798 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو جدُّ أبيه نسبه إليه لشهرتهِ به، واسم أبيه محمد بن حميد البصري الحافظ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن عُليَّة _ بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية _ (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) ابن مهران، وسقط في رواية ابنِ عساكر لفظ (( الحذاء ) ).
(عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، هو عبدُ الله بن زيد بن عمر الجَرْمي (عَنْ) (أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية زيادة أنَّه (قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ فِي) صلاة (الْمَغْرِبِ وَ) صلاة (العِشَاء) يعني في أوَّل الأمر؛ أي في الزَّمن النبويِّ، واحتجَّ بهذا على أنَّ قول الصَّحابيِّ (( كنَّا نفعل كذا ) )له حكم الرَّفع وإن لم يقيِّده بزمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحاكم.
ثمَّ اعلم أنَّ عبارة كلام أنس رضي الله عنه تدلُّ على أنَّ القنوت كان في صلاةِ المغرب والعشاء ثمَّ تُرِك، ويدلُّ عليه ما رواه أبو داود نا الوليد نا حماد بن سلمة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا ثمَّ تركه، انتهى.
وقوله (( ثم تركه ) )يدلُّ على أنَّ القنوت كان في الفرائض ثم نُسخ.
وأمَّا قول الخطَّابي معنى قوله (( ثم تركه ) )أي ترك الدُّعاء على هذه القبائل المذكورة في الحديث أو ترك القنوت في الصَّلوات الأربع ولم يتركه في صلاة الفجر، فقولٌ بلا دليلٍ فإنَّ الضَّمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدلُّ عليه لفظ (( قنتَ ) )وهو عامٌّ يتناول جميع القنوت الذي كان في الصَّلوات، وتخصيص الفجر من بينها بلا دَليل في اللَّفظ يدلُّ عليه باطل.
وقوله أي (( ترك الدُّعاء ) )لا يصحُّ؛
ج 4 ص 498
لأنَّ الدُّعاء لم يذكر في هذا الحديث، ولئن سلَّمنا فالدُّعاء غير القنوت، ولئن سلَّمنا فيكون قد تركَ القنوت والتَّرك بعد العمل نسخ.
فإن قيل قد روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» أخبرنا أبو جعفر الرَّازي، عن الرَّبيع بن أنس، عن أنس بنِ مالك رضي الله عنه قال ما زالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقنتُ في الفجر حتَّى فارق الدنيا.
ومن طريق عبد الرَّزاق رواه الدَّارقطني في «سننه» وإسحاق بن راهويه في «مسنده» .
فالجواب أنَّ هذا حديث لا يصح وأنَّ أبا جعفر الرَّازي اسمه عيسى بنُ ماهان، قال ابن المديني كان يخلِّط، وقال يحيى كان يُخطئ، وقال أحمد ليس بالقويِّ.
وقال أبو زُرعة كان يهمُّ كثيرًا، وقال ابن حبَّان كان ينفردُ بالمناكير عن المشاهير، انتهى.
ورواه الطحاويُّ في «شرح الآثار» وسكتَ عنه إلَّا أنَّه قال وهو معارضٌ بما رويَ عن أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما قنت شهرًا يدعو على أحياءٍ من العرب ثمَّ تركه.
وروى الطَّبراني في «معجمه» نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا شيبان بن فروخ نا غالب بن فرقد الطَّحاوي قال كنتُ عندَ أنس بن مالك شهرين فلم يقنتْ في صلاة الغداة، انتهى، فهذا يدلُّ على أنَّ القنوت كان ثمَّ نسخ إذ لو لم ينسخْ لم يكن أنس تركه.
فإن قيل قال صاحب «التَّنقيح» هذا الحديث أعني حديث عبد الرَّزَّاق المذكور آنفًا أجود أحاديثهم، وذكر جماعةً وثَّقوا أبا جعفر الرَّازي.
فالجواب أنَّه قال هو أيضًا هذا الحديث وإن صحَّ فهو محمولٌ على أنَّه ما زال يقنتُ في النوازل، أو على أنَّه ما زال يطوِّل في الصلاة فإنَّ القنوت لفظ مشتركٌ بين الطَّاعة والقيام والخشوع والسُّكوت وغير ذلك، قال الله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل 120] وقال {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر 9] وقال {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ} [الأحزاب 31] وقال {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي} [آل عمران 43] وقال {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] وقال {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم 26] .
وفي الحديث (( أفضل الصلاة القنوت ) ).