فهرس الكتاب

الصفحة 1334 من 11127

834 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرْثَد _ بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة وفي آخره دال مهملة _ هو ابنُ عبد الله اليزنيُّ _ بالتحتانية والزاي المفتوحتين ثمَّ نون _ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله عنهما.

والإسناد كله سوى طرفيه مصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الدَّعوات ) )أيضًا [خ¦6326] ، وكذا مسلم والترمذي وابن ماجه، وأخرجه النسائيُّ في (( الصلاة ) ).

ثمَّ رواية اللَّيث عن يزيد تقتضي أنَّ الحديثَ من مسند الصِّدِّيق رضي الله عنه، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسيِّ عن اللَّيث، فإنَّ لفظه (( عن أبي بكرٍ رضي الله عنه قال قلتُ يا رسول الله ) ). أخرجه البزَّار من طريقه، وخالف عَمرُو بن الحارث اللَّيثَ، فجعله من مسند عبد الله بن عَمرو، ولفظه (( عن أبي الخير أنَّه سمع عبد الله بن عَمرو يقول إنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ) )، هكذا رواه ابن وهبٍ، عن عَمرو بن الحارث.

ولا يقدحُ هذا الاختلاف في صحَّة الحديث، وقد أخرج المؤلِّف طريق عمرو معلقة في (( الدعوات ) )، وموصولة في (( التوحيد ) ) [خ¦7387] ، وكذلك أخرج مسلم

ج 4 ص 579

الطَّريقين طريق الليث، وطريق ابن وهب، وزاد مع عَمرو بن الحارث رجلًا مبهمًا، وبيَّن ابن خُزيمة في روايته أنَّه ابن لهيعة.

(أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ) في محلِّ النَّصب على أنَّه صفة دعاء (فِي صَلاَتِي) ظاهره العموم، لكن المراد حالة القعود بعد التشهُّد قبل السلام، كما مرَّ تحقيقه [خ¦832 قبل] .

وقال الشَّيخ تقيُّ الدين لعلَّه يترجَّح كونه فيما بعد التَّشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاءٍ مخصوص في هذا المحلِّ، وقال الفاكهانيُّ الأولى أن يدعوَ به في السُّجود وبعد التشهُّد؛ لأنَّ قوله (( في صلاتي ) )يعمُّ جميعها.

وتعقِّب بأنَّه لا دَليل له على دعوى الأولوية، بل الدَّليل الصَّريح قام على أنَّه بعد التشهد قبل السلام.

وقال النوويُّ استدلال البخاريِّ صحيحٌ؛ لأنَّ قوله (( في صلاتي ) )يعمُّ جميعها، ومن مظانِّه هذا الموطن.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر رضي الله عنه عن ذلك كان عند قوله لما علَّمهم التشهد (( ثمَّ ليتخيَّر من الدُّعاء ما شاء ) ). ومن ثمَّه أعقبه المؤلف رحمه الله بالترجمة الآتية، والله أعلم. (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي بارتكاب ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظَّ، وفيه أنَّ الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صدِّيقًا (ظُلْمًا كَثِيرًا) بالمثلثة، وفي نسخة بالموحدة (وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ) جملة معترضة فائدتها الإشارة إلى الإقرار بأنَّ الله هو الذي يغفر الذنوب، ليس ذلك لغيره، وهو في الحقيقة إقرارٌ بالوحدانيَّة؛ لأنَّ مَن صفتُه غفران الذُّنوب هو الموصوف بالوحدانيَّة.

وفيه أيضًا استجلاب للمغفرة، وهو كقوله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران 135] الآية، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار لوَّح بالأمر به، كما قيل إنَّ كلَّ شيءٍ أثنى الله على فاعلهِ فهو آمِرٌ به، وكلُّ شيءٍ ذمَّ على فاعله فهو ناهٍ عنه.

(فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً) أي مغفرةً عظيمةً لا يدرك كنهها، وقوله (مِنْ عِنْدِكَ) إشارةٌ إلى تأكيد ذلك التَّعظيم، ومزيد له؛ لأنَّ الذي يكون من عندِ الله لا يحيطُ به وصف الواصفين، كقوله تعالى {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف 65] .

وقال ابنُ دقيق العيد يحتمل وجهين

أحدهما الإشارة إلى التَّوحيد المذكور كأنَّه قال لا يفعل هذا إلَّا أنت فافعله لي أنت.

والثَّاني وهو أحسن أنَّه إشارةٌ إلى طلب مغفرة متفضِّلٍ بها لا يقتضيها سببٌ من العبد من عمل صالحٍ وغيره. انتهى.

وبهذا الثَّاني جزمَ ابن الجوزيِّ فقال المعنى هب لي المغفرة تفضُّلًا، وإن لم أكن لها أهلًا بعملي.

(وَارْحَمْنِي) أي وتفضَّل عليَّ بأنواع نعمك وأصنافِ كرمك، ثمَّ كمَّل الكلام وختمه بقوله (إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وفي ذكر هاتين الصِّفتين مقابلة حسنة؛ لأنَّ قوله (( الغفور ) )مقابل لقوله (( اغفر لي ) )، وقوله (( الرحيم ) )مقابل لقوله (( وارحمني ) ).

قال في «الكواكب» وهذا الدُّعاء من جوامع الكلِم، إذ فيه اعتراف بغاية التَّقصير، وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا.

وفيه طلب غاية الإنعام

ج 4 ص 580

التي هي المغفرة والرَّحمة، فالأولى عبارةٌ عن الزَّحزحة عن النار، والثَّانية عبارةٌ عن إدخالِ الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، اللَّهمَّ اجعلنا من الفائزين بكرمك يا أكرمَ الأكرمين.

وفي الحديث طلب التَّعليم من العالم في خيرٍ خصوصًا الدَّعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.

وفيه ندب الاعتراف بالتَّقصير، ونسبة الظُّلم إلى نفسه.

وفيه الاعتراف بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو المتفضِّل المعطي رحمةً على عباده من غير مقابلة عمل حسن.

وفيه استحباب قراءة الأدعية في آخر الصَّلاة من الدَّعوات المأثورة، وسيجيء التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت