فهرس الكتاب

الصفحة 1355 من 11127

848 - (وَقَالَ لَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس. قال الكرماني لم يقل حدَّثنا آدم؛ لأنَّه لم يذكره لهم نقلًا وتحميلًا، بل مذاكرة ومحاورة، ومرتبته أحطُّ درجة من مرتبة التَّحديث.

وقال الحافظ العسقلانيُّ هو محتمل، لكنَّه ليس بمطَّرد؛ لأنِّي وجدت كثيرًا ممَّا قال فيه قال لنا في (( الصَّحيح ) )قد أخرجه في تصانيف أخرى بصيغة (( حَدَّثنا ) )، وإنَّما عبَّر بقوله (( قال لنا ) )؛ لكونه موقوفًا مغايرة بين المرفوع والموقوف.

وقال العينيُّ الصَّواب ما ذكره الكرماني أنَّه من باب المذاكرة، وكذا قال صاحب «التَّوضيح» أنَّه من باب المذاكرة.

والكرماني ما ادَّعى الاطراد فيه حتَّى يكون هذا محتملًا، بل الظَّاهر معه أنَّه غير موصول ولا مسنَد، ولا يلزم من قوله (( لأنِّي وجدت كثيرًا. .. إلى آخره ) )أن يكون قد أسند أثر ابن عمر رضي الله عنهما هذا في تصنيف آخر غيره بصيغة التَّحديث.

ولهذا قال صاحب «التَّلويح» هذا التَّعليق أسنده ابن أبي شيبة عن ابن عُلَيَّة عن أيُّوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يصلِّي سُبْحته مكانه.

(حَدَّثَنَا) وفي رواية (شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما (قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يُصَلِّي) أي النَّفل (فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ) ويروى .

وقد اختلف العلماء في هذا الباب فأكثرهم كما نقله عنهم ابن بطَّال على كراهة مكث الإمام إذا كان إمامًا راتبًا، إلَّا أن يكون مكثه لعلَّة كما فعله الشَّارع، قال وهو قول الشَّافعي وأحمد.

وقال أبو حنيفة كل صلاة يُتنفَّلُ بعدها يقوم، وما لا يُتنفَّل بعدها كالعصر والصُّبح فهو مخيَّر، وهو قول أبي مجلز لاحق بن حميد.

وقال أبو محمَّد من المالكيَّة يتنفَّل في الصَّلوات كلها؛ ليتحقَّق

ج 4 ص 615

المأموم أنَّه لم يبق عليه من سجود السَّهو ولا غيره.

وحكى الشَّيخ قطب الدِّين الحلبي في «شرحه» هكذا عن محمَّد بن الحسن، وذكره ابن التِّين أيضًا. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قالا كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم لم يقعد إلَّا مقدار ما يقول (( اللَّهم أنت السَّلام، ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) ).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا كان صلى الله عليه وسلم إذا قضى صلاته انتقل سريعًا إمَّا أن يقوم، وإمَّا أن ينحرف. وقال سعيد بن جبير شرَّق أو غرَّب، ولا يستقبل القبلة.

وقال قتادة كان الصِّدِّيق رضي الله عنه إذا سلم كأنَّه على الرِّضف حتَّى ينهض. وقال ابن عمر رضي الله عنهما الإمام إذا سلَّم قام. وقال مجاهد قال عمر رضي الله عنه جلوس الإمام بعد السَّلام بدعة.

وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنَّ الإمام إذا سلَّم قام، ومن صلَّى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه، إلَّا رواية عن الحسن والزُّهري، ذكره عبد الرَّزَّاق.

وقال الحسن لا تنصرفوا حتَّى يقوم الإمام، وقال الزُّهري إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به، وجماعة النَّاس على خلافهما. وروى ابن شاهين في «المنسوخ» من حديث سفيان عن سِمَاك عن جابر كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الغداة لم يبرح من مجلسه حتَّى تطلع الشَّمس.

ومن حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكان ساعة يسلِّم يقوم، ثمَّ صلَّيت مع أبي بكر رضي الله عنه كان إذا سلَّم وثب من مكانه كأنَّه يقوم عن رَضْفة، ثمَّ حمل ابن شاهين الأوَّل على صلاة لا يعقبها نافلة، والثَّاني على مقابله.

ثمَّ اعلم أنَّ الجمهور على أنَّ الإمام لا يتطوَّع في مكانه الذي صلَّى فيه الفريضة. وذكر ابن أبي شيبة عن عليٍّ رضي الله عنه لا يتطوَّع الإمام حتَّى يتحوَّل من مكانه، أو يفصل بينهما بسلام. وكرهه ابن عمر رضي الله عنهما للإمام، ولم ير به بأسًا لغيره. وعن القاسم أنَّ الإمام إذا سلَّم فواسع أن يتنفَّل في مكانه.

قال ابن بطَّال ولم أجده لغيره من العلماء، وذكر ابن التِّين أنَّه قول أشهب.

(وَفَعَلَهُ) أي صلاة النَّفل في موضع الفريضة (الْقَاسِمُ) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم، وقد وصله ابن أبي شيبة، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر قال رأيت القاسم وسالمًا يصلِّيان الفريضة ثمَّ يتطوَّعان في مكانهما.

(وَيُذْكَرُ) على البناء للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه حال كونه قد (رَفَعَهُ) بفتحات على أنَّه ماض؛ أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى بفتح فسكون فضم على أنَّه مصدر مضاف إلى الفاعل، مرفوع على أنَّه نائب

ج 4 ص 616

عن الفاعل.

وقوله (لاَ يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ) بضم العين على أنَّه نفي أو بالجزم على أنَّه نهي، فكسرت لالتقاء السَّاكنين (فِي مَكَانِه) الذي صلَّى فيه الفريضة في محل النصب على أنَّه مفعول المصدر المضاف إلى الفاعل، أو في محل الرَّفع على أنه نائب عن الفاعل؛ لقوله (( يذكر ) )على رواية (( رَفَعَهُ ) )بالفتحات، ذكره البخاري بالمعنى.

أخرجه أبو داود قال حَدَّثنا مسدَّد، قال حدثنا حمَّاد، وعبد الوارث، عن ليث، عن الحجَّاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيعجز أحدكم أن يتقدَّم أو يتأخَّر، أو عن يمينه، أو عن شماله ) )زاد حمَّاد (( في الصَّلاة _ يعني في السبحة _ ) ). ولابن ماجه (( إذا صلَّى ) )، وللبيهقيِّ (( إذا أرادَ أحدُكم أن يتطوَّع بعد الفريضة فليتقدَّم ) )الحديث.

(وَلَمْ يَصِحَّ) هو كلام البخاري؛ أي لم يثبتْ هذا التَّعليق، وذلك لضعف إسنادهِ واضطرابه؛ لأنَّ فيه إبراهيم بن إسماعيل. قال أبو حاتم هو مجهول، وتفرَّد به ليث بن سليم، وهو ضعيفٌ، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في «تاريخه» وقال لم يثبتْ هذا الحديث، ولكنَّ أبا داود لمَّا رواه سكت فيه، وسكوته دليل رضاه به.

وفي «صحيح مسلم» ما يشدُّه وهو أنَّ معاوية رضي الله عنه رأى السَّائب بن يزيد ابن أخت نَمِر صلَّى بعد الجمعة في المقصورة، قال فلمَّا سلَّم الإمام قمت في مقامي فصلَّيت، فأرسل إليَّ لا تعد لما فعلت إذا صلَّيت الجمعة فلا تصلِّها بصلاة حتَّى تتكلَّم أو تخرج، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك.

وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ (( لا يصلِّي الإمام في الموضع الذي صلَّى فيه حتَّى يتحوَّل ) )رواه أبو داود، وإسناده منقطعٌ.

وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسنٍ عن عليٍّ رضي الله عنه قال من السنَّة أن لا يتطوَّع الإمام حتَّى يتحوَّل عن مكانه.

وحكى ابن قدامة في «المغني» عن أحمد أنَّه كره ذلك وقال لا أعرفه عن غير عليٍّ، فكأنَّه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة ولا المغيرة رضي الله عنهما، وبذلك استدلَّ أصحابنا أنَّ الرَّجل لا يتطوَّع في مكان الفرض. وإليه ذهب ابن عبَّاس وابن الزُّبير وأبو سعيد رضي الله عنهم، وكذا عطاء والشَّعبي. وكأنَّ المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النَّافلة بالفريضة.

وقال صاحب «المحيط» ولا يتطوَّع في مكان الفرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدَّم أو يتأخَّر بسبحته ) )ولأنَّه ربَّما يشتبه حاله على الدَّاخل فيحسب أنَّه في الفرض فيقتدي به في الفرض، وأنَّه لا يجوز. انتهى.

ثمَّ إنَّه يؤخذ من مجموع الأدلَّة أنَّ للإمام أحوالًا؛ لأنَّ الصَّلاة إمَّا أن تكون ممَّا يتطوَّع بعدها، أو لا يتطوَّع.

الأوَّل اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوُّع بالذكر المأثور، ثمَّ يتطوَّع وهو الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفيَّة يبدأ

ج 4 ص 617

بالتطوُّع، وحجَّة الجمهور حديث معاوية رضي الله عنه، ويمكن أن يقال لا يتعيَّن الفصل بين الفريضة والنَّافلة بالذكر، بل إذا تنحَّى عن مكانه كفى.

فإن قيل لم يثبت الحديث في التنحِّي.

فالجواب أنَّه قد ثبت في حديث معاوية (( أو تخرج ) )، ويترجَّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصَّحيحة بدبر الصَّلاة. وزعم بعض الحنابلة أنَّ المراد بدبر الصَّلاة ما قبل السَّلام.

وتعقِّب بحديث (( ذهب أهل الدُّثور ) )فإنَّ فيه (( تسبِّحون دُبُر كل صلاة ) )وهو بعد السَّلام جزمًا، فكذلك ما شابهه، وأمَّا الصَّلاة التي لا يتطوَّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيَّن له مكان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا، وعلى الثَّاني إن كان للإمام عادة أن يعلِّمهم أو يعظهم، فيستحبُّ أن يُقبِلُ عليهم جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذِّكر المأثور، فهل يُقبِلُ عليهم جميعًا أو ينفتل فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة ويدعو، والثَّاني هو الذي جزم به أكثر الشَّافعية.

ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمر مستقبلًا للقبلة من أجل أنَّها أليق بالدُّعاء، ويحمل الأوَّل على ما لو طال الذِّكر والدُّعاء، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت