68 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد الفريابي [1] ، أبو عبد الله الضبي [2] مولاهم، سكن قيسارية من ساحل الشام أدرك الأعمش وروى عنه وعن
ج 1 ص 466
السفيانين وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل، ومحمد الذهلي ومحمد بن مسلم وغيرهم، وروى عنه البخاري في مواضع كثيرة، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه قال أحمد كان رجلًا صالحًا، وقال النسائي وأبو حاتم ثقة، وقال البخاري كان من أفضل أهل زمانه، مات في ربيع الآخر سنة اثنتي عشر ومائتين، وليس هو محمد بن يوسف البيكندي كما تُوهِّم [3] ؛ لأن البخاري رحمه الله حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد إلا الفريابي وإن كان يروي أيضًا عن البيكندي.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (سُفْيَانُ) أي الثوري فإن الفريابي وإن كان يروي عن السفيانين لكن البخاري حيث يطلق سفيان يروي عنه الفريابي لا يريد به إلا الثوري (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، وقد تقدم في باب «ظلم دون ظلم» [خ¦32] .
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفي، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وهو من أجلِّ أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، وقد مر في باب «خوف المؤمن أن يَحبَط عمله» [خ¦48] (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله رضي الله عنه.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن رواته كوفيون ما خلا الفريابي، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وليس فيه تدليس الأعمش كما تُوهم رواية مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله فذكر الحديث، قال علي بن مسهر قال الأعمش وحدثني عمرو بن مرة، عن شقيق، عن عبد الله مثله فإنه يوهم أن الأعمش دلسه أولًا عن شقيق، ثم سمى الواسطة بينهما وليس كذلك، بل سمعه عن أبي وائل بلا واسطة، وسمعه عنه بواسطة، وأراد بذكر الرواية الثانية وإن كانت نازلة تأكيده، أو لينبه على عنايته بالرواية من حيث إنه سمعه نازلًا فلم يقنع بذلك حتى سمعه عاليًا.
ويدل عليه رواية أحمد «سمعت شقيقًا وهو أبو وائل» ، وكذا صرح الأعمش بالتحديث عند المؤلف في «الدعوات» [خ¦6411] من رواية حفص بن غياث عنه قال حدثني شقيق، وزاد في أوله (( إنهم كانوا ينتظرون عبد الله بن مسعود ليخرج إليهم فيذكِّرهم وأنه لما خرج قال أما إني أخبر بمكانكم ولكنه يمنعني الخروج إليكم. .. ) )فذكر الحديث، وقد أخرج متنه المؤلف في الباب الذي يليه [خ¦70] ، وفي «الدعوات» أيضًا [خ¦6411] ، وأخرجه مسلم في «التوبة» ، والترمذي
ج 1 ص 467
في «الاستئذان» .
(قَالَ) ؛ أي أنه قال، (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا) ؛ بالخاء المعجمة واللام من خال المال، وخال على الشيء خولًا إذا تعهد، ويقال خال المال يخوله خولًا إذا ساسه وأحسن القيام عليه، والخائل المتعاهد للشيء المصلح له، وخوله الله الشيء؛ أي ملكه إياه، وخَوَل الرجل حشمه أو هو بالمهملة؛ أي يطلب أحوالنا التي ينشط فيها للموعظة فيفطنا.
وعن أبي عمرو الشيباني وهو الصواب، وكان الأصمعي يرويه يتخوننا _ بالنون والخاء المعجمة _ يقال تخون الشيء إذا تعهَّده وحفظه؛ أي اجتنب الخيانة فيه كما يقال تحنَّث وتأثم؛ أي اجتنب الحنث والإثم.
وقيل إن أبا عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدث هذا الحديث فقال «يتخولنا» باللام فرده عليه بالنون فلم يرجع؛ لأجل الرواية وكلا اللفظين جائز، والرواية في الصحيح هي الأولى [4] ، وكان الأصمعي يقول ظلمه أبو عمرو وذلك؛ لأنه إذا ثبتت الرواية وصح المعنى بطل الاعتراض، ووجه الجمع بين «كان» والفعل المضارع الذي هو «يتخولنا» أن المراد بهما الاستمرار فاجتماعهما يفيد شمول الأزمنة كما قال الأصوليون، قولهم كان حاتم يكرم الضيف، يفيد تكرار الفعل في الأزمان.
(بِالْمَوْعِظَةِ) يتعلق بقوله «يتخولنا» (فِي الأَيَّامِ) يتعلق به أيضًا (كَرَاهَةَ) وفي لغة «كراهية» بزيادة الياء وهما لغتان فيها؛ أي لأجل كراهة (السَّآمَةِ) مثل الملالة لفظًا ومعنى؛ أي من الموعظة فإن السآمة مستعملة بـ «من» [5] ، قال تعالى {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت 49] والمراد سآمتهم لا سآمته صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه قوله
(عَلَيْنَا) إما متعلق بـ «السآمة» بتضمين معنى المشقة؛ أي كراهة المشقة علينا، أو صفة، أو حال؛ أي كراهة السآمة الطارئة، أو طارئة علينا أو متعلق بمحذوف؛ أي شفقة علينا، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ الصحابة في أوقات معلومة، ولم يكن يستغرق الأوقات بل يتحرى منها ما يكون مظنة للقبول؛ شفقة وخوفًا عليهم من الملل والضجر، وحرصًا على أن يأخذوا منه بنشاط وحرص، وهذا هو شأنه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في وصفه {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة 128] جزاه الله عن المؤمنين ما هو أهله.
قال الحافظ العسقلاني ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد في العمل
ج 1 ص 468
الصالح؛ خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلُّف، وإما يومًا بعد يوم فيكون يوم الترك لأخذ الراحة؛ ليقبل على الثاني بنشاط، وإما يومًا في الأسبوع يوم الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط، واحتمل عمل ابن مسعود رضي الله عنه مع استدلاله أن يكون اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في اليوم الذي عيَّنه، وأن يكون اقتداء بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر، وأخذ بعض العلماء من حديث الباب (كراهة تشبيه غير الرواتب بالرواتب بالمواظبة عليها في وقت معين دائمًا) . انتهى.
[1] في هامش الأصل الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء بعدها ياء وبعد الألف موحدة نسبة إلى فرياب، اسم مدينة من نواحي بلخ ويقال فيرياب مثل كيمياء، وفارياب مثل قاصعاء، وأما فاراب فهي ناحية وراء نهر سيحون. منه.
[2] في هامش الأصل والضبي بفتح الضاد المعجمة نسبة إلى ضبة بن أد بن طابخة، وفي قريش أيضًا ضبة بن الحارث بن فهر، وفي هذيل أيضًا ضبة بن عمرو بن الحارث. منه.
[3] في هامش الأصل والمتوهم هو الكرماني )) .
[4] (( والرواية في الصحيح هي الأولى ) )ليس في (خ) .
[5] أي تتعدى بمن كما في اللامع الصبيح.