844 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين، وقد تقدَّم في باب (( أهل العلم أحق بالإمامة ) ) [خ¦678] (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو وتشديد الراء وفي آخره دال مهملة، الكوفي، وفي رواية معتمر بن سليمان عند الإسماعيلي (( حدثني ورَّاد ) ) (كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ) أي ابن شعبة رضي الله عنه، وكان مولاه أيضًا.
(قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) وسقط في رواية لفظ (( ابن شعبة ) ) (فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ) رضي الله عنه، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَلِ معاوية، وسيأتي في (( الدعوات ) ) [خ¦6330] من وجهٍ آخر عن ورَّاد بيان السبب في ذلك، وهو أنَّ معاوية رضي الله عنه كتب إليه اكتب إليَّ بحديثٍ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي (( القدر ) )من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ورَّاد قال كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إليَّ ما سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة [خ¦6615] . وقد قيَّدها في رواية الباب بـ (( المكتوبة ) )، فكأنَّ المغيرة رضي الله عنه فهم ذلك من قرنية في السُّؤال.
وعند أبي داود كتب معاوية إلى المغيرة رضي الله عنهما أيَّ شيءٍ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سلَّم من الصلاة، فكتب إليه المغيرة.
واستُدلَّ به على العمل بالمكاتبة وإجرائها مجرى السماع في الرواية وإن لم تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الواحد.
وسيأتي في (( القدر ) )في آخره أنَّ ورَّادًا قال ثمَّ وفدت بَعْدُ على معاوية فسمعته يأمر النَّاس بذلك، وقال بعضهم إنَّ معاوية رضي الله عنه كان قد سمع الحديث المذكور، وإنَّما أراد استثبات المغيرة.
واحتجَّ بما في «الموطأ» من وجهٍ آخر عن معاوية أنَّه كان يقول على المنبر أيُّها الناس إنَّه لا مانعَ لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منعَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منه الجد، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ثمَّ يقول سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ) بضم الدال والموحدة وقد تسكن الموحدة؛ أي عقب (كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ) أي فريضة، وفي رواية أُخرى للمؤلف (( في دبر كلِّ صلاة ) ) [خ¦6330] بدون مكتوبة (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كلمة توحيدٍ بالإجماع، وهي مشتملةٌ على النَّفي والإثبات، فقوله (( لا إله ) )نفيُ الألوهيَّة عن غير الله، وقوله (( إلَّا الله ) )إثباته لله تعالى، وبهذين الوصفين صار هذا كلمة التَّوحيد والشهادة.
وقد قيل إنَّ الاستثناء من النَّفي إثبات ومن الإثبات نفي، وأبو حنيفة رحمه الله يقول الاستثناء من النَّفي ليس بإثبات، واستدلَّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا نكاحَ إلَّا بولي ولا صلاة إلَّا بطهور ) )فإنَّه لا يجب تحقُّق النِّكاح عند الولي ولا تحقق الصَّلاة عند الطَّهور لتوقُّفه على شرائط أخر [1] ،
ج 4 ص 606
وأوردوا عليه بأنَّه على هذا التَّقدير لا يكون كلمة التوحيد توحيدًا تامًّا؛ لأنه يكون المراد منها نفي الألوهيَّة عن غير الله، ولا يلزم منه إثبات الألوهيَّة لله تعالى، والتوحيد هو ذلك.
وأُجيب عن هذا بأنَّ معظم الكفَّار كانوا أشركوا، وفي عقولهم وجودُ الإلهِ ثابتٍ، فإذا نفى الألوهيَّة عن غير الله تعالى يلزم إثباته له تعالى قطعًا على أنَّ الشرع جعل هذه الكلمة كلمة التَّوحيد، وكفى بذلك حجَّةً، وقد انعقدَ الإجماع على حصول التَّوحيد بقولنا (( لا إله إلا الله ) )، فليتأمل.
وأمَّا لفظة الجلالة في قولنا (( لا إله إلا الله ) )، فهو مرفوع على الخبريَّة لكلمة (( لا ) )، أو على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر المقدر، أو من اسم (( لا ) )باعتبار محله، وقد أشبع الكلام فيه في أوَّل كتاب الإيمان عند قوله صلى الله عليه وسلم (( بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ) ) [خ¦8] .
(وَحْدَهُ) أي ينفرد وحده فهو حالٌ من قبيل قوله (( وأرسلها العراك ) )؛ أي أرسل الجمال تعترك العراك، وإلَّا فشرط الحال أن تكون نكرةً.
قال الشيخ أكمل الدين في «شرح المشارق» حال مؤكدة، ويجوز أن تكون منتقلة. انتهى.
واستُشكل ذلك بأنَّ شرط الحال المنتقلة أن تنتقلَ الذات من وصف إلى وصف نحو قولك جاءني زيد راكبًا؛ يعني أنَّه كان راجِلًا، فانتقل من وصف الراجليَّة إلى وصف الراكبيَّة، وهذا الشَّرط لا يمكن أن يوجد فيما نحن فيه، ويمكن أن يقال ذكر الإمام في «التفسير الكبير» أنَّ المتكلمين اختلفوا في صفة الوحدة، فقال بعضهم إنَّها صفة ثبوتيَّة زائدة على الذات.
واحتجُّوا عليه بأنَّا إذا قلنا هذا الجوهر يشارك العرض في كونه واحدًا ولا يشاركه في كونه جوهرًا يظهر أنَّ الوحدة زائدة على ذات الجوهر والعرض، وإذا تمهَّد هذا ظهر جواز كون هذه الحال منتقلة، فإنَّ ما أفادته الجملة هو وحدة الذات في حال صرافته؛ لأنَّ لفظة الجلالة علم للذَّات البحت، فلمَّا جيء بالحال انتقلَ الذات من وصف الصِّرافة إلى وصف الوحدة الزائدة على الذَّات الصِّرف، والله أعلم.
(لاَ شَرِيكَ لَهُ) تأكيد لقوله (( وحده ) )؛ لأنَّ المتَّصف بالوحدانيَّة لا شريك له، أو الأوَّل بالنَّظر إلى الذات، والثاني بالنَّظر إلى الصِّفات، وكونه لا شريك له ثابت عقلًا ونقلًا، أما عقلًا فببرهان التَّمانع على ما فُصِّل في محلِّه، وأمَّا نقلًا فبقوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة 163] ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1] {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل 51] {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ} [الحديد 3] ، والأوَّل هو الفرد السَّابق، وذلك يقتضِي أن لا شريك له.
(لَهُ الْمُلْكُ) بضم الميم يعم، وبكسرها يخص، فلذلك قيل المَلِك من المُلك _ بالضم _ والمالك من المِلك _ بالكسر _ وقد فسَّر المُلك في القرآن على معاني مختلفة، والمعنى هاهنا
ج 4 ص 607
له جميع أصناف المخلوقات (وَلَهُ الْحَمْدُ) أي جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع المحامد التي بالأعيان والأعراض بناءً على أنَّ اللام للاستغراق عندنا، ولمَّا كان الله تعالى مالك الملك كله استحقَّ أن تكون جميع المحامد له تعالى دون غيره فلا يجوز أن يحمد غيره.
وأمَّا قولهم حمدت فلانًا على صنعتهِ، أو حمدتُ الجوهرة على صفائها، فذلك حمدٌ للخالق في الحقيقة؛ لأنَّ حمد المخلوق على فعله أو صفته حمدٌ للخالق في الحقيقة.
وزاد الطبرانيُّ من طريقٍ أخرى عن المغيرة (( يُحيي ويُميت بيده الخير ) )ورواته موثَّقون. وثبت مثله عند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بسند ضعيفٍ، لكن في القول (( إذا أصبح وإذا أمسى ) )، وفي رواية زِيْدَ بعد قوله (( يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت ) ). (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من باب التَّتميم والتَّكميل؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لما كانت الوحدانيَّة له والملك له والحمد له، فبالضَّرورة يكون قادرًا على كلِّ أمرٍ يريدُه ويشاء، و (( القدير ) )اسمٌ من أسماء الله تعالى كالقادر والمقتدر وهو أبلغُ، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض.
(اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي الذي أعطيته، وهذا النَّظم من قبيل قولهم لا طالعٌ جبلًا، بترك تنوين الاسم المطوّل، إذ الأصل أن يقال لا مانعًا لما أعطيت، وتحقيق هذه المسألة في كتب النحو كالرضي، و «مغني اللبيب» وشروحه، فليراجع ثمة.
(وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي الذي منعته (وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) الجَد _ بالفتح _ الغنى، كما فسَّره الحسن البصري على ما يأتي ذكره، وكذا قال الخطابيُّ، ويقال الحظُّ والبختُ والعظمة، وكلمة (( من ) )بمعنى البدل، كما في قول الشاعر
~فَلَيتَ لَنا مِنْ مَاء زَمْزَم شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ
يريد ليت لنا بدل ماء زمزم.
والطَّهَيَان _ بفتح الطاء المهملة والهاء والياء المثناة التحتية _ خشبة يبرد عليها الماء، ويقال لها البرادة، ويروى
فليتَ لنا من ماءِ حَمْنَان شربة.
وحَمْنَان _ بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنونين بينهما ألف _ اسم موضع.
وقال الجوهريُّ معنى (( منك ) )هنا عندك؛ أي لا ينفعُ ذا الغنى عندك غناه، إنَّما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التِّين الصِّحيح عندي أنَّها ليست بمعنى البدل ولا عند، بل هو كما تقول لا ينفعك منِّي شيءٌ إن أنا أردتُك بسوء.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنَّها بمعنى عند، أو فيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي.
وقال الزمخشريُّ في «الفائق» (( من ) )فيه كما هو في قولهم من ذاك؛ أي بدل ذلك، ومنه قوله تعالى {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} [الزخرف 60] ؛ أي المحظوظ لا ينفعه حظه بذلك؛ أي بدل طاعتك.
وقال التُّوْرِبشتي لا ينفعُ ذا الغنى منك غناه، وإنَّما ينفعه العملُ بطاعتك، فمعنى (( منك ) )عندك.
واختار
ج 4 ص 608
جمال الدين بن هشام في «المغني» البدل حيث قال في تعداد معاني (( من ) )إنَّها تأتي على خمسة عشر معنى، الخامس البدل نحو {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ} [التوبة 38] {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف 60] ؛ لأنَّ الملائكة لا تكون من الإنس، ثمَّ قال (( ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجد ) )؛ أي ولا ينفعُ ذا الجدِّ حظه من الدُّنيا بذلك؛ أي بدل طاعتك، أو بدل حظك؛ أي بدل حظه منك.
وقيل ضمَّن (( ينفعُ ) )معنى يمنع، ومتى علقت (( من ) )بالجَدِّ انعكس المعنى، وتوضيحه ما قاله، قال ابن دقيق العيد قوله (( منك ) )يجب أن يتعلَّق بـ (( ينفعُ ) )، ويجب أن يكون (( ينفع ) )قد ضمِّن معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلَّق (( منك ) )بـ (( الجدِّ ) )كما يقال حظِّي منك كثيرٌ؛ لأنَّ ذلك نافع.
ثمَّ (( الجَد ) )مضبوطٌ في جميع الرِّوايات بالفتح، ومعناه ما مرَّ، وحكى الرَّاغب أنَّ المراد به هنا أبو الأب وأبو الأم؛ أي لا ينفعُ أحدًا نسبه كقوله تعالى {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون 101] .
وقال القرطبيُّ حكي عن أبي عَمرو الشَّيبانيِّ أنَّه رواه بالكسر، وقال معناه لا ينفعُ ذا الاجتهاد اجتهاده. وأنكره الطبريُّ. وقال القزَّاز في توجيه إنكارهِ الاجتهاد في العمل نافعٌ؛ لأنَّ الله تعالى قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفعُ عنده؟
قال فيحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييعِ أمر الآخرة.
وقال غيره لعلَّ المراد أنَّه لا ينفع بمجرَّده ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، كما تقدَّم في شرح قوله (( لا يُدْخِل أحدًا منكم الجنَّة عملُه ) )، وقيل المراد على رواية الكسر السَّعي التام في الحرصِ، أو الإسراع في الهرب.
قال النوويُّ الصَّحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنَّه بالفتح، وهو الحظُّ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظُّه منك، وإنَّما ينجيه فضلك ورحمتك.
وفي الحديث استحبابُ هذا الذكر عقب الصَّلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التَّوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء وتمام القدرة.
وفيه المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها، وروى ابن خزيمة من حديث أبي بكرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر الصلاة (( اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر ) ). وروي أيضًا عن عقبة بن عامر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اقرأ المعوَّذات في دُبُر كلِّ صلاة ) ).
وعند النسائيِّ (( اقرأ بالمعوِّذتين ) )، وفي كتاب «اليوم والليلة» لأبي نُعيم الأصبهاني (( من قال حين ينصرفَ من صلاة الغداة قبل أن يتكلَّم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير عشر مرَّاتٍ أُعطي بهنَّ سبع خصالٍ، وكتبت له عشر حسناتٍ، ومحي عنه بهنَّ عشر سيئاتٍ، ورفع له بهنَّ عشر درجاتٍ، وكنَّ له عدل عشر نسماتٍ، وكنَّ له عصمةً من الشيطان،
ج 4 ص 609
وحرزًا من المكروه، ولا يلحقه في يومه ذلك ضررٌ، ومن قالهنَّ حين ينصرفَ من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك )) .
وفي لفظ (( من قال بعد الفجر ثلاث مراتٍ وبعد العصرِ ثلاث مرَّات أستغفر الله الذي لا إله إلَّا هو وأتوبُ إليه، كُفِّرت ذنوبه وإن كانت مثل زبدِ البحر ) ).
وعن أبي أُمامة رضي الله عنه (( مَن قرأَ آية الكرسيِّ وقل هو الله أحد دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنَّة إلَّا الموت ) )رواه ابن السنِّي من حديث إسماعيل بن عيَّاش عن داود بن إبراهيم الذُّهلي عن أبي أُمامة.
وفي كتاب «عمل اليوم والليلة» لأبي نُعيم الحافظ من حديث أبي القاسم عنه ما رقبتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في دبر صلاةٍ مكتوبةٍ ولا تطوُّع إلَّا سمعته، يقول (( اللَّهمَّ اغفرْ لي خطاياي كلها، اللَّهمَّ اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنَّه لا يهدِي لصالحها، ولا يصرف بسيِّئها إلَّا أنت ) ).
وروى الثعلبيُّ في «تفسيره» من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داومَ على قراءةِ آية الكرسي دُبُر كلِّ صلاةٍ أعطيته أجر المتَّقين، وأعمال الصِّديقين ) ).
فائدة اشتهر على الألسنة في الذِّكر المذكور زيادة (( ولا رادَّ لما قضيت ) )وهي في «مسند عبد بن حميد» من رواية مَعْمر عن عبد الملك بن عُمَير بهذا الإسناد لكن حذف قوله (( ولا مُعطي لما منعت ) ).
ووقع عند الطبرانيِّ تامًّا من وجه آخر، ووقع عند أحمد والنَّسائي وابن خزيمة من طريق هُشَيم عن عبد الملك بالإسناد المذكور أنَّه كان يقولُ الذكرَ المذكور أوَّلًا ثلاث مرات.
ثمَّ رجال إسناد هذا الحديث كوفيون إلَّا محمد بن يوسف، وقد أخرج متنه المؤلف في (( الاعتصام ) ) [خ¦7292] و (( الرقاق ) ) [خ¦6473] و (( النذور ) ) [خ¦6615] و (( الدعوات ) )أيضًا [خ¦6330] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في (( الصلاة ) ).
(وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) وفي رواية (بِهَذَا) الحديث أيضًا فأشار بهذا التَّعليق إلى أنَّ شعبة أيضًا رواه عن عبد الملك كما رواه سفيان عنه.
ووصله السَّرَّاج في «مسنده» والطبرانيُّ في «الدعاء» وابن حبَّان من طريق معاذ بن المثنى حدثني أبي عن شعبة عن عبد الملك بن عمير سمعت ورَّادًا كاتب المغيرة بن شعبة أنَّ المغيرة كتب إلى معاوية فذكره.
وفي قوله (( كتب ) )يجوز لما تبيَّن من رواية سفيان وغيره أنَّ الكاتب هو ورَّاد، لكنَّه كتب بأمر المغيرة وإملائه عليه.
وعند مسلم من رواية عبدة عن ورَّاد قال كتب المغيرة إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له ورَّاد، فجمع بين الحقيقة والمجاز.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري رحمه الله (جَدَّ) بالرفع بلا تنوين على سبيل الحكاية، وهو مبتدأ خبره قوله (غِنًى)
ج 4 ص 610
أشار بهذا التَّعليق إلى أنَّ الحسن فسَّر لفظ (( جد ) )في الحديث بالغنى.
وقد وصلَه ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء وعبد بن حُميد من طريق سليمان التَّيمي عن الحسن في قوله تعالى {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن 3] قال غنى ربِّنا.
وعادة البخاريِّ إذا وقع في الحديث لفظة غريبة وقع مثلها في القرآن يحكي قول أهل التفسير فيها وهذا منها، ووقع في رواية كريمة وسقط هذا الأثر من أكثر الرِّوايات.
(وَعَنِ الْحَكَمِ) أي وقال شعبة أيضًا عن الحكم (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ) بضم الميم وفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية وكسر الميم وفتح الراء (عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا) الحديث.
وهذا التَّعليق وصله السَّرَّاج والطبرانيُّ وابن حبَّان عن شعبة ولفظه كلفظ عبد الملك بن عُمَير، إلَّا أنَّه قال فيه (( كان إذا قضى صلاته قال ) )، فذكره.
ووقع نحو هذا التَّصريح لمسلم من طريق المسيَّب بن رافع، عن ورَّاد، به. ثمَّ إنَّ تعليق الحكم وقع هكذا مؤخرًا عن أثر الحسن في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية كريمة بالعكس.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو الأصوب؛ لأنَّ قوله (( وعن ) )الحكم معطوفٌ على قوله (( عن عبد الملك ) )فهو من رواية شعبة عن الحكم أيضًا، وقوله (( قال الحسن جَدَّ غنىً ) )معترضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
[1] (( عند الولي ولا تحقق الصَّلاة عند الطَّهور لتوقُّفه على شرائط أخر ) )ليست في (خ) .