799 - (حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَن نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ) بلفظ الفاعل من الإجمار، وهو صفةٌ لنُعيم ولأبيه أيضًا، وقد مرَّ ذكره في باب (( فضل الوضوء ) ) [خ¦136] (عَنْ عَلِيِّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ) بضم الزاي وفتح الراء، الأنصاري المدني، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وفي رواية ابن خزيمة أنَّ علي بن يحيى حدَّثه
ج 4 ص 499
(عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن خلاد بن رافع، وهو الذي حنَّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(عَن رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة (ابْنِ رَافِعَ) بالراء والفاء، ابن مالك (الزُّرَقيِّ) شهد المشاهد، روي له أربعة وعشرون حديثًا للبخاري منها ثلاثة، مات زمن معاوية رضي الله عنهما.
ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيون، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنَّ نعيمًا أكبر سنًّا من علي بن يحيى وأقدم سماعًا منه، وفيه ثلاثة من التابعين في نسقٍ واحد وهم مَن بين مالك والصحابيِّ، وفيه من وجهٍ رواية الصَّحابيِّ عن الصَّحابي؛ لأنَّ يحيى بن خلاد مذكور في الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد أخرج متنه أبو داود والنسائي أيضًا.
(قَالَ) أي أنه قال (كُنَّا نُصَلِّي يَوْمًَا) أي في يوم من الأيَّام (وَرَاءَ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) وأفاد بشر بن عمر الزَّهْراني في روايته عن رفاعة بن يحيى أنَّ تلك الصلاة كانت المغرب (فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ظاهره أنَّ التَّسميع وقع بعد رفع الرأس من الرُّكوع فيكون من أذكار الاعتدال، وقد تقدَّم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦796] وغيره ما يدلُّ على أنَّه ذكر الانتقال وهو المعروف.
ويمكن الجمع بينهما بأن معنى قوله (( فلما رفع رأسه ) )ابتدأ القول المذكور وأتمَّه بعد أن اعتدل.
(قَالَ رَجُلٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بالفاء، وفي رواية الكُشميهني أي وراء النَّبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بهذا الرجل هو رفاعةُ بن رافع راوي الخبر، قاله ابن بشكُوَال.
واحتجَّ في ذلك بما رواه النسائيُّ وغيره عن قتيبة، عن رفاعة بن يحيى الزُّرقي، عن عمِّ أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه قال صلَّيت خلفَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فعطستُ فقلتُ الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه كما يحبُّ ربنا ويرضى، فلمَّا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال (( من المتكلِّم في الصَّلاة؟ ) )فلم يكلِّمه أحدٌ، ثمَّ قالها الثانية (( من المتكلِّم في الصَّلاة؟ ) )فقال رفاعةُ بن رافع بن عفراء أنا يا رسول الله، قال (( كيف؟ ) )قال قلتُ الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه، كما يحبُّ ربنا ويرضى، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( والذي نفسِي بيده لقد رأيتُ
ج 4 ص 500
بضعة وثلاثين مَلَكًا أيُّهم يصعدُ بها )) انتهى.
ونوزع في تفسيرهِ بهِ لاختلاف سياق السَّبب والقصَّة، وأُجيب بأنَّه لا تعارض بين الحديثين بأن يحمل على أنَّ عطاسه وقع عند رفع رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر نفسه في حديث الباب لقصد إخفاء عمله، أو لأنَّه نسي اسمَه بعضُ الرُّواة وذكر بلفظ الرجل، وأمَّا الزيادة التي في رواية النسائيِّ فلاختصار الرَّاوي إيَّاها فلا يضرُّ ذلك، أو كني عنه لنسيان بعض الرُّواة اسمه، وأمَّا ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمَّن إلَّا زيادة لعلَّ الراوي اختصرها فلا يضرُّ ذلك.
(رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو (حَمْدًا) حمدًا [منصوب] بفعل مضمر دلَّ عليه قوله (( ولك الحمد ) )؛ أي أحمدك أو نحمدك حمدًا (كَثِيرًا طَيِّبًا) خالصًا عن رياء وسمعة (مُبَارَكًا فِيهِ) أي كثير الخير.
وأمَّا قوله في رواية النسائي (( مباركًا عليه ) )فالظاهر أنَّه تأكيد للأول، وقيل الأوَّل بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال الله تعالى {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت 10] فهذا يناسب الأرض؛ لأنَّ المقصود به النماء والزيادة لا البقاء؛ لأنَّه بصدد التَّغيُّر، وقال تعالى {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات 113] فهذا يُناسب الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّ البركة باقيةٌ لهم، ولمَّا كان الحمد يُناسبه المعنيان جمعهما، كذا قرَّره بعض الشرَّاح.
وزاد في رواية رفاعة بن يحيى قوله (( كما يحبُّ ويرضى ) )وفيه من حسن التَّفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
(فَلَمَّا انْصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم من الصلاة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ) بهذه الكلمات (قَالَ) أي رفاعة بن رافع (أَنَا) المتكلِّم بذلك، زاد رفاعة بن يحيى في الصَّلاة (( فلم يتكلم أحدٌ، ثمَّ قالها الثانية فلم يتكلَّم أحدٌ، ثمَّ قالها الثالثة فقال رفاعة بن رافع أنا ) )الحديث.
واستُشكل تأخير رفاعة إجابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى كرَّر سؤاله ثلاثًا مع أنَّ إجابته واجبة عليه، بل وعلى من سمعَ رفاعةَ فإنَّه لم يسأل المتكلِّم وحده.
وأُجيب بأنَّه لمَّا لم يُعين واحدًا بعينه لم تتعيَّن المبادرة بالجواب من المتكلِّم ولا من واحدٍ بعينه فكأنَّهم انتظروا بعضهم ليجيب.
وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقِّه شيء ظنًا منهم أنَّه أخطأ فيما فعل ورجوا أن يقعَ العفو عنه، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرَّفهم أنَّه لم يقل بأسًا.
ويدلُّ على ذلك ما جاء عند ابن قانع من رواية سعيد بن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى، قال رفاعة فوددت أنِّي أُخرِجْتُ من مالي وأنِّي لم أشهد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم تلك الصَّلاة.
وما جاء في رواية أبي داود من حديث عامر بن ربيعة قال (( من القائل الكلمة؟
ج 4 ص 501
فإنَّه لم يقل بأسًا فقال أنا قلتها لم أردْ بها إلَّا خيرًا )) .
وللطبرانيِّ من حديث أبي أيوب رضي الله عنه فسكت الرَّجل ورأى أنَّه قد هجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيءٍ كرهه فقال (( من هو فإنَّه لم يقل إلَّا صوابًا ) )فقال الرَّجل أنا يا رسول الله قلتها أرجو بها الخير.
ويحتملُ أن يكون المصلُّون لم يعرفوه بعينه إمَّا لإقبالهم على صلاتهم، وإمَّا لكونه في آخر الصُّفوف فلا يرد السُّؤال في حقِّهم والعذر عنه هو ما تقدَّم.
ثمَّ الحكمة في سؤاله صلى الله عليه وسلم له عمَّا قال حيث قال كيف قلتَ؟ فذكره هو أن يتعلَّم السَّامعون كلامه فيقولوا مثله.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (رَأَيْتُ بِضْعَةً) بتاء التأنيث، وفي رواية بكسر الباء وفتحها، هو ما بين الثلاث والتسع، تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلًا.
وقال الجوهريُّ إذا جاوزت العشرة ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون، والحديث يردُّ عليه لأنَّه صلى الله عليه وسلم أفصح الفصحاء، وقد تكلَّم به حيث قال بضعة (وَثَلاَثِينَ مَلَكًا) قيل الحكمة في اختصاص العدد المذكور أنَّ البضع من الثَّلاث إلى التِّسع، وعددُ الذِّكْرِ المذكورِ أربعة وثلاثون حرفًا فأنزل الله تعالى بعدد حروفها ملائكةً تعظيمًا لهذه الكلمات.
ويعكِّر على هذا الزِّيادة المتقدِّمة في رواية رفاعة بن يحيى وهي قوله (( مباركًا عليه كما يحبُّ ربنا ويرضى ) )بناء على أنَّ القصَّة واحدة.
ويمكن أن يقالَ المتبادر إليه هو الثَّناء الزَّائد على المعتاد وهو من قوله حمدًا كثيرًا. .. إلى آخره دون قوله (( مباركًا عليه ) )فإنَّها كما تقدَّم للتَّأكيد وعدد ذلك سبعة وثلاثون حرفًا.
وأمَّا ما وقع عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه (( لقد رأيت اثني عشر ملكًا ) ).
وفي حديث أبي أيوب عند الطَّبرانيِّ (( ثلاثة عشر ) )فهو مطابق لعدد الكلمات المذكورة في سياق رفاعة بن يحيى ولعددها أيضًا في سياق حديث الباب لكن على اصطلاح النُّحاة، والله أعلم.
(يَبْتَدِرُونَهَا) أي يسارعون إلى الكلمات المذكورة يقال ابتدروا السِّلاح؛ أي سارعوا إلى أخذه (أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا) وفي رواية النسائي (( أيهم يصعد بها ) )، وفي رواية الطَّبراني من حديث أبي أيوب (( أيُّهم يرفعها ) )وأيُّهم بالرفع على أنَّه مبتدأ وخبره يكتبها، قاله الطِّيبي وغيره تبعًا لأبي البقاء في إعراب قوله تعالى {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران 44] قال وهو في موضع نصب
ج 4 ص 502
والعامل فيه ما دلَّ عليه (( يلقون ) )؛ أي يلقونها ليعلموا أيُّهم يكفل مريم لا (( يلقون ) )؛ لأنَّ التعليق بالاستفهام من خصائص أفعال القلوب وليس (( يلقون ) )منها.
والتقدير هاهنا تقول فيهم أيُّهم يكتبها، أو التَّقدير يبتدرونها ليعلموا أو ينظروا أيُّهم يكتبها، ولا يصحُّ تعلقه بقوله (( يبتدرونها ) )لأنَّه ليس من الأفعال التي تعلق بالاستفهام.
فإن قيل النَّظر أيضًا كذلك فكيف ساغَ تقديره؟
فالجواب أنَّ في كلام ابنِ الحاجب وغيره من المحقِّقين ما يقتضي أنَّ التَّعليق لا يختصُّ بأفعال القلوب المتعدِّية إلى اثنين، بل يعمُّ كلَّ فعلٍ قلبي وإن تعدَّى إلى مفعولٍ واحد كـ (( عرف ) )، والنَّظر هاهنا يحملُ على نظر البصيرة فيصحُّ تعليقه، وجوِّز نصب (( أيُّهم ) )بتقدير ينظرون.
وعند سيبويه أي موصولة والتَّقدير يبتدرون الذي هو يكتبها، وأنكر جماعةٌ من البصريين ذلك.
(أَوَّلُ [1] ) روي مبنيًا على الضم على نيَّة الإضافة؛ أي أوَّلهم؛ يعني كل واحد منهم يَشْرِعُ ليكتبَ هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعِظَم قِدرها.
ويروى بالفتح على أنَّه حال وهو غير منصرفٍ، ولا تعارض بين رواية (( يكتبها ) )وبين رواية (( يصعدُ بها ) )؛ لأنَّه يُحمَل على أنَّهم يكتبونها ثمَّ يصعدون بها.
ثمَّ الظاهر أنَّ هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ويؤيِّده ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ لله ملائكة يطوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذِّكر ) )الحديث.
وقد يستدلُّ بهذا على أنَّ بعض الطَّاعات قد يكتبها غير الحفظة.
وفي الحديث ثواب التَّحميد والذِّكر. وفيه جواز إحداث ذكر في الصَّلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور، كذا قيل فافهم، وفيه أيضًا جواز رفع الصَّوت بالذِّكر ما لم يشوِّش على من معه.
وفيه دليلٌ على أنَّ العاطس في الصَّلاة يحمد الله بغير كراهة؛ لأنَّه لم يتعارف جوابًا، ولكن لو قال له آخر يرحمك الله، وهو في الصلاة فسدت صلاته إذ هو من كلامهم، ولهذا كان الملتبس بالصَّلاة لا يتعيَّن عليه تشميت، وبعضهم خصَّ الحديث بالتَّطوع وهو غير صحيحٍ لما تقدَّم أنَّه كان صلاة المغرب.
وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّ العاطس يحمدُ الله في نفسه ولا يحرِّك لسانه، ولو حرَّك تفسد صلاته، كذا في «المحيط» والصحيح خلاف هذا.
وفيه أيضًا دليلٌ على تطويل الاعتدال بالذِّكر كما سيأتي في الباب الذي يأتي [خ¦800] ، واستنبط منه ابن بطَّال جواز رفع الصَّوت بالتَّبليغ خلف الإمام.
وتعقَّبه الزين ابن المُنيّر بأنَّ سماعه صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 503
لصوت الرَّجل لا يستلزمُ رفعه لصوته كرفع صوت المبلِّغ، وفي هذا التعقُّب نظرٌ؛ لأنَّ غرض ابن بطَّال إثبات جواز الرَّفع في الجملة.
وقد سبقه إليه ابن عبد البرِّ، واستدلَّ له بإجماعهم على أنَّ الكلام الأجنبيَّ يبطلُ عمل الصلاة ولو كان سرًّا قال فكذلك الكلام المشروع في الصلاة لا يبطلها ولو كان جهرًا.
وقد تقدَّم الكلام على مسألة التَّبليغ في باب (( من أسمع الناس تكبير الإمام ) ) [خ¦712] .
[1] في هامش الأصل وقال الجوهري أصل أوَّل أَوْءَل على وزن أفعل مهموز العين فقلبت الهمزة واوًا أدغمت الواو في الواو، وقيل أصله وَوَّل على وزن فوعل فقلبت الواو الأولى همزة فإذا جعلته صفة لم تصرفه تقول لقيته عام أول وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول رأيته عامًا أولًا. منه.