فهرس الكتاب

الصفحة 1325 من 11127

828 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المصري (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ المصري أيضًا فقيهها (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد الجمحي المصري، وهو من أقران سعيد بن أبي هلال شيخه في هذا الحديث.

(عَنْ سَعِيدٍ) اللَّيثي المدنيِّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) بفتح المهملتين وسكون اللام الأولى، الدِّيلي المدني.

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) أي ابن عباسٍ القرشي العامر المدنيِّ، مات زمن الوليد بن يزيد كانوا يتحدَّثون أنَّ الخلافة تنقضي إليه لهمَّته.

(وَحَدَّثَنَا) بالواو، وفي بعض الأصول قبله < (ح) > إشارة إلى التَّحويل إلى سندٍ آخر، وفي رواية ؛ أي يحيى ابن بكير بالإفراد (اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) أبي رجاء المصري، واسم أبي حبيب سويد، وهو؛ أي يزيد المذكور من صغار التابعين.

(وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ) القرشي من بني قيس بن مخرمة بن المطلب مدني، سكن مصر، وكلاهما من الزِّيادة (عَنْ) أي كلاهما عن (مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) ورجال هذا الإسناد ما بين مصري ومدني.

وفيه إرداف الرِّواية النازلة بالعالية على عادة أهل الحديث، وربما وقع لهم ضد ذلك لمعنى مناسب، وفيه أنَّ يزيد بن محمد من أفراد المؤلِّف، وفيه أنَّ اللَّيث في الرِّواية الثانية يروي عن شيخين كلاهما عن محمد بن عَمرو بن حَلْحلة.

وقد أخرج متنه أبو داود والترمذيُّ والنسائي وابن ماجه أيضًا.

(أَنَّهُ) أي محمد بن عَمرو بن عطاء (كَانَ جَالِسًا فِي نَفَرٍ) ويروى وهو بفتحتين اسم جمعٍ، يقعُ على جماعةٍ من الرِّجال خاصَّة ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وقال ابن الأثير النَّفر رهطُ الإنسان وعشيرته.

(مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) وفي رواية أبي داود وغيره (( عن محمد بن عَمرو بن عطاء قال سمعتُ أبا حميد السَّاعدي في عشرة من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

ج 4 ص 550

وأبو حميدٍ رضي الله عنه يحتمل أن يكون خارجًا عن العشرة بالنَّظر إلى رواية (( مع عشرة ) )، كما في رواية هُشيم، عن عبد الحميد عند سعيد بن منصور (( رأيتُ أبا حميدٍ مع عشرة ) )وأن يكون داخلًا فيهم بالنَّظر إلى رواية (( في عشرة ) )كما في رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره سمعتُ أبا حميد (( في عشرة ) )ولفظ (( مع ) )يرجِّح أحدَ الاحتمالين في لفظ (( في ) )؛ لأنَّها محتملة لأن يكون أبو حميدٍ منهم وأن لا يكون منهم [1] ومن تلك العشرة أبو قتادة الحارث بن ربعي في رواية أبي داود والترمذي، وسهل بن سعد وأبو أسيد السَّاعدي ومحمد بن سلمة في رواية أحمد وغيره، وأبو هريرة في رواية أبي داود رضي الله عنهم، قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تسمية الباقين [2] .

(فَذَكَرْنَا صَلاَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرحمن أو المنذر (السَّاعِدِيُّ) الأنصاريُّ رضي الله عنه (أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) وزاد في رواية أبي داود (( قالوا فلم فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبةً ) ). وفي رواية الترمذي (( إتيانًا ولا أقدمنا له صحبةً ) )، وفي رواية الطحاويِّ من حديث العباس بن سهل عن أبي حميد السَّاعدي أنَّه كان يقول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنا أعلمكُم بصلاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا من أين؟ قال رقبت ذلك منه حتَّى حفظتُ صلاته ) ). وفي رواية أخرى له (( أنا أعلمكُم بصلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالوا وكيف؟ فقال اتَّبعت ذلك من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالوا أَرِنا، قال فقام يصلِّي وهم ينظرون ) ). وزاد عبدُ الحميد بن جعفر في روايته (( قالوا فَاعْرُض ) )، وفي روايته عند ابن حبَّان (( استقبل القبلة، ثمَّ قال الله أكبر ) ). وزاد فُلَيح بن سليمان في روايته عند ابن خُزيمة فيه ذكر الوضوء.

(رَأَيْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حذو مَنْكِبَيْهِ) وفي رواية ، وزاد ابن إسحاق (( ثمَّ قرأ بعض القرآن ) )ونحوه لعبد الحميد (وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ) بفتح الهاء والصاد المهملة؛ أي أمال (ظَهْرَهُ) في استواء من رقبته ومتن ظَهره من غير تقويسٍ، ذكره الخطَّابيُّ، وأصل الهصر أن تأخذَ رأس العود فتثنيه إليك وتعطفه.

وفي «الصِّحاح» الهصر الكسر، وقد هصرهُ واهْتَصرهُ بمعنىً، وهَصَرت الغُصن وبالغصن إذا أخذتَ برأسه وأملتَهُ، والأسد هَيْصَر وهَيْصار، وفي رواية أبي داود (( ثمَّ هَصَر ظهرَهُ غير مقنِّع رأسه ولا صافح بخدِّه ) )، فقوله (( غير مقنع ) )من الإقناع؛ أي لا يرفع رأسه حتَّى يكون أعلى من ظهرهِ.

وقال ابنُ عرفة يقال أقنعُ رأسه، إذا نصبه لا يلتفت لا يمينًا ولا شمالًا، وجعل طرفه موازيًا لما بين يديه.

وقوله (( ولا صافح بخده ) )أي غير مبرز بصفحة خدِّه، ولا مائل في أحد الشقَّين، وفي رواية عيسى بن عبد الله (( غير مقنعٍ رأسه ) )ونحوه لعبد الحميد، وفي رواية فُلَيح عند أبي داود (( فوضع يديه على ركبتيه كأنَّه قابضٌ عليهما ووَتَر يديه فتجافى عن جنبيه ) )، وله في رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب (( وفرَّج بين أصابعه ) ).

(فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (اسْتَوَى) قائمًا معتدلًا، زاد عيسى عند أبي داود فقال (( سمع الله لمن حمده، اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ورفع يديه ) )، ونحوه لعبد الحميد وزاد (( حتى يُحاذي بهما منكبيه معتدلًا ) ).

(حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ) بفتح الفاء والقاف وبعد الألف راء، جمع فقارة، وهي عظامُ الظهر. وقال ابن قُرْقُول جاء

ج 4 ص 551

عند الأَصيليِّ هنا بفتح الفاء وكسرها ولا أعلم له معنى.

وعند ابن السَّكن فِقَار _ بكسر الفاء _ ولغيره فَقار _ بالفتح _ وهو الصَّواب، وقال ابن التين هو الصَّحيح وهو الذي روِّيناه، وروِّينا في رواية أبي صالح عن اللَّيث قفار _ بتقديم القاف وكسرها _ وليس يبين؛ لأنَّه جمع قفر وهي المفازة.

وفي «الجامع» للقزَّاز الفِقْرة _ بكسر الفاء _ والفَقَارة _ بفتحها _ إحدى فقار الظَّهر، وهي العظام المنتظمة التي يقال لها خرزُ الظَّهر، فجمع الفَقَارة فَقَار، وجمع الفقرة فِقَر، وقالوا أَفْقِرة، يريدون جمع فَقَار، كما تقول قَذَال وأَقْذِلَة.

وفي «المحكم» الفِقْرة والفَقْرة ما انتضدَ من عظام الصُّلب من لدن الكاهل إلى العَجْب، والجمع فِقَر وفَقَار.

وقال ابنُ الأعرابي أقلُّ فِقَر البعير ثمان عشرة، وأكثرها إحدى وعشرون، وفَقَار الإنسان سَبْع.

وفي «نوادر ابن الأعرابي [3] » في رواية ثعلب فَقَار الإنسان سبع عشرة، وأكثر فقر البعير ثلاث وعشرون.

وفي «المخصص» الفقر ما بين كلِّ مفصلين، وقيل الفَقَار أطراف رؤوس الفِقَر، وكلُّ فِقْرة خرزة.

وفي «أمالي ابن إسحاق الزجاجي» هن سبعُ أمَّهات غير الصِّغار التَّوابع.

وفي كتاب «الفصوص» لصاعد هي أربعٌ وعشرون سبع منها في العنق، وخمسٌ منها في الصُّلب، واثنتا عشرة في أطرافِ الأضلاع الاثني عشر.

وقال الأصمعيُّ هي خمسٌ وعشرون، وفي رواية الأَصيليِّ والمراد كمال الاعتدال، وقد وقع في رواية هُشيم عن عبد الحميد (( ثمَّ يمكثُ قائمًا حتَّى يقعَ كل عظم موقعه ) ).

(فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ) حال كونه (غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) ذراعيه وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه، وفي رواية الطَّحاوي (( فإذا سجدَ فرَّج بين فخذيه غير حاملٍ بطنه على شيءٍ من فخذيه، ولا مفترش ذراعيه ) ).

(وَلاَ قَابِضِهِمَا) أي ولا قابض يديه وهو أن يضمُّها إليه، وفي رواية فليح بن سليمان (( ونحَّى يديه عن جنبيهِ ووضعَ يديه حذو منكبيه ) )، وفي رواية عبد الحميد (( جافى يديهِ عن جنبيه ) )، وفي رواية ابن إسحاق (( فَاعْلَوْلَى على جنبيهِ وراحتَيْه وركبتيهِ وصُدُور قَدَميه حتَّى رأيتُ بياضَ إبطيهِ ما تحت منكبيهِ، ثمَّ ثبت حتَّى اطمأنَّ كلُّ عظمٍ منه، ثمَّ رفع رأسَهُ فاعتدَلَ ) ).

(وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أي الأوليين للتشهُّد (جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى) وفي رواية الطَّحاوي (( جلس فافترشَ رجله اليسرى وأقبل بصدر اليُمنى على قبلتهِ، ووضع كفَّه اليُمنى على ركبته اليُمنى، وكفَّه اليُسرى على ركبتهِ اليُسرى، وأشار بإصبعيه ) ).

ج 4 ص 552

وفي رواية عبد الحميد (( ثمَّ يقول الله أكبر ويرفع رأسه ويُثني رجله اليُسرى فيقعدُ عليها حتَّى يرجعَ كلُّ عظمٍ إلى موضعه ) )، وفي رواية عيسى بلفظ (( ثمَّ كبر فجلس فتورَّك ونصب قدمه الأخرى ثمَّ كبر فسجدَ ) ).

وهذا يخالفُ رواية عبد الحميد في صفةِ الجلوس، ويقوِّي روايةَ عبد الحميد روايةُ فليح عند ابن حبَّان بلفظ (( كان إذا جلسَ بين السَّجدتين افترشَ رجله اليُسرى وأقبلَ بصدر اليُمنى على قبلتهِ، ووضعَ كفَّه اليُمنى على ركبته اليُمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليُسرى، وأشار بإصبعه ) ).

وفي رواية ابن إسحاق خلاف الرِّوايتين ولفظه (( فاعتدل على عقبيهِ وصدور قدميه فإن لم يُحمَل على التعدُّد وإلَّا فرواية عبد الحميد أرجح ) )، ثمَّ في رواية عيسى بن عبد الله (( ثمَّ جلسَ بعد الركعتين حتَّى إذا هو أرادَ أن ينهضَ إلى القيام قام بتكبيرةٍ ) )، وهذا يخالف في الظَّاهر رواية عبد الحميد حيث قال (( ثمَّ إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه كما كبَّر عند افتتاح الصلاة ) ).

ويمكن الجمع بينهما بأنَّ التَّشبيه واقعٌ على صفة التَّكبير لا على محلِّه، ويكون معنى قوله (( إذا قام ) )أراد القيام أو شرع فيه، والله أعلم.

(فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) للتشهُّد الأخير (قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ) أي في الأرض وهذا هو التورُّك، وفي رواية عبد الحميد (( حتَّى إذا كانت السَّجدة التي يكون فيها التَّسليم ) )، وفي روايته عند ابن حبَّان (( التي تكون عند خاتمة الصَّلاة أخَّر رجله اليُسرى وقعدَ متورِّكًا على شقِّه الأيسر ) ). زاد ابنُ إسحاق في روايته (( ثمَّ سلَّم ) )وفي رواية عيسى عند الطَّحاوي (( فلمَّا سلَّم سلَّم عن يمينه سلامٌ عليكم ورحمة الله، وعن شماله كذلك ) )، وفي رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره قالوا _ أي الصَّحابة المذكورون _ صدقت هكذا كان يصلِّي.

وبهذا الحديث احتجَّ الشافعيُّ، ومن قال بقوله إنَّ هيئة الجلوس في التَّشهد الأوَّل مغايرة لهيئة الجلوس في التَّشهد الأخير.

وقيل إنَّ الحكمة في أخذ الشَّافعي ومن قال بقوله بالتَّغاير في الجلوس الأول والثاني أنَّه أقرب إلى عدمِ اشتباه عدد الرَّكعات، وإنَّ الأوَّل يعقبه حركة بخلاف الثاني، وإنَّ المسبوق إذا رآه علم ما سُبِقَ به.

وقال الطحاويُّ القعود في الصَّلاة كلها سواءٌ وهو أن ينصبَ رجله اليُمنى ويَفترش رجله اليُسرى فيقعد عليها، ثمَّ ذكر الاحتجاج في هذا بحديث وائل بن حُجْر الحضرمي، قال صلَّيت خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقلت لأحفظنَّ صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( فلمَّا قعدَ للتشهُّد فرش رجله اليُسرى، ثمَّ قعد عليها ووضع كفَّه اليسرى على فخذهِ اليسرى، ووضعَ مرفقه الأيمن على فخذِهِ اليُمنى، ثمَّ عقدَ أصابعه وجعل حلقةَ بالإبهام والوسطى، ثمَّ جعل يدعو بالأخرى ) ).

وأخرجه الطبرانيُّ أيضًا، وهذا الذي ذكره هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال الثوريُّ

ج 4 ص 553

وعبد الله بن المبارك وأحمد في رواية.

فإن قيل لا يتمُّ الاستدلال للحنفيَّة بالحديث المذكور؛ لأنَّه لم يذكر فيه إلا أنَّه فرشَ رجله اليسرى فقط.

فالجواب أنَّ أكثر الخلاف فيه فاكتفى بهذا المقدار، وأمَّا نصب الرجل اليُمنى فقد ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه» نا ابن إدريس، عن عاصمِ بن كُلَيب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جلس فَثَنَى اليسرى، ونصب اليمنى؛ يعني في الصَّلاة.

فإن قيل من أين علم أنَّ المراد من قوله (( فلمَّا قعد للتشهُّد فرشَ رجله اليسرى، ثمَّ قعدَ عليها ) )هو القعدةُ الأخيرة؟

فالجواب أنَّه علم من قوله (( ثمَّ جعل يدعو ) )؛ لأنَّ الدعاء في التشهُّد لا يكون إلَّا في آخر الصَّلاة، ثمَّ أجاب الطَّحاوي عن حديث أبي حميد الذي احتجَّ به الشَّافعي وغيره بما ملخَّصه أنَّ محمد بن عَمرو بن عطاء لم يسمعْ هذا الحديث من أبي حميد، ولا من أحد ذكر مع أبي حميدٍ وبينهما رجل مجهول، حيث رواه عطَّاف بن خالد عن محمَّد بن عَمرو فجعلَ بينهما رجلًا وهو عبَّاس بن سهل. أخرجه أبو داود وغيره.

وإنَّ محمد بن عمرو ذكر في الحديث أنَّه حضر أبا قتادة وسنُّه لا يحتمل ذلك، فإنَّ أبا قتادة قبل ذلك بزمنٍ طويلٍ؛ لأنَّه مات في خلافة عليٍّ رضي الله عنه وصلَّى عليه عليٌّ رضي الله عنه، وكان قُتِل عليٌّ رضي الله عنه سنة أربعين، وإنَّ محمد بن عَمرو بن عطاء، مات بعد سنة عشرين ومائة، وله نيف وثمانون سنة على ما ذكره أهل التَّاريخ، فعلى هذا لم يدرك أبا قتادة.

واعترضَ عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لا يضرُّ الثقة المصرَّح بسماعه أن يدخلَ بينه وبين شيخه واسطة إمَّا لزيادة في الحديث، وإمَّا لتثبُّت فيه، وقد صرَّح محمَّد بن عَمرو بسماعه.

وبأنَّ أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمَّد له ممكنٌ، وعلى الأوَّل فلعلَّ من ذكر مقدار عمره أو وقت وفاته وهم، أو الذي سمَّى أبا قتادة في الصَّحابة المذكورين وهَم في تسميته، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذي رواه غلطًا؛ لأنَّ غيره ممَّن رواه عن محمَّد بن عَمرو بن عطاء، أو عن عبَّاس بن سهل قد وافقوه.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا المعترض أخذَ كلامه من كلام البيهقيِّ فإنَّه ذكره في كتاب «المعرفة» وهذا إنَّما يصحُّ إذا ثبت السَّماع منه، وقد نفى الشَّعبيُّ سماعه منه وهو إمامٌ في هذا الفنِّ، فنفيه نفي وإثباته إثباتٌ.

ولذا قال الهيثمُ بن عدي، وقال ابن عبد البرِّ هو الصَّحيح.

وفي الحديث من الفوائد رفعُ اليدين إلى المنكبين، وإليه ذهب الشافعيُّ وأحمد، وقد قيل إنَّه كان للعذر.

وفيه أيضًا أنَّ سنَّة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه ولا ينكِّسه؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ركعَ لا يصوِّب رأسه ولا يقنعه. وفيه أيضًا تجافي بطنَه عن فخذيهِ ويديه عن جنبيه، وفيه أيضًا توجيه أصابع رجليه نحو القبلة.

ج 4 ص 554

وفيه أيضًا جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمنَ الإعجاب وأراد تأكيد ذلك عند من سمعَه لما في التَّعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل.

وفيه أيضًا أنَّ (( كان ) )تُستعمل فيما مضى، وفيما يأتي لقول أبي حميد (( كنتُ أحفظكم ) )وأراد استمراره على ذلك أشار إليه ابن التِّين. وفيه أيضًا أنَّه كان يخفى على الكثيرِ من الصَّحابة بعض الأحكام المتلقَّاة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وربما تذكَّره بعضُهم إذا ذُكِّر.

(وَسَمِعَ) وسقط الواو في رواية الأَصيلي (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المذكور في سند الحديث الذي روي بالعنعنة عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد (يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ) أي سمع الليث منهما (وَ) سمع (يَزِيْدَ بنَ مُحَمَّد بْنِ حَلْحَلَةَ) وفي رواية ، وفي أخرى ، وفي أخرى (وَابْنُ حَلْحَلَةَ) سمع (مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ) وهو يحتمل أن يكون كلام المصنف، وأن يكون كلام يحيى ابن بكير، وهو إشارةٌ إلى أنَّ العنعنة الواقعة في إسناد هذا الحديث بمنزلة السَّماع، وقد سقط ذلك أعني قوله (( وسمع ) )إلى قوله (( من ابن عطاء ) )عند ابن عساكر.

(وقَالَ) بالواو، وفي رواية بدون الواو (أَبُو صَالِحٍ) كاتب اللَّيث بن سعد عبد الله بن صالح، وليس هو أبو صالح عبد الغفار البكري الحرَّاني، كما توهَّم في روايته (عَنِ اللَّيْثِ) بإسناده الثَّاني عن اليزيدَين المذكورَين (كُلُّ فَقَارٍ) بدون الضَّمير وبتقديم الفاء على القاف.

وقال الحافظ العسقلاني ضبط في روايتنا بتقديم القاف على الفاء وكذا للأَصيليِّ، وعند الباقين بتقديم الفاء كرواية يحيى ابن بُكير، لكن ذكر صاحب «المطالع» أنَّهم كسروا الفاء، وجزم جماعةٌ بأنَّ تقديم القاف تصحيف.

وقال ابن التِّين لم يتبيَّن لي وجهه، وقد وصل هذا التَّعليق الطَّبراني عن مطلب بن شعيب، وابن عبد البر من طريق القاسم بن أصبغ كلاهما عن أبي صالح المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو بْنِ حَلْحَلَة) وفي رواية سقط (( ابن حلحلة ) ) (حَدَّثَهُ كُلُّ فَقَارٍ) بدون الضَّمير أيضًا، وللكُشميهني وحده ، واختلف في ضبطه، فقيل بهاء الضمير؛ أي حتَّى يعودَ جميع عظام ظهرهِ أو بهاء التَّأنيث؛ أي حتَّى يعودَ كلُّ عظمةٍ من عظام الظَّهر مكانها.

وقد وصل هذا التَّعليق الجوزقيُّ في «جمعه» وإبراهيم الحربيُّ في «غريبه» ، وجعفر الفريابيُّ في «صفة الصَّلاة» له كلُّهم من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ يزيد بن حبيب حدَّثه ابن حلحلة

ج 4 ص 555

فعنعنتُه تحديث.

[1] من قوله (( وأن يكون داخلًا منهم ... إلى قوله وأن لا يكون منهم ) )ليست في (خ) .

[2] قوله (( قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تسمية الباقين ) )ليس في (خ) .

[3] في هامش الأصل أي حكى ثعلب عن «نوادر ابن الأعرابي» . منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت