فهرس الكتاب

الصفحة 1324 من 11127

827 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) أي ابن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتكبير العبد فيهما، وهو تابعيٌّ ثقة سمِّي باسم أبيه وكني بكنيته.

وقوله (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) صريحٌ في أنَّ عبد الرحمن بن القاسم روى عنه بلا واسطة، وقد اختلف فيه الرواة عن مالكٍ فأدخل معن بن عيسى وغيره عنه فيه بين عبد الرَّحمن بن القاسم وعبد الله بن عبد الله القاسم بن محمد والد عبد الرحمن، بيَّن ذلك الإسماعيليُّ وغيره، فيحمل على أنَّ عبد الرحمن سمعه من أبيه عنه ثمَّ لقيه أو سمعه منه مع أبيه وثبَّته فيه أبوه.

(أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا جَلَسَ) للتشهد (فَفَعَلْتُهُ) أي التربُّع (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ) الواو للحال (فَنَهَانِي) عنه أبي (عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر رضي الله عنهما.

(وَقَالَ إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ) أي التي سنَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأنَّ الصَّحابي إذا قال (( سنَّة ) )فإنَّما يريد سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إمَّا القوليَّة وإمَّا الفعليَّة، فيكون هذا الحديث مسنَدًا، كذا قاله ابن المُنيِّر.

(أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى) أي لا تلصقها بالأرض (وَتَثْنِيَ) بفتح المثناة الفوقية، من الثَّني؛ أي تعطفَ رجلك (الْيُسْرَى) لم يبين في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورَّك.

ووقع في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد أنَّ القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التَّشهد فنصب رجله اليُمني وثنى اليُسرى وجلس على وركه اليُسرى ولم يجلس على قدمه، ثمَّ قال أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وحدَّثني أنَّ أباه كان يفعلُ ذلك فتبيَّن من رواية القاسم ما أُجمل في رواية ابنه.

وإنَّما اقتصر البخاري على رواية عبد الرحمن كتصريحه فيها بأنَّ ذلك هو السنَّة لاقتضاء ذلك الرفع بخلاف رواية القاسم، ورجَّح ذلك عنده حديث أبي حميد المفصَّل بين الجلوس الأول والثاني على أنَّ الصفة المذكورة قد يقال إنَّها لا تخالفُ حديث أبي حميدٍ؛ لأنَّ في «الموطأ» أيضًا عن عبد الله بن دينار التَّصريح بأنَّ جلوس ابن عمر المذكور كان في التَّشهد الأخير.

وروى النسائيُّ من طريق عَمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيدٍ أنَّ القاسم حدَّثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن أبيه قال (( من سنَّة الصلاة أن ينصبَ اليمنى ويجلس على اليسرى ) )، فإذا حملت هذه الرِّواية على التَّشهد الأوَّل، ورواية مالكٍ على التشهُّد الأخير انتفى التَّعارض، ووافق ذلك التَّفصيل المذكور في حديث أبي حميدٍ، والله أعلم.

(فَقُلْتُ) أي قال عبد الله فقلت (إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ) أي التربُّع فَلِمَ تنهاني عنه؟ (قَالَ إِنَّ رِجْلَيَّ) بتشديد الياء،

ج 4 ص 548

كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية حكاها ابن التِّين ، ووُجِّهَت بوجهين

أحدهما أن تكون (( إن ) )بمعنى نعم؛ أي فعل ذلك، ويكون حرف جواب، وقد ورد ذلك في كلام العرب نظمًا ونثرًا.

أمَّا النَّظم ففي قوله

~ويَقُلنَ شَيبٌ قدْ عَلاكَ وقَد كَبُرتَ فَقُلتُ إِنَّهْ

وأمَّا النَّثر فقد قال عبد الله بن الزُّبير لمن قال لعن الله ناقة حملتني إليك إن وراكبها؛ أي نعم ولعن راكبها، فيكون قوله (( رجلاي ) )مع خبره كلامًا مستأنفًا.

والوجه الثاني أن يكون على لغة بني الحارث فإنَّهم لا ينصبون اسم إن وعليه قراءة {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه 63] أو على لغة من يجعل ألف التَّثنية للحالات الثلاث.

(لاَ تَحْمِلاَنِي) بتخفيف النون ويروى بتشديدها.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي أيضًا، وفيه من الفوائد أنَّ السنَّة أن ينصبَ المصلِّي رجله اليُمنى ويُثني اليسرى، وقد اختلفوا في صفة الجلوس في الصَّلاة.

فذهب يحيى بن سعيد الأنصاريِّ والقاسم بن محمد وعبد الرَّحمن بن القاسم ومالك إلى أنَّ المصلي ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى، ويقعدُ بالأرض في القعدة الأولى والأخيرة، وهذا هو التورُّك الذي ينقل عن مالك.

وفي «الجواهر» المستحبُّ في الجلوس كله الأوَّل والأخير وبين السَّجدتين أن يكون تورُّكًا. وفي «التمهيد» المرأة والرجل سواءٌ في ذلك عند مالك.

وذهب الشافعيُّ وأحمد وإسحاق إلى أنَّ المصلي يفعل في القعود الأوَّل مثل ما فعلنا الآن، وفي القعود الثاني يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى.

وقال ابن عمر قال الشافعي إذا قعدَ في الرابعة أماطَ رجليه جميعًا فأخرجَهما عن وركه الأيمن وأفضَى بمقعدتهِ إلى الأرض، وأضجعَ اليُسرى ونصبَ اليُمنى في القعدة الأولى. وقال أحمدُ مثل قول الشافعيِّ إلَّا في الجلوس في الصبح فإنَّه عنده كالجلوس في ثنتين، وهو قول داود.

وقال الطبريُّ إن فعل هذا فحسن وإن فعل هذا فحسن؛ لأنَّ ذلك كلُّه قد ثبتَ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وقال النوويُّ الجلسات عند الشافعيِّ أربع الجلوس بين السَّجدتين، وجلسة الاستراحة عقيب كلِّ ركعةٍ يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهُّد الأخير، فالجميع يسنُّ مفترشًا فإذا سجد سجدتي السَّهو تورَّك ثمَّ سلَّم، انتهى.

وعندنا السنَّة أن يفترشَ رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى نصبًا في القعدتين جميعًا، وبه قال الثَّوري.

واستدلُّوا بحديث عائشة رضي الله عنها في «صحيح مسلم» قالت كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصَّلاة ... إلى أن قالت (( وكان يفرشُ رجله اليسرى وينصبُ رجله اليمنى ) )الحديث.

وأمَّا جلوس المرأة فهو التورُّك عندنا. وقال النوويُّ وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وحكى القاضي عياض

ج 4 ص 549

عن بعض السَّلف أنَّ سنة المرأة التَّربع.

وقال ابن عبد البر اختلفوا في التربع في النافلة وفي الفريضة للمريض، فأمَّا الصَّحيح فلا يجوز له التربُّع في الفريضةِ بإجماع العلماء، وروى ابنُ أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لأنْ أقعدَ على رضفتين أحبُّ إليَّ من أن أقعدَ متربِّعًا في الصلاة، وهذا يشعرُ بتحريمه عنده، ولكن المشهور عند أكثر أهلِ العلم أنَّ هيئة الجلوس في التشهد سنَّة.

ولعلَّ ابن عبد البر أرادَ بنفي الجواز إثبات الكراهة، والله أعلم.

وقال ابن بطَّال وروي عن جماعةٍ من السَّلف أنَّهم كانوا يتربَّعون في الصَّلاة كما فعله ابن عمر، منهم ابن عبَّاس وأنس رضي الله عنهم وسالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وجوَّزه الحسن في النَّافلة، وفي رواية كرهه هو والحكم وابن مسعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت