فهرس الكتاب

الصفحة 1348 من 11127

843 - (حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ بنُ أَبِي بكرٍ) بن علي بن عطاء بن مقدَّم، أبو عبد الله المعروف بالمقدمي البصري (قَالَ حَدَّثَنا مُعْتَمرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ، ويروى معرفًا باللام (عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ) بضم العين على صيغة التَّصغير، هو ابنُ عمر بن حفص بن علي بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه المدني.

(عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم مولى أبي بكر بن عبد الرحمن (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان المدني (عَن أَبِي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) .

ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، وفيه أنَّ عُبيد الله تابعيٌّ صغير، ولا يعرف لسُمَيٍّ رواية عن أحدٍ من الصَّحابة، فهو من رواية الكبير عن الصَّغير.

وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في (( الصَّلاة ) )، وأخرجه النسائي في (( اليوم والليلة ) ).

(قَالَ جَاءَ الْفُقَرَاءُ) جمع فقير، وجاء في رواية أبي داود من رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة رضي الله عنه

ج 4 ص 595

أنَّ أبا ذرٍّ رضي الله عنه منهم، وأخرجه جعفر الفريابي في كتاب «الذكر» له من حديث أبي ذرٍّ نفسه.

وجاء في رواية النسائي وغيره أنَّ أبا الدَّرداء منهم. ولمسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّهم قالوا يا رسول الله. فذكر الحديث، والظاهر أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه منهم. وفي رواية النسائيِّ عن زيد بن ثابت قال أمرنا أن نسبِّح. الحديث كما سيأتي لفظه [خ¦843] .

وهذا يمكن أن يقال فيه إنَّ زيد بن ثابت كان منهم، ولا يعارضه قوله في رواية عجلان عن سُمَيٍّ عند مسلم (( جاء فقراء المهاجرين ) )لكون زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال التَّغليب.

(إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضم الدال المهملة والمثلثة، جمع دَثْر _ بفتح فسكون _ وهو المال الكثير. وقال ابن سِيْده لا يثنَّى ولا يجمع، وقيل هو الكثير من كلِّ شيءٍ.

وقال أبو عمر المطرزي إنَّه يثنى ويجمعُ، ووقع عند الخطابيِّ جمع دار، وقال ابن قُرْقُول وقع في رواية المروزيِّ مثل رواية الخطَّابي، قال وهو تصحيفٌ.

(مِنَ المَالِ) كلمة (( من ) )بيانية تبيِّن الدُّثور، أو هو تأكيدٌ له، فافهم.

(بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى) بضم العين، جمع العليا، وهي تأنيثُ الأعلى، يحتمل أن تكون حسيَّة والمراد درجات الجنَّة، أو معنويَّة والمراد علوُّ القدرِ عند الله تعالى (وَالنَّعِيْمِ الْمُقِيمِ) النَّعيم ما يتنعَّم به، والمقيم الدَّائم وصفه بالإقامة إشارة إلى ضدِّه، وهو النَّعيم العاجل، فإنَّه قلَّما يصفو، ولو صفَى فهو بصدد الزَّوال وسرعة الانتقال.

وكذا في رواية مسلم من حديث أبي ذرٍّ. وزاد المؤلف في (( الدعوات ) )من رواية ورقاء عن سُمَي [خ¦6329] قال (( كيف ذلك ) ). ونحوه لمسلم من رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ.

(يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) وروى البزار من رواية موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال اشتكى فقراء المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا فُضِّل به أغنياؤهم، فقالوا يا رسول الله إخواننا صدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا، وصاموا صيامنا، ولهم أموالٌ يتصدَّقون منها، ويصلون منها الرَّحم، وينفقونها في سبيل الله، ونحن مساكين لا نقدرُ على ذلك، فقال (( ألا أخبركُم بشيءٍ إذا فعلتموه أدركتُم مثل فضلهم؟ قولوا الله أكبر في دبر كلِّ صلاةٍ أحد عشر، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله

ج 4 ص 596

مثل ذلك، وسبحان الله مثل ذلك، تدركون مثل فضلِهم )) ففعلوا ذلك، فذكروا ذلك للأغنياء، ففعلوا مثل ذلك، فرجع الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقالوا هؤلاء إخواننا فعلوا مثل ما نقول، فقال (( ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، يا معشرَ الفقراء! ألا يَسُرُّكم أنَّ فقراءَ المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم خمسمائة عام ) )وتلا موسى بن عبيدة {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج 47] .

وروى ابن ماجه من رواية بشر بن عاصم عن أبيه عن أبي ذرٍّ قال قيل يا رسول الله _ وربَّما قال سفيان قلت يا رسول الله _ ذهب أهلُ الأموال والدُّثور بالأجر، يقولون كما نقول، وينفقون ولا ننفق، قال لي (( ألا أخبركُم بأمرٍ إذا فعلتُموه أدركتُم مَن قبلكم، وفُتم من بعدكُم؟ تحمدون الله تعالى في دبرِ كلِّ صلاةٍ، وتسبِّحون وتكبِّرون ثلاثًا وثلاثين، وثلاثًا وثلاثين، وأربعًا وثلاثين ) )قال سفيان لا أدري أيَّتهنَّ أربع.

وروى أبو داود من رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال أبو ذرٍّ يا رسول الله! ذهب أصحابُ الدُّثور بالأجور. الحديث، وذكر التَّكبير والتحميد والتسبيح ثلاثًا وثلاثين، وزاد (( ويختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت مثلَ زبد البحر ) ).

وروى النسائي في «اليوم والليلة» من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال قلتُ يا رسول الله! ذهبَ أهل الأموالِ بالدُّنيا والآخرة، يصلُّون كما نصلِّي، ويذكرون كما نذكر، ويجاهدون كما نجاهدُ، ويتصدَّقون ولا نجد ما نتصدَّق به، قال (( ألا أخبرك بشيءٍ إذا أنت فعلتَه أدركتَ من كان قبلك، ولم يلحقك من كان بعدَك إلَّا من قال مثل ما قلت؟ تسبِّح الله دُبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره أربعًا وثلاثين تكبيرة ) ).

وروى الترمذيُّ من حديث مجاهد وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله! إنَّ الأغنياء يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم أموالٌ يعتقون ويتصدَّقون، قال (( فإذا صلَّيتم فقولوا سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرةً، والله أكبر أربعًا وثلاثين مرةً، ولا إله إلا الله عشر مرَّات، فإنَّكم تدركون مَن سبقكم، ولا يسبقكم من بعدكم ) ).

(وَلَهُمْ فَضْلُ أَمْوَالٍ) وفي رواية الأَصيلي ، وللكُشميهني

ج 4 ص 597

(يَحُجُّونَ بِهَا) أي ولا نحجُّ. ويُشكل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابي من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه (( ويحجُّون كما نحجُّ ) ).

ويمكن أن يقال اشتراكهم في الحجِّ كان في الماضي، وأمَّا المتوقع فلا يقدر عليه إلَّا أصحاب الأموال غالبًا. ويحتملُ أن يقرأ قوله (( يُحِجون ) )بضم أوله من الرباعي؛ أي يعينون غيرهم على الحجِّ بالمال، فلا إشكال.

(وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ) أي الجهاد المتوقَّع لا الماضي، فإنَّهم اشتركوا كما وقع في (( الدَّعوات ) )من رواية ورقاء عن سُمَيٍّ (( وجاهدوا كما جاهدنا ) ) [خ¦6329] (وَيَتَصَدَّقُونَ) ووقع عند مسلم من رواية ابن عجلان عن سمي (( ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويعتقونَ ولا نعتقُ ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بالفاء (أَلاَ) كلمة تنبيه (أُحَدِّثُكُمْ) ويجوز أن تكون مركَّبة من همزة الاستفهام، وحرف النَّفي على التَّقرير (بما) أي بشيءٍ (إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ) أي بذلك الشَّيء، وقد سقط لفظ (( به ) )في أكثر الرِّاويات، وفي رواية الأَصيليِّ وفي رواية مسلم (( أفلا أعلِّمكم شيئًا ) )، وفي رواية أبي داود (( فقال يا أبا ذرٍّ! ألَّا أعلِّمك كلماتٍ تقولهنَّ ) ).

(أَدْرَكْتُمْ) جواب (( إن ) ) (مَنْ سَبَقَكُمْ) في محلِّ النصب مفعول (( أدركتُم ) )، والمعنى أدركتُم الذين سبقُوكم من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصَّدقة، والسَّبقية هنا يحتملُ أن تكون معنويَّة، وأن تكون حسِّيَّة، ورجَّح الأوَّل ابنُ دقيق العيد، وسقط قوله (( من سبقكم ) )في رواية الأَصيليِّ.

فإن قيل كيف يساوي قول هذه الكلمات مع سهولتها وعدم مشقَّتها الأمور الشَّاقة الصعبة من الجهاد ونحوه، وأفضل العبادات أحمزها؟!

فالجواب أنَّ أداء هذه الكلمات حقَّها من الإخلاص سيَّما الحمد في حال الفقر من أفضل الأعمال وأشقِّها.

ثمَّ إنَّ الثَّواب ليس بلازمٍ أن يكون على قدر المشقَّة، ألا ترى أنَّ في التلفُّظ بكلمة الشَّهادة ما ليس في كثيرٍ من العبادات الشاقَّة، وكذا الكلمة المتضمِّنة لتمهيد قاعدة خير عامٍّ ونحوها.

وقال العلماء إنَّ إدراك صُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظةً خيرٌ وفضيلة لا يوازيها عملٌ، ولا ينال درجتها بشيء.

ثمَّ إنَّ نيتهم أنَّهم لو كانوا أغنياء؛ لعملوا مثل عملِهم وزيادة، ونيَّة المؤمن خيرٌ من عملهِ، فلهم ثواب النِّيَّة، وثواب هذه الأذكار.

(وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ) لا من أصحابِ الأموال، ولا من غيرهم.

قال الكرمانيُّ فإن قلتَ لِمَ لا يحصل لمن بعدهم ثواب ذلك إذا فعلوا؟

قلت قوله (( إلَّا من عمل ) )استثناء منه أيضًا كما هو مذهب الشافعيِّ أنَّ الاستثناء المتعقِّب

ج 4 ص 598

للجمل عائد إلى كلِّها. انتهى.

فالمعنى على هذا لم يدرككم أحدٌ بعدكم إلَّا من عمل مثله، فهو يدرككم فله ثواب ذلك، ويمكن أن يقال إنَّ ذلك كان بشرف صحبة النَّبي صلى الله عليه وسلم، فافهم.

(وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) بفتح النون وسكون الياء، وفي رواية بإفراد الضَّمير، وكذا عند الإسماعيليِّ، ومعنى قولهم (( هو بين ظهرانيهم ) )أنَّه أقام بينهم على سبيل الاستظهارِ والاستتار إليهم كأنَّ ظهرًا منهم قدَّامه، وظهرًا وراءه فهو بينهما، وزيدت فيه الألف والنون المفتوحة للتَّأكيد.

وعند مسلم من رواية ابن عجلان (( ولا يكون أحدٌ أفضل منكم ) )، وقيل ظاهره يخالف ما سبق؛ لأنَّ قوله (( أدركتُم ما سبقكم ) )ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضليَّة، فيلزم المساواة، وعدم المساواة على تقدير عدمِ عملهم مثله.

وأُجيب بأنَّ الإدراك لا يستلزم المساواة، فقد يدرك ثمَّ يفوق ويتجاوزه.

(إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ [1] ) أي إلَّا الغني الذي عمل مثل عملكم، فإنكم لم تكونوا خيرًا منه، بل هو خيرٌ منكم، أو مثلكم.

نعم إذا قلنا الاستثناءُ يرجع إلى الجملة الأولى أيضًا يلزم قطعًا كون الأغنياء، إذ معناه حينئذٍ إن أخذتُم أدركتم إلَّا من عمل مثله، فإنَّكم لا تدركونه.

فإن قيل فالأغنياءُ إذا سبَّحوا يترجَّحون، فيبقى بحاله ما اشتكى الفقراء منه، وهو رجحانهم من جهة الجهاد وأخواته.

فالجواب أنَّ مقصود الفقراء تحصيلُ الدَّرجات العلى، والنَّعيم المقيم لهم أيضًا لا نفي زيادتهم عليهم، كذا قال الكرمانيُّ.

والذي يظهرُ أنَّ مقصودهم إنَّما كان طلب المساواة، ويجوز أن يكون ورود هذا الحديث قبل أن يعلم النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ متمنِّي الشَّيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما سبق في كتاب (( العلم ) )في الكلام على حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( لا حسد إلَّا في اثنتين ) ) [خ¦73] .

فإنَّ في روايةٍ للترمذيِّ من وجه آخر التَّصريح بأنَّ المنفق والمتمنِّي إذا كان صادق النيَّة في الأجر سواء، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم (( من سنَّ سنَّة حسنةً فله أجرُها، وأجرُ من عمل بها من غير أن ينقصَ من أجره شيءٌ ) )، فإنَّ الفقراء في هذه القصَّة كانوا هم السَّبب في تعلُّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قولهم امتاز الفقراء بأجر السبب مضافًا إلى التمنِّي، فلعل ذلك يقاوم التقرُّب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شططِ العيش، وشكر الغنيِّ على التَّنعُّم بالمال.

ومن ثمَّه وقع التَّردد في تفضيل أحدهما على الآخر، كما سيجيء التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

(تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ) كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التَّسبيح على التَّحميد، وتأخير التَّكبير.

وفي رواية ابنِ عجلان تقديمُ التَّكبير على التحميد خاصَّة.

وفيه أيضًا قول أبي صالح (( تقول الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ) )، ومثله لأبي داود من حديث أمِّ الحكم. وله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( تكبِّر وتحمِّد وتسبِّح ) )، وكذا في حديث ابن عمر، وهذا الاختلاف يدلُّ على أن لا ترتيب فيها.

ويستأنسُ لذلك بقوله في حديث (( الباقيات الصَّالحات لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأت ) )، لكن يمكن أن يقال الأولى البداءة بالتَّسبيح؛ لأنَّه يتضمَّن نفي النَّقائص عن الباري سبحانه وتعالى.

ثمَّ التَّحميد؛ لأنَّه يتضمَّن إثبات الكمال له تعالى؛ لأنَّ جميعَ المحامد له تعالى، ولا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال.

ثمَّ التَّكبير؛ لأنه تعظيم وإشارةٌ إلى أنَّ حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام، وتعرفها الأفهام، ومن كان منزَّهًا عن النَّقائص، ومستحقًّا لجميع المحامد يجب تعظيمه، وذلك بالتَّكبير، ثمَّ يختم ذلك كله بالتَّهليل الدال على وحدانيَّته، وانفراده تعالى وتقدَّس بذلك.

ثمَّ الأفعال الثلاثة المذكورة تنازعت في قوله

ج 4 ص 599

(خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ) هذه الرواية مفسرةٌ للرِّواية التي عند المؤلف في (( الدعوات ) )وهي قوله (( دبر كلِّ صلاةٍ ) ) [خ¦6329] [خ¦6330] .

ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذرٍّ (( إثر كلِّ صلاة ) )، وأما رواية (( دُبُر ) )فهي بضمتين، قال الأزهري دُبُر الأمر _ يعني بضمَّتين _ ودَبْره؛ يعني بفتح ثم سكون آخره.

وادَّعى أبو عمر الزاهد أنَّه لا يقال بالضم إلَّا للجارحة، ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دُبُر.

ومقتضى الحديث أنَّ الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخَّر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يعدُّ معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد بعد الصلاة أيضًا كآية الكرسيِّ، فلا يضر.

ثمَّ ظاهر قوله (( كل صلاةٍ ) )يشمل الفرض والنفل، لكن حَمَلَهُ أكثر العلماء على الفرض.

وقد وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التَّقييد بالمكتوبة، فكأنَّهم حملوا المطلق على المقيد، وعلى هذا هل يكون التَّشاغل بعد المكتوبة بالراتبة فاصلًا بين المكتوبة والذكر المذكور أو لا؟ محل نظرٍ، والظَّاهر هو الثاني، والله أعلم.

(ثَلاثًَا وثَلاثِينَ) يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزِّع كان لكلِّ واحدٍ إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سُهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق روح بن القاسم عنه كما سيأتي.

قال الحافظ العسقلاني لكن لم يتابَع سُهيل على ذلك، بل لم أرَ في شيءٍ من طرق الحديث كلِّها التَّصريح بإحدى عشرة إحدى عشرة إلَّا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البزَّار، وإسناده ضعيف.

والأظهر أنَّ المراد أنَّ المجموع لكلِّ فرد فرد، فعلى هذا تنازع ثلاثة أفعالٍ في ظرف ومصدر، والتقدير تسبِّحون خلف كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. انتهى.

والحاصل أنَّه مجملٌ، وتمام الحديث يبيِّن أنَّ المقصود هو الثاني.

(فَاخْتَلفَنَا بَيْنَنا) ظاهره أنَّ القائل فاختلفنا هو أبو هريرة رضي الله عنه، وأنَّ الاختلاف في أنَّ كل واحد ثلاثة وثلاثون، أو المجموع، أو أنَّ تمام المائة بالتكبير أو بغيره وقع بين الصحابة رضي الله عنهم (فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وثَلاثِينَ، ونَحمَدُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي قال أبو هريرة رضي الله عنه فرجعت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

لكن بيَّن مسلم في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ أنَّ القائل (( فاختلفنا ) )هو سُمي، وأنَّه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأنَّ الذي خالفه بعض أهله؛ أي أهل سُمَي، ولفظه قال سُمي فحدَّثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال وهمت، فذكر كلامه، قال فرجعت إلى أبي صالحٍ.

وعلى رواية مسلمٍ اقتصرَ صاحبُ «العمدة» وهو أقرب؛ لأنَّ الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، لكن لم يوصل مسلم

ج 4 ص 600

هذه الزِّيادة، فإنَّه أخرج الحديث عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، ثمَّ قال زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث فذكرها، والغير المذكور يحتمل أن يكون شعيب بن الليث، فإنَّ أبا عوانة قد أخرجه في «مستخرجه» عن الربيع بن سليمان عن شعيب. ويحتمل أن يكون سعيد بن أبي مريم، فإنَّه أخرجه البيهقي والجَوْزقي من طريق سعيد. ويحتمل أن يكون غيرهما.

وقد روى ابن حبَّان هذا الحديث من طريق المعتمر بن سليمان بالإسناد المذكور، فلم يذكر قوله فاختلفنا. .. إلى آخره، ثمَّ قوله (( وتكبِّر أربعًا وثلاثين ) )يروى (( أربعة وثلاثين ) )وإذا كان المميَّز غير مذكور يجوز في العدد التذكير والتأنيث.

وقد جاء (( أربعًا وثلاثين ) )في حديث أبي الدَّرداء عند النسائيِّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بسند قويٍّ.

ومثله لمسلم في حديث كعب بن عُجْرة، ونحوه لابن ماجه من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، لكن شكَّ بعض رواته في أنَّهن أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود ففيه (( ويختمُ المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له. .. إلى آخره ) ).

وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومثله لأبي داود في حديث أمِّ الحكم، ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

قال النوويُّ ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبِّر أربعًا وثلاثين، ويقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له. .. إلى آخره.

وقال غيره بل يجمع بأن يختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرَّةً بلا إله إلا الله على وفق ما وردت به الأحاديث.

(فَقَالَ) أي النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو أبو صالح (تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ) بكسر اللام تأكيد للضمير المجرور (ثَلاَثًا وَثَلَاثُونَ) يروى بالرفع على أنَّه اسم (( كان ) )، ويروى بالنصب على أنه خبر (( كان ) )، واسمها محذوف، والتقدير حتَّى يكون العدد منهنَّ كلهن ثلاثًا وثلاثين، وفي قوله (( منهنَّ كلهن ) )الاحتمال المتقدِّم من أنَّه هل العدد للجميع أو المجموع؟

ورواية ابن عجلان ظاهرها أنَّ العدد للجميع، لكن نقول ذلك مجموعًا، وهذا اختيار أبي صالح، لكنَّ الروايات الثابتة عن غيره الإفراد.

قال القاضي عياض وهو أولى، ورجَّح بعضهم الجمع للإتيان فيه بواو العطف، قال الحافظ العسقلانيُّ والذي يظهر أنَّ كلًا من الأمرين حسن، إلَّا أنَّ الإفراد يتميَّز بأمر آخر، وهو أنَّ الذاكر يحتاج إلى العدِّ، وله على كلِّ حركةٍ كذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلَّا الثلث.

ثمَّ اعلم أنَّه قد اختلفت الرِّوايات في عدد هذه الأذكار الثلاثة، فورد كونه ثلاثًا وثلاثين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه

ج 4 ص 601

في هذا الباب.

وكونه خمسًا وعشرين كما في حديث زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهما أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقولوا كلًا منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها (( لا إله إلا الله خمسًا وعشرين ) ).

ولفظ زيد بن ثابت رضي الله عنه أمرنا أن نسبِّح في دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبِّر أربعًا وثلاثين، فأتى رجلٌ من الأنصار في منامه، فقيل له أمركم محمد أن تسبِّحوا دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّروا أربعًا وثلاثين، قال نعم، قال اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التَّهليل، فلمَّا أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال (( فافعلوا ) ). أخرجه النسائيُّ وابن خُزيمة وابن حبَّان.

ولفظ ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه، وفيه فقيل له سبِّح خمسًا وعشرين، واحمد خمسًا وعشرين، وكبِّر خمسًا وعشرين، وهلِّل خمسًا وعشرين، فتلك مائة. وفيه فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا كما قال. أخرجه النسائي، وجعفر الفريابي.

وكونه إحدى عشرة كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزار، وكونه عشرًا كما وقع في رواية ورقاء عن سُمَي عند المؤلِّف في (( الدَّعوات ) ) (( تسبِّحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا ) ) [خ¦6329] .

قال الحافظ العسقلاني ولم أقفْ في شيءٍ من طُرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه على من تابع ورقاء على ذلك لا عن سُمَيٍّ ولا عن غيره.

ويحتمل أن يكون تأوَّل ما تأوَّل سُهَيل من التوزيع، ثمَّ ألغى الكسر، ويعكر عليه أنَّ السِّياق صريحٌ في كونه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولرواية العشر شواهد

منها عن عليٍّ رضي الله عنه عند أحمد. وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائي في «عمل اليوم والليلة» . وعن عبد الله بن عَمرو عنده. وعند أبي داود والترمذي. وعن أمِّ سلمة عند البزار. وعن أمِّ مالك الأنصاريَّة عند الطبرانيِّ.

وكونه ستًّا في حديث أنس رضي الله عنه في بعض طرقه، ومرةً واحدةً كما في بعض طرقه، وكونه سبعين مرة، كما في حديث زُمَيل الجُهنيِّ، قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال وهو ثانٍ رجله (( سبحان الله وبحمدهِ، وأستغفر الله إنَّه كان توَّابًا سبعين مرَّة، ثمَّ يقول سبعين بسبعمائة ) ). أخرجه الطبرانيُّ في «الكبير» .

وكونه مائة مرة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» من رواية يعقوب بن عطاء، عن عطاء بن أبي علقمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من سبَّح دبر كلِّ صلاة مكتوبةٍ مائة، وكبَّر مائة،

ج 4 ص 602

وحمدَ مائة، غُفِرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر )) .

وجمع البغويُّ في «شرح السنة» بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدرَ في أوقات متعدِّدةٍ على طريق الترقِّي.

ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التَّخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.

ثمَّ إن تعيين هذه الأعداد لا يخلو عن حكمة، فالواجب علينا أن نمتثل ذلك، وإن خفي علينا وجهه؛ لأنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن حِكَمٍ.

ويمكن أن يسفرَ عن وجه الحكمة في تعيين هذه الأعداد بأن يقال في الذِّكر مرَّةً إنَّها أدنى ما يقال ليس تحتها شيء، وفي الستَّة أنَّ الأيَّام ستَّةٌ، فمن ذكر ستَّ مراتٍ فكأنَّه ذكر في كلِّ يومٍ منها مرَّةً، فيستغرق أيامه ببركة الذكر، وفي العشر أنَّ كلَّ حسنةٍ بعشرة أمثالها بالنصِّ وفي إحدى عشرة كذلك، ولكن زيادة الواحد عليها؛ للجزم بتحقيق العشرة، وفي خمسٍ وعشرين أنَّ ساعات الليل والنهار أربع وعشرون، فمن ذكر خمسًا وعشرين، فكأنَّما ذكر في كلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار والواحد الزَّائد؛ للجزم بتحقيقها.

وفي ثلاثٍ وثلاثين أنَّها ضوعفت تكون تسعًا وتسعين، فمن ذكر ثلاثًا وثلاثين فكأنَّما ذكر الله بأسمائه التسعة والتسعين التي ورد بها الحديث.

وفي سبعين أنَّه إذا ذكر الله بهذا العدد يحصل له سبعمائة ثواب، لكلِّ واحد منها عشرة، وقد صرَّح بذلك في حديث زُمَيل الجُهني. وفي مائة القصد فيها المبالغة؛ لأنَّها الدَّرجة الثالثة للأعداد.

ثمَّ إنَّه استنبط من حديث زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم الذي ذكر قبلُ أنَّ مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلَّا لكن يمكن أن يقال لهم أضيفوا إليها التَّهليل ثلاثًا وثلاثين.

وقد ذكر الشَّيخ زين الدين العراقي في «شرح الترمذي» قال كان بعض مشايخنا يقول إنَّ الأعداد الواردة في الأذكار كالذِّكر عقب الصلاة إذا رتَّب عليها ثوابٌ مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثَّواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمةً وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد وتعدِّيه، ولهذا نهى عن الاعتداد في الدعاء، وكذا إذا نقص عنه.

وفيه نظر؛ لأنَّه أتى بالمقدار الذي رتَّب الثَّواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزِّيادة مزيلة لذلك الثَّواب بعد حصوله. انتهى.

قال الحافظ العسقلاني ويمكن أن يفترقَ الحال فيه بالنِّية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثمَّ أتى بالزِّيادة، فالأمر كما قال شيخنا _ يعني زين الدين العراقي _ لا محالة، وإن زاد بغير نيَّة بأن يكون الثَّواب رتب على عشرة مثلًا فرتبه هو على مائة فيتَّجه القول الأول.

وقال العينيُّ الصواب هو الذي قاله الشيخ؛ لأنَّ هذه ليست من الحدود التي نهى

ج 4 ص 603

عن اعتدائها.

والدَّليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من قال حين يصبحُ وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرةٍ، لم يأت أحدٌ يوم القيامة بأفضل ممَّا جاء به، إلَّا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه ) ).

ثمَّ إنَّ الأفضل أن يأتي بهذا الذكر متتابعًا في الوقت الذي عُيِّن فيه، ثمَّ اعلم أنَّ في التَّفصيل بين الفقير الصَّابر، والغني الشَّاكر أقوالًا؛ فذهب الجمهور من الصوفيَّة إلى ترجيح الفقير الصَّابر؛ لأنَّ مدار الطَّريق على تهذيب النَّفس، وزيادة رياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى.

وقال القرطبيُّ في هذه المسألة للعلماء خمسة أقوال تفضيلُ الفقير الصَّابر على الغني الشاكر، وعكسه. وثالثها تفضيل الكفاف، ورابعها أنَّه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وخامسها التوقف؛ لأنَّها مسألة لها عوز، وفيها أحاديث متعارضة.

وقال والذي يظهر أنَّ الأفضل ما اختار الله لنبيَّه صلى الله عليه وسلم، ولجمهور صحابته رضي الله عنهم، وهو الفقيرُ الغير المدقع، ويكفيك من هذا أنَّ فقراءَ المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون بين قنطرة بين الجنة والنَّار يسألونَ عن فضول أموالهم، والله أعلم.

قال ابن بطَّال عن المهلب في هذا الحديث فضل الغني نصًّا لا تأويلًا إذا استوتْ أعمال الغني والفقير فيما افترض الله عليهما، فالمعنى حينئذٍ فضلُ عمل البرِّ من الصَّدقة وغيرها ممَّا لا سبيل للفقراء إليه.

قال ورأيتُ بعض المتكلِّمين ذهب إلى أنَّ هذا الفضل المرتَّب على الذكر المذكور يخصُّ الفقراء دون غيرهم.

قال وغفل عن قوله في نفس الحديث (( إلَّا من عمل مثله ) )فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان.

وقال القرطبيُّ تأوَّل بعضُهم قوله في رواية مسلم من رواية ابنِ عجلان عن سُمي (( ذلك فضلُ الله يؤتيهِ من يشاء ) )بأن قال الإشارة راجعةٌ إلى الثَّواب الذي أخبرتكم به لا يستحقُّه أحدٌ بحسبِ الذكر، ولا بحسب الصَّدقة، وإنَّما هو بفضل الله.

قال وهذا التَّأويل فيه بعدٌ، ولكن اضطرَّ إليه ما يعارضه، وتعقِّب بأنَّ الجمعَ بينه وبين ما يعارضُه ممكنٌ من غير احتياج إلى التَّعسُّف.

وقال ابنُ دقيق العيد ظاهر الحديث القريب من النَّصِّ أنَّه فضَّلَ الغنيَّ، وبعض الناس تأوَّله بتأويل مُستكره كأنَّه يشير إلى ما تقدَّم.

قال والذي يقتضيه النَّظر أنَّهما إن تساويا، وفضلت العبادة الماليَّة أن يكون الغنيُّ أفضل، وهذا لا شكَّ فيه، وإنَّما النَّظر إذا تساويا، وانفردَ كلٌّ منهما بمصلحة ممَّا هو فيه أيُّهما أفضلُ إن فسَّر الفضل بزيادة الثَّواب، فالقياس يقتضِي

ج 4 ص 604

أنَّ المصالح المتعدِّية أفضل من القاصرة فيترجَّح الغني، وإن فسَّر بالأشرف بالنَّسبة إلى صفات النَّفس، فالذي يحصل لها من التَّطهر بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر، ومن ثمَّه ذهب جمهور الصوفيَّة إلى ترجيح الفقير الصَّابر.

ومن فوائد الحديث غير ما ذكر أنَّ العالم إذا سئل عن مسألةٍ يقعُ فيها الخلاف أن يجيبَ بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطَّال، وكأنَّه أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله (( ألا أدلُّكم على أمرٍ تساوونهم فيه ) )وعدل عن قوله نعم هم أفضل منكم بذلك.

ومنها المسابقة إلى الأعمال المحصِّلة للدَّرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولم يُنكر عليهم صلى الله عليه وسلم، فيُؤخذ منه أنَّ قوله (( إلَّا من عمل ) )عام للفقراء والأغنياء خلافًا لمن أوَّله بغير ذلك.

ومنها أنَّ العمل القاصر قد يساوي المتعدِّي خلافًا لمن قال إنَّ المتعدِّي أفضل مطلقًا، نبَّه على ذلك الشَّيخ عزُّ الدين بن عبد السلام.

قال العينيُّ وممَّا يؤيِّده أنَّ الثَّواب الذي يُعطيه الله تعالى لا يستحقُّه الإنسان بحسبِ الأذكار ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنَّما هو فضلُ الله يؤتيه من يشاء.

ومنها أنَّه لا بأس أن يغبطَ الرجلُ الرَّجلَ على ما يفعله من أعمال البرِّ، وأن يتمنَّى أن لو فعل مثل ما فعله، ويتسبَّب في تحصيله لذلك، أو ما يقوم مقامه من أعمال البرِّ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( لا حسد إلَّا في اثنتين ) )الحديث.

أطلق هنا الحسد وأراد به الغبطة، فأمَّا حقيقة الحسد فمذمومٌ، وهو تمنِّي زوال نعمة المحسود كحسدِ إبليس لآدم عليه السلام على تفضيلِ الله تعالى له عليه، وأمَّا قوله تعالى {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء 32] ، فهو تمنِّي ما لا يمكن حصوله له ممَّا خصَّ الله تعالى به غيره كتمنِّي النساء ما خصَّ الله به الرِّجال من الإمامة والأذان وجعل الطلاق إليهنَّ، وكتمنِّي أحد من هذه الأمَّة أن يكون نبيًّا بعد ما أخبر الله تعالى أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء عليهم السلام.

ومنها فضلُ الذِّكر عقيب الصَّلوات؛ لأنَّها أوقاتٌ فاضلةٌ يرجى فيها إجابة الدعاء.

تتمة قد زاد مسلم في رواية ابن عجلان عن سُمَي قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمعَ إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) ).

ثمَّ ساقه مسلم من رواية روح بن القاسم عن سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه فذكر طرفًا منه، ثمَّ قال مثل حديث قتيبة، قال إلَّا إنَّه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى آخره.

ج 4 ص 605

قال الحافظ العسقلانيُّ وكذا رواه أبو معاوية عن سُهيل مدرجًا أخرجه جعفر الفريابي، وتبيَّن بهذا أنَّ الزِّيادة المذكورة مرسلة.

وقد روى الحديث البزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه فرجع الفقراء فذكره موصولًا، لكن قد تقدَّم أنَّ إسناده ضعيف.

ورواه جعفر الفريابي من رواية حرام بن حكيم _ وهو بحاء وراء مهملتين _ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه وقال فيه فقال أبو ذرٍّ يا رسول الله إنَّهم قد قالوا مثل ما نقول؟ فقال (( ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء ) ).

ونقل الخطيب أنَّ حرام بن حكيم يرسل الرِّواية عن أبي ذرٍّ، فعلى هذا لم يصحَّ لهذه الزِّيادة إسنادٌ إلَّا أنَّ هذين الطَّريقين يَقوَى بهما مرسلُ أبي صالح، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل فعلى هذا التقرَّب بهذا الذكر راجحٌ على التَّقرُّب بالمال، ويحتمل أن يقال الضَّمير في (( كنتم ) )للمجموع من السابق والمدرك، وكذا قوله (( إلا من عمل مثل عملكم ) )؛ أي الفقراء فقال الذكر، أو من الأغنياء فتصدَّق أو أنَّ الخطَاب للفقراء خاصَّةً لكن شاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة، فيكون كلٌّ من الصِّنفين خيرًا ممن لا يتقرَّب بذكرٍ ولا صدقةٍ، ويشهدُ له قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البزار (( أدركتُم مثل فضلهم ) )، ولمسلم في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( أَوَ ليس قد جعل لكم ما تصدَّقون إن بكلِّ تسبيحةٍ صدقة، وبكلِّ تكبيرةٍ صدقة ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت