فهرس الكتاب

الصفحة 1352 من 11127

846 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ، ويروى (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) بتصغير

ج 4 ص 611

الابن وتكبير الأب (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) رضي الله عنه.

وقد أخرج هذا الحديث المؤلف في (( الاستسقاء ) ) [خ¦1038] وفي (( المغازي ) ) [خ¦4147] وفي (( التوحيد ) ) [خ¦7503] وأخرجه مسلم في (( الطب ) )، والنسائي في (( الصلاة ) )، وفي «اليوم والليلة» .

(أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، ويجوز أن تكون (( اللام ) )بمعنى الباء (رَسُولُ اللَّهِ) ويروى في رواية (صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الموحدة وفتح المثناة التحتية المخففة عند البعض وتشديدها عند أكثر المحدِّثين.

وفي كتاب «العلل» لعليِّ المديني الحجازيُّون يخفِّفون الياء، والعراقيون يثقِّلونها.

وقال ابنُ الأثير الحديبية قريةٌ قريبةٌ من مكَّة، سمِّيت ببئر هناك وهي مخفَّفة، وكثيرٌ من المحدِّثين يشدِّدونها.

قال العينيُّ والصَّواب التَّخفيف؛ لأنَّها تصغير حَدْباء سُمِّيت بشجرة هناك حَدْباء بعضها في الحلِّ، وبعضها في الحرم، وهي أبعدُ أطراف الحرم عن البيت، وهي على مرحلةٍ من مكَّة أو أكثر، وهي الموضع الذي صدَّ فيه المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارةِ البيت، وفيه كانت بيعة الرِّضوان تحت الشَّجرة.

قال الرشاطيُّ وفي كتاب البخاريِّ قال اللَّيث، عن يحيى، عن ابن المسيِّب قال وقعتْ الفتنة الأولى يعني بقتل عثمان رضي الله عنه، فلم يبقْ من أصحاب بدر واحدٌ، ثمَّ وقعت الثانية _ يعني الحرَّة _ فلم يبق من أصحابِ الحديبية أحدٌ، ثمَّ وقعت الثالثة فلم ترتفعْ وللناس طَبَاخ.

والطَّبَاخ _ بفتح الطاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف خاء معجمة _ أصله القوَّة والسمن، ثمَّ استُعمل في غيره، فقيل فلانٌ لا طباخَ له؛ أي لا عقلَ له، ولا خيرَ عنده، والمعنى هنا أنَّ الفتنة الثَّالثة في الناس لم تبق من الصَّحابة أحدًا.

وكانت غزوة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ من الهجرة بلا خلاف، وممَّن نصَّ على ذلك الزهريُّ ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق.

(عَلَى إِثْرِ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور، ويجوز فتحها، ويروى (سَمَاءٍ) أي على عقب مطر، أطلق على المطر سماء؛ لأنَّه ينزل من جهة السَّماء، وكلُّ جهة علو تسمَّى سماء (كَانَتْ) بضمير التأنيث الرَّاجع إلى السَّماء، والسَّماء يذكر ويؤنَّث لا يقال قد أريد هنا المطر، وهو مذكر لا غير؛ لأنَّه على لفظها لا على معناها، فافهم.

(مِنَ اللَّيْلِ) ويروى بالتاء (فَلَمَّا انْصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه المنور.

(فَقَالَ) لهم (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) استفهام على سبيل التَّنبيه، ووقع عند النَّسائي في رواية سفيان عن صالح (( ألم تسمعوا ما قال ربَّكم الليلة ) )

ج 4 ص 612

وهذا من الأحاديث القدسيَّة.

(قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بما قال (قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هذه الإضافة تدلُّ على العموم بدليل التَّقسيم إلى مؤمنٍ وكافرٍ، بخلاف مثل الإضافة في قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر 42] ، فإنَّ الإضافة فيه للتَّشريف، وذلك لأنَّ الكافر ليس من أهله فتكون الإضافة لمجرَّد الملك هنا.

وقال الزركشيُّ الإضافة في (( عبادي ) )للتَّغليب، وتعقِّب بأنَّه خلاف الأصل، وقوله (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان، ويقوِّي هذا ما رواه أحمد من رواية نصر بن عاصم اللَّيثيِّ عن معاوية مرفوعًا (( يكون النَّاس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقًا من عنده، فيصبحون مشركين، يقولون بنوء كذا ) ).

وعن هذا قال القرطبيُّ معناه الكفر الحقيقي؛ لأنَّه قابله بالإيمان حقيقةً، وذاك في حقِّ من اعتقد أنَّ المطرَ من فعل الكوكب، ويحتملُ أن يرادَ به كفر النِّعمة إذا اعتقدَ أنَّ الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه، ثمَّ تكلَّم بهذا القول فهو مخطئٌ لا كافر، وخطؤه من وجهين

الأول مخالفته للشَّرع، والثَّاني تشبُّهه بأهل الكفر في قولهم وذلك لا يجوز؛ لأنَّا أمرنا بمخالفتهم في الأقوال والأفعال.

(فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) ويروى بالواو، وللكُشميهني .

النَّوْء _ بفتح النون وسكون الواو وفي آخره همزة _. قال الخطابيُّ النَّوء الكوكب، ولذلك سمُّوا نجوم منازل القمر الأنواء، وإنَّما سمى النَّجم نَوْءًا؛ لأنَّه ينوء طالعًا عند مغيب مقابله ناحية المغرب.

وقال ابن الصَّلاح النَّوء ليس في أصله نفس الكوكب، فإنَّه مصدر ناء النَّجم إذا سقط وغاب، وقيل أي نهضَ وطلع.

وقال أبو عبيدة الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معرفة المطالع في أزمنة السنَّة كلها، وهي المعروفة بمنازل القمر، يسقط في كلِّ ثلاث عشرة ليلةً نجم منها في المغرب مع طلوعِ مقابله في المشرقِ من ساعته، وهم كانوا ينسبون المطرَ إلى الغارب منها. وقال الأصمعيُّ إلى الطَّالع.

ثمَّ إنَّ النَّجم نفسه سمي نوءًا تسميةً للفاعل بالمصدر، وقال ابن الأعرابيِّ السَّاقطة منها هي الأنواءُ، والطَّالعة منها هي البوارح.

وقيل وإنَّما سمي نوءًا؛ لأنَّه إذا سقط السَّاقط ناء الطَّالع، وذلك النُّهوض هو النَّوء، وانقضاء هذه الثَّمانية والعشرين مع انقضاء السنة.

وكانت العرب في الجاهليَّة إذا سقط منها نجم، وطلع آخر يقولون لا بدَّ أن يكون عند ذلك مطر أو ريح، فيقولون مطرنا بنوء كذا؛ أي المطر كان من أجل أنَّ الكوكب ناء، وأنَّه هو الذي هاجه، فيضيفون النِّعمة في ذلك إلى غير الله، وهو المنعم عليهم بالغيث والسُّقيا فزجرهم على هذا القول فسمَّاه كفرًا، إذ كان يفضي إلى الكفر إذا اعتقد أنَّ الفعل للكوكبِ وهو بفعل الله تعالى لا شريك له.

وقال النوويُّ

ج 4 ص 613

اختلفوا في كفر من قال مُطرنا بنوء كذا على قولين

أحدهما أنَّه كفر بالله سالب للإيمان، وهذا فيمن قال معتقدًا أنَّ الكوكب فاعلٌ منشئٌ للمطر كما يزعم أهل الجاهليَّة، فلو قال مطرنا به معتقدًا أنَّه من فضل الله، والنَّوء ميقاتٌ له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنَّه قال مطرنا في وقت كذا، فإنَّه لا يكفر.

والثَّاني أنَّه ليس كفرًا بالله بل كفرًا بنعمة الله؛ لإضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب.

وقال صاحب «المطالع» وقد أجازَ العلماء أن يقال مُطرنا في نوء كذا، ولا يقال بنوء كذا، ويحكى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول مُطرنا بنوء الله تعالى. وفي رواية (( مطرنا بنوء الفتح ) ). ثمَّ يتلو {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر 2] .

وفي «الأنواء الكبير» لأبي حنيفة الذي عندي في الحديث أنَّ المطر كان من أجل أنَّ الكوكب ناء، وأنَّه هو الذي هاجه، وأمَّا من زعم أنَّ الغيثَ يحصل عند سقوط الثريا، فهذا وما أشبهه إنَّما هو إعلام للأوقات والفصول، وليس من وقتٍ ولا زمن إلَّا وهو معروفٌ بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره.

واعلم أنَّ (( كذا ) )يَرِدُ على ثلاثة أوجه

أحدها أن تكون كلمتين باقيتين على أصلِهما، وهما كاف التَّشبيه، و (( ذا ) )للإشارة كقولك رأيت زيدًا فاضلًا ورأيت عَمرًا كذا، ويدخلُ عليها هاء التنبيه، كقوله تعالى {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النمل 42] .

الثاني أن تكون كلمة واحدة مركَّبة من كلمتين مكنيًا بها عن غير العدد.

الثالث كذلك لكن مكنيًّا بها عن العدد، وما نحن فيه من القسم الثاني.

وفي حديث أبي سعيد عند النسائي (( مطرنا بنوء المِجْدَح ) )بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة بعدها حاء مهملة، ويقال بضم أوله، وهو الدَّبْران _ بفتح الدال المهملة والموحدة وبالراء _ سمي بذلك؛ لاستدباره الثريا، وهو نجمٌ أحمرُ منير.

وقال ابن قتيبة كلُّ النُّجوم المذكورة له نوء غير أنَّ بعضها أحمر أغزر من غيره، ونوء الدَّبْران غير محمود عندهم.

وفي الحديث طَرْحُ الإمام المسألة على أصحابه تنبيهًا لهم أن يتأمَّلوا ما فيها من الدقَّة.

وفيه أنَّ الله تعالى خلق لكلِّ شيء سببًا يضاف إليه حكم، وفي الحقيقة الفاعل هو الله تعالى القادر على كلِّ شيء.

وفيه بيان جلالة قدر النبيِّ صلى الله عليه وسلم من حيث أخبر عن الله عزَّ وجلَّ بغير واسطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت