803 -804 - (حَدَّثَنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ حَدَّثَنا) وفي رواية (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحارثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (كَانَ يُكَبِّرُ) وزاد النسائيُّ من طريق يونس عن الزُّهري (( حين استخلفه مروان على المدينة ) ) (فِي كُلِّ صَلاَةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا، فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ) تكبيرة الإحرام (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) أي حين يشرعُ في الانتقال إلى الركوع؛ أي ويسبِّح في الركوع.
(ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) حين يشرع في الرَّفع من الركوع (ثُمَّ يَقُولُ) في حال الاعتدال (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو (قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ) إنَّما قال هنا (( الله أكبر ) )؛ لأنَّ سياق الكلام على ما يدلُّ عليه
ج 4 ص 509
عَقْدُ الباب على هذا التَّكبير، فأراد أن يصرِّح بما هو المقصود نصًّا على لفظه.
(حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا) أي يبتدئ من حين الشروع في الهوي بعد الاعتدال حتَّى يضع جبهته على الأرض ثمَّ يشرع في تسبيح السجود (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) حتَّى يجلس ثمَّ يشرع في دعاء الجلوس إن شاء.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) الثانية (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) الثَّاني (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي) الرَّكعتين (الاِثْنَتَيْنِ) يشرع فيه من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهُّد الأوَّل خلافًا لمالك حيث قال إنَّه لا يكبِّر حتَّى يستوي قائمًا، وسيأتي في باب مفرد بعد بضعة عشر بابًا [خ¦825] .
(وَيَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير وغيره (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ) من الصَّلاة (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم إِنْ كَانَتْ) كلمة (( إِنْ ) )هذه مخففة من الثَّقيلة وأصلها أنَّه؛ أي الشأن (هَذِهِ) اسم (( كانت ) )إشارة إلى الصَّلاة التي صلَّاها أبو هريرة رضي الله عنه (لَصَلاَتَهُ) خبر (( كانت ) )، واللام فيه مفتوحة للتَّأكيد؛ أي لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (حَتَّى) أي إلى أن (فَارَقَ الدُّنْيَا) قال أبو داود في «سننه» بعد أن روى هذا الحديث هذا الكلام الأخير يرويه مالكٌ وغيره عن الزهريِّ عن عليِّ بن حسين؛ يعني يجعله مرسلًا.
قال الحافظ العسقلانيُّ وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عُيينة عن الزهريِّ، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون الزُّهري رواه أيضًا عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم في التكبير إذا قام من السُّجود من طريق عقيل عن الزُّهريِّ في أنَّه صريحٌ في أنَّ الصِّفة المذكورة مرفوعة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ عليُّ بن الحسين هذا هو عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهم القرشيُّ الهاشميُّ أبو الحسين أو أبو الحسن المدنيُّ وهو زين العابدين. قال أحمدُ بن عبد الله هو تابعيٌّ ثقة، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين.
روى له الجماعة.
(قَالَا) يعني أبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا سلمة بن عبد الرحمن المذكورين، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور إليهما (وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه(وكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
ج 4 ص 510
حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ)من الركوع (يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه) وفي الاعتدال (رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ) بالواو، فيجمع بينهما (يَدْعُو) خبر آخر لكان أو عطف على (( يقول ) )بدون عاطف اختصارًا، وهو جائزٌ معروفٌ في اللغة، كما في قوله (( التحيَّات المباركاتُ الصَّلوات الطَّيِّبات ) )، والتَّقدير والمباركات والصَّلوات والطيِّبات، كذا قال الكرمانيُّ.
والأوجه أن يكون حالًا من الضَّمير الذي في (( يقول ) )فيكون من الأحوالِ المقدَّرة، وفي رواية (( ثم يدعو ) ).
(لِرِجَالٍ) من المسلمين، واللام متعلِّقة بيدعو (فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَيَقُولُ) صلى الله عليه وسلم والفاء فيه للتَّفسير (اللَّهُمَّ أَنْجِ) بفتح الهمزة، أمرٌ من أَنْجى يُنْجي إِنْجاء، والأمر في مثل هذا للدعاء (الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بفتح الواو وكسر اللام فيهما، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزوميُّ أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرًا، فلمَّا فدى أسلم، فقيل له هلَّا أسلمت قبل أن تفتدي، فقال كرهتُ أن يظنَّ بي أنَّني أسلمت خوفًا فحبس بمكَّة، ثمَّ أفلتَ من أسارهم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحقَ برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الذهبيُّ أسره عبد الله بن جحش يوم بدرٍ، وذهبوا به إلى مكة فأسلم فحُبَس بمكَّة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت، ثمَّ إنَّه نجا فوصل إلى المدينة، ومات بها في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(وَ) أنج (سَلَمَةَ) بفتح اللام، وبالنصب عطفًا على ما قبله (ابْنِ هِشَامٍ) بن المغيرة المذكور آنفًا هو أخو أبي جهلٍ، وكان قديم الإسلام، وعذِّب في الله، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة.
قال الذهبيُّ هاجر إلى الحبشة، ثمَّ قدم مكة فمنعوه من الهجرة، وعذَّبوه، ثمَّ هاجر بعد الخندق، وشهد مؤتة، واستشهد [1] سنة أربع عشرة أوَّل خلافة عمر رضي الله عنه.
(وَ) أَنْج (عَيَّاشَ) بفتح العين وتشديد المثناة التحتية وبعد الألف شين معجمة (ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) واسم أبي ربيعة عَمرو بن المغيرة المذكور، وهو أخو أبي جهلٍ أيضًا لأمِّه، أسلم قديمًا وأوثقه أبو جهلٍ بمكَّة، وقتل يوم اليرموك بالشَّام، وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحدٍ منهم ابن عمِّ الآخر.
(وَ) أنج (الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهو من قبيل عطف العامِّ على الخاصِّ، عكس قوله {وملائكته وجبريل} ، ثمَّ يقول صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ اشْدُدْ) بهمزة وصل، وقول العيني بضم الهمزة، محمولٌ على الابتداء.
(وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفتح الهمزة، من الوطء، وهو الدَّوس وشدَّة الاعتماد على الرَّجل، ومعناه هنا خذهم أخذًا شديدًا، أو أشد بأسك وعقوبتك.
ج 4 ص 511
ومنه قول الشاعر
~وَوَطِئْتَنَا وَطْأً عَلَى حَنَقٍ وَطْءَ المُقيَّدِ ثابِتَ الهَرْمِ
وكان حمَّاد بن سلمة يرويه اللهمَّ اشدد وطدتك، الوطد الإثبات في الغمز في الأرض.
(عَلَى) كفَّار قريش أولاد (مُضَرَ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، هو ابنُ نزار بن معدِّ بن عدنان، وهو شِعْب عظيمٌ فيه قبائل كثيرة كقريش وهُذيل وأسد وتميم وضبَّة ومزينة والضِّباب وغيرهم، ومضر شِعْبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتقاقه من اللَّبن المَضِير وهو الحامضُ، قاله ابنُ دريد.
(وَاجْعَلْهَا) أي الوطأة أو الأيَّام، وهي وإن لم يسبق لها ذكر لكن يدلُّ عليه المفعول الثاني، وهو قوله (( سنين ) )، قاله الزركشيُّ.
وقال في «المصابيح» ولا مانع من أن يجعلَ الضَّمير عائدًا إلى السِّنين لا إلى الأيام التي دلَّت عليها السِّنين، وقد نصُّوا على جواز عود الضَّمير إلى المتأخِّر لفظًا أو رتبة إذا كان مخبَرًا عنه بخبرٍ يفسِّره مثل {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الأنعام 29] وما نحن فيه من هذا القبيل، انتهى.
أي واجعل السنين.
(عَلَيْهِمْ سِنِينَ) جمع سنة (كَسِنِي) أصله سنين سقطت النون بالإضافة إلى (يُوسُفَ) الصِّدِّيق عليه الصلاة والسلام جريًا على اللُّغة الغالبة فيه، وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم، لكنَّه شاذٌّ؛ لأنَّه غير عاقل ولتغيير مفرده بكسر أوله، ولهذا أعربه بعضُهم بحركاتٍ واردةٍ على النون كالمفرد، كقوله
~دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإِنَّ سِنِينَه لَعِبنَ بِنَا شِيْبًا وشيَّبْنَنا مُرْدًا
أي كالسنين التي كانت في زمن يوسف عليه الصَّلاة والسَّلام مقحطة، ووجه التَّشبيه امتدادُ زمان المحنة والبلاد وبلوغِ غاية الجهدِ والشِّدَّة والضَّرَّاء.
(وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث إثبات التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ إلَّا في الرفع من الركوع، فإنَّه يقول (( سمعَ الله لمن حمده ) ).
وفيه أيضًا دليلٌ على مقارنة التَّكبير لهذه الحركات وبسطه عليها فيبدأُ بالتَّكبير حين يشرعُ في الانتقال، ويمدُّه كما تقدَّم تفصيله [خ¦799] .
وهل يجمع بين التَّسميع والتَّحميد؟ قد ذكر الخلاف فيه [خ¦796] ، وظاهرُ هذا الحديث أنَّه يجمع بينهما.
وعند أبي حنيفة رحمه الله يكتفي بالتَّسميع إن كان إمامًا، وقد مرَّ وجهه، وقال الخطابيُّ وفيه إثبات القنوت وأنَّ موضعه عند الرفع من الركوع، وقد قيل إنَّه منسوخٌ، وقد تقدَّم وجهه أيضًا، وقال وفيه أيضًا أنَّ تسمية الرِّجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة.
ورجال هذا الإسناد ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه أبو داود والنَّسائي في (( الصلاة ) ).
[1] في هامش الأصل واستشهد بمرْج الصُّفَّر، وقيل بأجنادين. عيني.