832 -833 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (قَالَ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية سقط قوله .
(أَخْبَرَتْهُ) أي أنَّها أخبرته، ورجال هذا الإسناد ما بين حمصي ومدني، وفيه رواية التَّابعي عن التابعيِّ عن الصَّحابيَّة، وقد أخرج متنه المؤلف في الاستقراض [خ¦2397] ، وأخرجه مسلم في (( الصلاة ) )، وكذا أبو داود والنسائي.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ) أي في آخرها بعد التشهد قبل السَّلام بالقرائن التي ذكرت فبهذا يُطابق الحديث التَّرجمة (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ، فيه ردٌّ على من أنكره، وسيأتي الكلام فيه في كتاب (( الجنائز ) )إن شاء الله تعالى [خ¦1372] .
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قال أهل اللَّغة الفتنة عبارةٌ عن الابتلاء والامتحان، يقال فَتَنْته أَفْتَنته فَتْنًا وفُتُونًا، إذا امتحنتُه، ويقال فيها أَفْتَنته أيضًا، وهو قليلٌ وقد كثُر استعمالها في كشف ما يكره، قاله القاضي عياض.
ثمَّ كثر حتَّى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والنَّميمة وغير ذلك.
والمَسِيح _ بفتح الميم وتخفيف المهملة المكسورة وفي آخره حاء مهملة _
ج 4 ص 575
يطلق على عيسى ابن مريم عليهما السلام سمِّي به؛ لأنَّه عليه السلام خرج من بطن أمِّه ممسوحًا بالدهن، أو لأنَّ زكريا عليه السلام مسحَه، أو لأنَّه عليه السلام كان لا يمسحُ ذا عاهةٍ إلَّا برئ، أو لأنَّه كان يمسحُ الأرض بسياحتهِ، أو لأنَّ رجلَه كانتْ لا أخمص لها أو لِلُبْسِه المسوح، وقيل المسيح الصِّديق.
وذكر صاحب «القاموس» أنَّه جمع في سبب تسميته عيسى عليه السلام بذلك خمسين قولًا أوردها في «شرح المشارق» وقيل هو بالعبرانيَّة مشيحًا فعرِّب المسيح، ويُطلق على الدَّجَّال أيضًا لكن إذا أُريد به الدَّجال قُيِّدَ به، كما في الحديث. وإنما سمِّي به؛ لأنَّه ممسوحَ العين أو لأنَّ أحدَ شقِّي وجهه خُلِق ممسوحًا لا عينَ فيه ولا حاجب، أو لأنَّه يمسح الأرض إذا خرج؛ أي يقطعها، أو لأنَّ الخير مسح منه فهو مسيح الضَّلال.
وقال أبو الهيثم إنَّه مِسِّيح على وزن سكِّيت وإنَّه الذي مُسِحَ خلقه؛ أي شوَّه وقبَّح فكأنه هرب من الالتباس بالمسيح ابن مريم عليهما السلام.
وأمَّا ما نقل الفربري في رواية المستمليْ وحده عنه عن خلف بن عامر _ وهو الهَمْداني أحد الحفَّاظ _ أنَّ المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدَّجال ولعيسى عليه السلام، وإنَّه لا فرق بينهما، يعني لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريُّ من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين.
وحكي عن بعضهم أنَّه قال بالخاء المعجمة في الدَّجال ونسب قائله إلى التَّصحيف، وأمَّا تسميته بالدَّجال فلأنَّه خدَّاع مُلَبِّسٌ، من الدَّجْل وهو الخلط، ويقال الطَّلي والتَّغطية.
ومنه البعير المدجَّل؛ أي المَهْنُوء بالقطران، ودجلة نهر بغداد سمِّيت بذلك؛ لأنها تغطِّي الأرض بمائها، وهذا المعنى أيضًا موجود في الدَّجال لأنَّه يغطِّي الأرض بكثرة اتباعه، أو يغطِّي الحقَّ بباطله، وقيل لأنَّه مطموس العين من قولهم دجل الأثرُ، إذا عفى ودرس. وقيل من دجلَ؛ أي كذبَ والدَّجال الكذَّاب.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ) يعني الحياة والموت.
قال ابنُ دقيق العيد فتنة المحيا ما يعرضُ للإنسان مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا والشَّهوات والجهالات، وأشدُّها وأعظمُها والعياذُ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت والاحتضار، أضيفت إلى الموت لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يرادَ بها فتنة القبر.
وقد صحَّ يعني في حديث أسماء الآتي في (( الجنائز ) ) (( إنَّكم تُفتنون في قبوركُم مثلَ أو قريبًا من فتنة الدَّجال ) ) [خ¦1053] [خ¦1373] ، ولا يكون مع هذا الوجه متكرِّرًا مع قوله (( عذاب القبر ) )؛ لأنَّ العذاب مترتِّبٌ على الفتنة والسَّبب غير المسبَّب.
وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصَّبر وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العام بعد الخاص؛ لأنَّ عذابَ القبر داخلٌ تحت فتنة الممات وفتنة الدَّجال داخلةٌ تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن سفيان الثوريِّ إنَّ الميِّت إذا سُئل مَنْ ربك؟ تراءى له الشَّيطان
ج 4 ص 576
فيُشير إلى نفسه إنِّي أنا ربُّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يُسأل.
ثمَّ أخرج بسندٍ جيِّد إلى عَمرو بن مُرَّة كانوا يستحبُّون إذا وضعَ الميت في القبر أن يقولوا اللَّهمَّ أعذهُ من الشيطان.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ) أي ما يأثم به الإنسان ويجرُّه إلى الذَّمِّ والعقوبة، أو المراد هو الإثمُ نفسه وضعًا للمصدر موضعَ الإثم (وَ) أعوذ بك من (الْمَغْرَمِ) أي الدَّين، يقال غَرِم الرجل _ بالكسر _ إذا ادَّان أو هو ما يلزم الإنسان أداؤه.
وقيل الغرم والمغرم ما يلحقُ الإنسان في ماله من ضررٍ، ومنه الغرامة، والغريمُ الذي عليه الدَّين، والأصل فيه الغرام وهو الشرُّ الدَّائم والعذاب، والأول إشارةٌ إلى حقِّ الله، والثاني إشارةٌ إلى حقِّ العباد.
(فَقَالَ لَهُ) أي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم (قَائِلٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقفْ على اسمه، ثمَّ وجدتُ في رواية للنسائيِّ من طريق مَعمر عن الزهريِّ أنَّ السَّائل عن ذلك عائشة رضي الله عنها، ولفظها (( فقلتُ يا رسول الله ) ).
(مَا أَكْثَرَ) بفتح الراء، على التَّعجب (مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ) في محلِّ نصب؛ أي ما أكثر استعاذتكَ من المغرم، وما وجه الحكمة في ذلك؟ وكلمة (( ما ) )مصدرية.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ) بكسر الراء؛ أي إذا لحقه دينٌ (حَدَّثَ فَكَذَبَ) الأول بالتشديد والثاني بالتخفيف بأن يخبر بشيءٍ من وفاء ما عليه ولم يقم به فيصير كاذبًا (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) بأن قال لصاحب الدَّين أوفيك دَيْنَكَ في يوم كذا، أو في شهر كذا، ولم يوف فيه فيصير مخلفًا لوعده، والكذبُ وخُلْفُ الوعدِ من صفات المنافقين، كما ورد في الحديث المشهور، فلولا هذا الدَّين عليه لما ارتكبَ هذا الإثم العظيم، ولما اتَّصف بصفاتِ المنافقين، وفي رواية (( وإذا وعد أخلف ) ) [خ¦33] .
فإن قيل قوله (( فتنة المحيا والممات ) )يشملُ جميع ما ذكر فلأيِّ شيءٍ خصِّصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟
فالجواب أنَّه لعظم شأنها وكثرة شرِّها ولا شكَّ أنَّ تخصيصَ بعض ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لشدَّة حكمه.
وفيه أيضًا عطف العام على الخاص، وذلك لفخامة المعطوف عليه وعظم شأنه، وفيه اللفُّ والنَّشر الغير المرتَّب [1] ؛ لأنَّ عذاب القبر داخلٌ تحت فتنة الممات، وفتنة الدَّجال تحت فتنة المحيا.
هذا وقد استُشكل دعاؤه صلى الله عليه وسلم بما ذكر مع أنَّه معصومٌ من هذه الأمور مغفورٌ له ما تقدَّم وما تأخَّر، وأُجيب بأجوبةٍ
منها أنَّه قصد
ج 4 ص 577
التَّعليم لأمَّته، وحاصله أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما فعل ذلك لتقتديَ به الأمة وليبيِّن لهم صفة الدعاء.
ومنها أنَّ المراد السُّؤال لأمته لا لنفسه، فيكون المعنى أعوذ بك لأمَّتي.
ومنها سلوك طريق التَّواضع وإظهار العبوديَّة وإلزام خوفِ الله وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرَّغبة إليه، ولا يمتنع تكرُّر الطَّلب مع تحقُّق الإجابة؛ لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات ويرفع الدَّرجات.
وفيه تحريضٌ لأمَّته على ملازمة ذلك؛ لأنَّه إذا كان مع تحقُّق المغفرة لا يترك التَّضرُّع فمن لم يتحقَّق ذلك أحرى بالملازمة.
وأمَّا الاستعاذة من فتنة الدَّجَّال مع تحقُّقه أنَّه لا يدركه ففائدته راجعةٌ إلى أمَّته، وذلك بأن ينتشرَ خبره بين الأمَّة من جيلٍ إلى جيلٍ وجماعة إلى جماعة بأنَّه كذابٌ مبطلٌ مُفْترٍ ساع على وجه الأرض بالفساد مموِّهٌ ساحر حتَّى لا يلتبس على المؤمنين عند خروجه عليه اللَّعنة، ويتحقَّقوا أمره ويعرفوا أنَّ جميع دعاواه باطلة، كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويحتملُ أن يكون ذلك قبل أن يتحقَّق عدم إدراكه، ويدلُّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم (( إن يخرج وأنا فيكُم فأنا حجيجُه ) )الحديث.
ثمَّ إنَّ المغرمَ الذي استعاذ منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو المغرمُ الذي لا وجه لقضائهِ بل يقصدُ به التعرُّض لهلاكِ مال الغير، أو الذي للمديون سبيل إلى قضائه غير أنَّه يرى ترك القضاء، أو الذي يأخذُه من غير حاجةٍ أو يأخذه لسفاهة، وذلك كلُّه لا يصحُّ في حقِّه صلى الله عليه وسلم فينزَّل تعوُّذه منه على التعليم لأمَّته، وأمَّا من يستدين لاحتياجه احتياجًا شرعيًّا ونيَّته القضاء وإن لم يكن له سبيلٌ إلى القضاء في ذلك الوقت فلا يتعوَّذ منه؛ لأنَّ الأعمال بالنِّيات ونيةُ المرء خيرٌ من عمله. كيف وقد روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر يرفعه (( إنَّ الله مع المديون حتَّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكرهه الله عزَّ وجلَّ ) ).
وكان ابن جعفر يقول لخادمه اذهبْ فخذ لي بدين فإنِّي أكره أن أبيتَ اللَّيلة إلَّا والله معي.
قال الطبريُّ وكلا الحديثين صحيحٌ، نعم يتعوَّذ من عدم القدرةِ إلى قضائه، ولعلَّ تعوُّذه صلى الله عليه وسلم من ذلك، والله أعلم.
ففي الحديث إثبات عذاب القبر ردًّا للمعتزلةِ ومن أنكرهُ من غيرهم.
وفيه أيضًا إثباتُ خروج الدَّجَّال، وفيه الاستعاذة من الفتن والشُّرور والسُّؤال من الله دفعها عنه.
وفيه بشاعة الدَّين وشدَّته وتأديتهِ إلى ارتكابِ الكذب، والخلف في الوعد الذين هما من صفاتِ المنافقين.
وقد قيل الدَّين شينٌ في الدُّنيا والآخرة، وقيل الدَّين
ج 4 ص 578
سوادُ الخدين.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( الدَّين رايةُ الله في الأرض، فإذا أرادَ الله أن يذلَّ عبدًا وضعه في عُنقه ) )رواه الحاكم وقال صحيحٌ على شرط مسلم.
وزاد أبو ذرٍّ عن المستمليْ هنا _ يعني الهَمْدانيُّ أحد الحفاظ _ في اللفظ ابن مريم عليهما السلام لا اختصاص لأحد اللفظين بأحدهما. (وعن الزُّهْرِيِّ) هذا عطفٌ على قوله (( شعيب عن الزهريِّ ) )؛ أي وأخبرنا شعيب أيضًا عن الزهريِّ أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) وفي رواية (أنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِيذُ فِي) آخر (صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) أشار به إلى أنَّ الزهريَّ روى الحديث المذكور مطولًا ومختصرًا.
قال الحافظ العسقلانيُّ لكن لم أره في شيءٍ من «المسانيد» و «المستخرجات» من طريق شعيب عنه إلَّا مطولًا، ورأيتُه باللَّفظ المختصر المذكور سندًا ومتنًا عند المؤلِّف في كتاب (( الفتن ) )من طريق صالح بن كيسان عن الزُّهري [خ¦7129] ، وكذلك أخرجه مسلم من طريق صالح.
[1] لو قال غير المرتب لكانت أصح.