فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 11127

797 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وبالضاد المعجمة المخففة، وقد سبق في باب (( النهي عن الاستنجاء باليمين ) ) [خ¦153] (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي (عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، وفي رواية مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى حدثني أبو سلمة، فانتفى تهمة التَّدليس.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ ودَستوائي ويماني ومدني، وشيخ المؤلف فيه من أفراده، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والنسائي في (( الصلاة ) ).

(قَالَ) أي إنَّه قال (لَأُقَرِبنَّ) من التَّقريب مع نون التَّأكيد، وفي رواية مسلم (( لأقربن لكم ) )بزيادة لكم (صَلاَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي لأقربكم إلى صلاته أو لأقرب صلاته إليكم، والمعنى لآتيتكم بما يشبهها وما يقرب منها. وللطَّحاويِّ (( لأرينَّكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وللإسماعيلي (( إنِّي لأقربكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). وفي رواية النسائي (( إنِّي لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وفي نسخة من نسخ أبي داود (( لأقرئن ) )من القراءة فيكون من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكلِّ.

(فَكَانَ) بالفاء التَّفسيرية، وفي رواية بالواو (أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقْنُتُ) بضم النون، والقنوت في الأصل الطَّاعة، ثمَّ سمِّي القيام في الصَّلاة قنوتًا، ثمَّ صار عرفًا مختصًّا بالدَّعوات المشهورة المخصوصة.

(فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَىِ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة، وفي رواية الكُشميهني (مِنْ) ثلاث صلوات (صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَصَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَصَلاَةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ففيه أنَّ القنوت بعد الركوع في الاعتدال، وسيأتي بعد باب من رواية الزهريِّ عن أبي سلمة أنَّ ذلك كان بعد الركوع [خ¦803] ، وقال مالك يقنت قبله دائمًا (فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ) وفي (( تفسير آل عمران ) ) [خ¦4559] [خ¦4560] بيان الاختلاف في مدَّة الدُّعاء لهم والتَّنبيه على

ج 4 ص 495

أحوالِ من سمِّي منهم.

وقد اختصر يحيى سياق هذا الحديث عن أبي سلمة وطوَّله الزهريُّ كما سيأتي بعد باب [خ¦803] ، وسيأتي في (( الدَّعوات ) ) [خ¦6393] بالإسناد الذي ذكره المصنِّف هنا أتمَّ مما ساقه هنا إن شاء الله تعالى.

فإن قيل كيف جاز اللَّعن وفيه تنفير الكفَّار وإبقاؤهم على الكفر.

فالجواب أنَّ هذا كان قبل نزول قوله تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران 128] الآية، وصحَّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم ترك الدُّعاء عليهم.

وقال النوويُّ نقلًا عن الغزاليِّ وغيره لا يجوزُ لعنُ الكفار بأعيانهم حيًّا أو ميتًا إلَّا من علمنا بالنُّصوص أنَّه مات كافرًا كأبي لهب، ويجوز لعن طائفتهم كقوله لعن الله الكفَّار، والله أعلم.

قيل المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت لا وقوعه في الصَّلاة المذكورة فإنَّه موقوفٌ على أبي هريرة، ويوضِّحه ما سيأتي في (( تفسير النساء ) ) [خ¦4598] من رواية شيبان عن يحيى من تخصيصِ المرفوع بصلاة العشاء.

ولأبي داود من رواية الأوزاعيِّ عن يحيى قنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة شهرًا. ونحوه لمسلم، لكن لا ينافي هذا كونه صلى الله عليه وسلم قنت في غير العشاء.

وظاهر سياق حديث الباب أنَّ جميعه مرفوع يدلُّ عليه قوله (( لأُقرِبَنَّ لكم صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في تعقيب المصنِّف له بحديث أنسٍ رضي الله عنه [خ¦798] إشارةً إلى أنَّ القنوت لا يختصُّ بصلاة معيَّنة.

واستُشكل التَّقييد في رواية الأوزاعيِّ بشهرٍ؛ لأنَّ المحفوظ أنَّه كان في قصَّة الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، كما سيأتي في آخر أبواب الوتر [خ¦1002] .

وسيأتي في (( تفسير آل عمران ) ) [خ¦4560] من رواية الزهريِّ عن أبي سلمة في هذا الحديث أنَّ المراد بالمؤمنين من كان مأسورًا بمكة، وبالكافرين كفَّار قريش وأنَّ مدَّته كانت طويلةً، فيحتمل أن يكون التَّقييد بشهرٍ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه يتعلَّق بصفة الدُّعاء المخصوصة وهي قوله (( اشددْ وطأتَك على مضر ) ).

وقد استدلَّ بهذا الحديث من يرى القُنوت في الصَّلوات المذكورة، وعند الظاهريَّة القنوت حسن في جميع الصَّلوات، وعند ابن سيرين وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق القنوتُ في الفجر بعد الركوع، وحكاه ابنُ المنذر عن أبي بكر الصِّدِّيق وعثمان رضي الله عنهما. وكذا عن عليٍّ رضي الله عنه في قول. وعند مالك وابن أبي ليلى وأحمد

ج 4 ص 496

في رواية هو قبل الركوع. وعند أبي حنيفة رحمه الله القنوت في الوتر خاصَّة قبل الركوع، وحكى ابنُ المنذر كذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عبَّاس وأنس رضي الله عنهم.

وكذا عن عمر بن عبد العزيز وعَبيدة السَّلماني وحُميد الطَّويل وعبد الله بن المبارك.

وحكى ابنُ المنذر أيضًا التَّخيير قبل الركوع وبعده عن أنسٍ رضي الله عنه وأيُّوب بن أبي تميمة وأحمد بن حنبل. وقال أبو داود قال أحمد كلُّ ما روى البصريُّون عن عمر في القنوت فهو بعد الركوع، وروى الكوفيُّون قبل الركوع.

وقال النوويُّ وقال أحمد وإسحاق لا يقنت في الفجر إلَّا عند نازلةٍ تنزلُ بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعوَ لجيوش المسلمين.

وقال سفيان الثوري إن قنت في الفجر فحسنٌ، وإن لم يقنت فحسنٌ، واختار أن لا يقنت.

وقال الطحاويُّ حدثنا ابن أبي داود حدثنا المقدَّمي ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه [1] قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو إلى عصية وذَكوانُ ورِعْلٍ، فلمَّا ظهر عليهم ترك القنوت.

وكان ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه لا يقنتُ في صلاته، ثمَّ قال فهذا ابن مسعودٍ يخبر أنَّ قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما كان مِن أجل مَن كان يدعو عليه، وأنَّه قد كان ترك ذلك فصار القنوت منسوخًا فلم يكن هو مِن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت.

وكان ممَّن روى عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا عبد الله بن عمر، ثمَّ أخبر أنَّ الله عزَّ وجلَّ نسخ ذلك حين أنزل على رسوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران 128] فصارَ ذلك عند ابن عمر رضي الله عنهما منسوخًا أيضًا فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يُنكر على من يقنت.

وممَّن روى القنوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فأخبر في حديثه بأنَّ ما كان يقنت به رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء على من كان يدعو عليه. وأنَّ الله عزَّ وجلَّ نسخ ذلك بقوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية.

فإن قيل قد ثبتَ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقنت في الصُّبح بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف تكون الآية ناسخةً لجملةِ القنوت.

فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون نزول هذه

ج 4 ص 497

الآية لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه يعمله، وكان يعملُ على ما علم من فعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقنوته إلى أن مات؛ لأنَّ الحجَّة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، ألا يرى إلى عبد الله بن عمر وعبد الرَّحمن بن أبي بكر لمَّا علما بنزول هذه الآية وعلما كونها ناسخةً لِمَا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله تركا القنوت، والله أعلم.

وقال الكرمانيُّ وقال أصحابُنا القنوت مسنونٌ في الصُّبح دائمًا لما صحَّ عن أنس رضي الله عنه أنَّ أصل القنوت في الصُّبح لم يتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى فارق الدُّنيا، وأمَّا في غيرها ففيه ثلاثة أقوال الصَّحيح منها أنَّه إن نزل نازلةً كعدوٍّ وقحطٍ قنتوا في جميع الفرائض وإلَّا فلا.

والثاني يقنتون في الحالتين، والثَّالث لا يقنتون فيهما.

[1] من قوله (( حدثنا المقدمي ... إلى قوله رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت