزيد على الثلاث إلَّا مقدار ما لا يحصل المشقَّة على القوم، وهذا كلُّه في الفرائض، وأمَّا في النَّوافل فلا بأس به؛ لأنَّ باب النَّفل أوسع.
وفي «شرح الطحاوي» يسبِّح الإمام ثلاثًا، وقيل أربعًا؛ ليتمكَّن المقتدي من الثلاث، وعند الماورديِّ أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس.
وفي «شروح الهداية» إن زاد على الثَّلاث حتى ينتهي إلى إحدى عشرة فهو أفضل عند الإمام وعندهما إلى سبع، وعن بعض الحنابلة أدنى الكمال أن يسبِّح مثل قيامه، وعند الشافعيِّ عشرة وهو منقولٌ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وروى أبو داود من حديث أنسٍ رضي الله عنه
ج 4 ص 488
قال ما صلَّيت وراء أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاةً به من هذا الفتى _ يعني عمر بن عبد العزيز _ قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحاتٍ.
قال صاحب «التلويح» في سنده مقالٌ. وفي «المصنَّف» نا أبو خالد الأحمر عن أبي عجلان عن عون عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ثلاث تسبيحات في الرُّكوع والسجود.
وقال ابن المبارك عن محمَّد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال بلغني أنَّ عمر رضي الله عنه كان يقول في الرُّكوع والسجود قدر خمس تسبيحاتٍ سبحان الله وبحمده.
نا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي الضُّحى قال كان علي رضي الله عنه يقول في ركوعه سبحان ربِّي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.
ثمَّ اختلفوا في الأذكار في الرُّكوع فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي هي سنَّةٌ فلو تركها لم يأثم وصلاته صحيحةٌ سواء تركها سهوًا أو عمدًا لكن يكره عمدًا.
وقال أحمد وإسحاق هي واجبةٌ، فإن تركها عمدًا بطلتْ صلاته، وإن نسيه لم تبطل. وزاد أحمد ويسجد للسَّهو. وفي رواية عنه أنَّها سنَّةٌ، وقال ابنُ حزم هي فرضٌ، فإن نسيه يسجدُ للسَّهو.
فائدة روى البزَّار في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده _ يعني صلاة اللَّيل _ (( سجدَ وجهي للَّذي خلقَه وصوَّره، فشقَّ سمعَه وبصرَه بحولهِ وقوَّته ) ).
وروى الطحاويُّ من حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه (( سبحانك اللَّهمَّ وبحمدِك أستغفرُك وأتوبُ إليك، فاغفرْ لي فإنَّك أنت التَّوَّاب ) ).
وروى أيضًا عن مُطرِّف عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعهِ وسجوده (( سبُّوحٌ قدُّوس ربُّ الملائكةِ والروح ) ). وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا.
وروى مسلم أيضًا عن عائشة رضي الله عنها رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول وهو راكعٌ أو ساجدٌ (( سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك لا إله إلَّا أنت ) ).
وروى مسلم عن حذيفة صلَّيت مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكره، وفيه ركع فجعلَ يقول (( سبحان ربي العظيم، وفي سجودهِ سبحان ربي الأعلى ) )وزاد ابن ماجه بسندٍ ضعيف (( ثلاثًا ثلاثًا ) ).
وروى مسلم عن عليٍّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته قال وإذا ركع
ج 4 ص 489
قال (( اللَّهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجدَ وجهي للَّذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسنُ الخالقين ) ).
وروى أحمد في «مسنده» عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما بتُّ عند ميمونة رضي الله عنها فرأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه (( سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ) ).
وروى الطحاويُّ من حديث عقبة بن عامر الجهنيِّ قال لمَّا نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (( اجعلوها في ركوعكُم ) )، ولمَّا نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (( اجعلوها في سُجودكم ) ). وأخرجه أبو داود وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» .
وروى الطَّحاوي أيضًا عن حذيفة رضي الله عنه أنَّه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، وكان يقولُ في ركوعه (( سبحان ربِّي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ) )وأخرجه الأربعة مطولًا والدَّارقطني.
وروى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً فقام فقرأ سورة البقرة، الحديث، وفيه يقول في ركوعه (( سبحان ذِي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمة ) ).
[1] من قوله (( كما تقدم .. إلى قوله بحمدي ) )ليس في (خ) .
[2] من قوله (( ولا ينبغي له أن يزيد في سجوده ... إلى قوله ثلاث مرات ) )ليس في (خ) .