فهرس الكتاب

الصفحة 1347 من 11127

842 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي رواية وهو المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينار، وفي رواية (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَعْبَدٍ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ كُنْتُ أَعْرِفُ) وقال في الوجه السَّابق (( أعلم ) ) [خ¦841] ، وبين العلم والمعرفة فرق، وهو أنَّ المعرفة تستعملُ في الجزئيَّات، والعلم في الكليَّات، ولكن (( أعلم ) )هنا بمعنى أعرف؛ أي أظنُّ ظنًّا غالبًا.

(انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّكْبِيرِ) وفي الوجه الأول بالذِّكر،

ج 4 ص 593

وهو أعمُّ من التَّكبير، ويحتمل أن تكون هذه الرِّواية مفسِّرة للرِّواية السَّابقة، فكان المراد أنَّ رفع الصَّوت بالذكر؛ أي بالتَّكبير، وكأنَّهم كانوا يبدؤون بالتَّكبير قبل التسبيح والتحميد، قاله الحافظ العسقلاني.

(قَالَ) وفي رواية بالواو، ويروى بدل (( قال ) ) (عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (قَالَ كَانَ أَبُو مَعْبَد أَصْدَقُ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ يعني أنَّ أفراد كلامه الصِّدق أكثر من أفراد كلام سائر مواليه، وإلَّا فالصِّدق الذي هو مطابقة الكلام للواقع لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان.

(قَالَ عَلِيٌّ وَاسْمُهُ نَافِذ) بالنون والفاء والذال المعجمة على صيغة الفاعل، ثمَّ قوله زيادةٌ لم تثبت إلَّا في رواية المستملي والكُشميهني، وزاد مسلمٌ في روايته (( قال عمرو _ يعني ابن دينار _ ذكرت ذلك لأبي معبد بعدُ فأنكره، وقال لم أحدِّثك بهذا، قال عَمرو قد أخبرنيه قبل ذلك ) ).

قال الشافعيُّ بعد أن رواه عن سفيان كأنَّه نسيه بعد أن حدَّثه به. انتهى.

وأبعد من قال إنَّما نفى أبو معبد التَّحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار وهو الذي وقع من عَمرو فلا مخالفة، وتردُّه الرِّواية التي فيها (( فأنكره ) )ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكارٌ، وأنَّ الفرق بين التَّحديث والإخبار إنَّما حدث بعد ذلك.

ثمَّ إنَّ ما في رواية مسلم يدلُّ على أنَّه كان يرى صحَّة الحديث، ولو أنكرهُ راويه إذا كان الرَّاوي عنه عدلًا، ولا شكَّ أنَّ عَمرو بن دينار كان عدلًا، وكذا لا شكَّ أنَّ أبا معبد كان عدلًا، فلذلك قال عَمرو فيما حكاه البخاريُّ عنه بواسطة عليٍّ وسفيان كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس رضي الله عنهما.

والحاصل أنَّ الحديث صحيحٌ عند مسلم، وكذا عند البخاريِّ حيث حكى عن عمرو ما حكى، ولا يقدح في صحَّته كون راويه أنكره. فافهم.

ثمَّ إنَّ هذه المسألة معروفة عند أهل علم الحديث بإنكار الأصل تحديث الفَرع، وصورتها أن يروي ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا فيكذِّبه المرويُّ عنه. ولأهل الحديث فيه تفصيل، قالوا إمَّا يجزم بردِّه أو لا، وإذا جزم فإمَّا أن يصرِّح بتكذيب الرَّاوي عنه أو لا، فإن لم يجزم بالردِّ كأن قال لا أذكره، فهو متَّفقٌ عندهم على قبوله؛ لأنَّ الفرع ثقة، والأصل لم يَطعنْ فيه، وإن جزم وصرَّح بالتكذيب فهو متفق عندهم على ردِّه؛ لأنَّ جزم الفرع بكون الأصل حدَّثه يستلزم تكذيبه للأصل في دعواه

ج 4 ص 594

أنَّه كذَّب عليه، وليس قبول أحدهما بأولى من الآخر.

وإن جزم بالردِّ ولم يصرح بالتَّكذيب، فالرَّاجح عندهم قبوله، وأمَّا الفقهاء فقد اختلفوا فيه؛ فذهبَ أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد في رواية إلى أنَّه يسقط العمل به، وهو مختارُ الكرخي والقاضي أبي زيد وفخر الإسلام، وذهب محمَّد ومالك والشَّافعي إلى أنَّه لا يسقط العمل به [1] ونسيان الأصل لا يقدح كما لو جنَّ أو مات.

وقيل الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في هذه المسألة فرع اختلافهما في شاهدين شهدا على القاضي بقضيَّته، والقاضي لا يذكر قضاءه، فإنَّه يقبلُ عند محمد، ولا يقبلُ عند أبي يوسف.

وذكر الإمام فخر الدين في «المحصول» في هذه المسألة تقسيمًا حسنًا وهو أنَّ راوي الفرع إمَّا أن يكون جازمًا بالرِّواية أو لا، فإن كان جازمًا فالأصل إمَّا أن يكون جازمًا بالإنكار أو لا، فإن كان الأول فقد تعارضا فلا يقبل الحديث، وإن كان الثاني فإمَّا أن يقول الأغلب على الظَّنِّ أنِّي ما رويتُه، أو الأمران على السَّواء أو لا يقول شيئًا من ذلك، فالأشبه أن يكون الخبر مقبولًا في جميع هذه الأقسام، وإن كان الفرع غير جازم، بل يقول أظنُّ أنِّي سمعتُ منك، فإن جزم الأصل بأنِّي ما رويته لك تعيَّن الردَّ، وإن قال أظنُّ أنِّي ما رويتُه لك تعارضا، وإن ذهب إلى سائر الأقسام؛ فالأشبه قبوله، والضَّابط أنَّه إذا كان قول الأصل معادلًا لقول الفرع تعارضًا، وإذا ترجَّح أحدُهما على الآخر؛ فالمعتبر هو الراجح.

قال القسطلانيُّ ولعلَّ تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجِّح اقتضاه، وهو تحسينُ الظنِّ بالشيخين، والله أعلم.

[1] من قوله (( وهو مختار ... إلى قوله يسقط العمل به ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت