856 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج المقعد البصري (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي ابن سعيد العنبري البصري (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن صهيب البُناني البصري (قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسميته (أَنَسًا) وفي رواية .
(مَا سَمِعْتَ) بلفظ الخطاب وكلمة (( ما ) )استفهاميَّة (نَبِيَّ اللَّهِ) وفي نسخة (فِي الثُّومِ؟) وفي رواية وفي أخرى أي في شأنه وحكمه.
(فَقَالَ) أنس رضي الله عنه (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) أي الثُّوم، وقد مرَّ وجه إطلاق الشَّجرة على الثُّوم (فَلاَ يَقْرَبَنَا) بفتح الراء والموحدة وبنون التأكيد المشددة (وَلاَ يُصَلِّيَنَّ) عطف عليه بنون التأكيد المشددة أيضًا (مَعَنَا) بسكون العين وفتحها؛ أي مصاحبًا لنا، وليس في هذا تقييد النَّهي بالمسجد، فيستدلُّ بعمومه على إلحاق حكم المَجامع بالمساجد كمصلَّى العيد والجنازة ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسُّك بهذا العموم أولى.
ونظيره قوله (( وليقعد في بيته ) )، لكن قد علَّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان
ج 4 ص 631
كلٌّ منهما جزء علَّة اختصَّ النَّهي بالمساجد وما في معناها، ولا يختصُّ بمسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعضُ العلماء على ما نقله النَّووي، وهذا هو الأظهر، وإلَّا لعم النَّهي كل مجمع كالأسواق.
ويؤيِّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند مسلم (( من أكل من هذه الشَّجرة شيئًا فلا يقربنَّا في المسجد ) ).
قال القاضي ابن العربي ذكر الصِّفة في الحكم يدلُّ على التَّعليل بها، ومن ثمة ردَّ على المازري حيث قال لو أنَّ جماعة مسجدٍ أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضُهم؛ لأنَّ المنع لم يختصَّ بهم، بل بهم وبالملائكة.
وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحدَه، وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخرٌ، أو به جرحٌ له رائحة. وزاد بعضُهم فألحق القصَّاب والسَّماك والمجذوم والأبرص ومن يؤذي النَّاس بلسانه.
وأشار ابنُ دقيق العيد إلى أنَّ ذلك كلَّه توسُّع غير مرضيِّ، ثمَّ حكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت عند مسلم عن عمر رضي الله عنه.
وقد استدلَّ بأحاديث الباب على كراهة أكل الثُّوم النيء، وأنَّه لا يحرم. أمَّا الكراهة فلرائحته الكريهة، ولهذا قال (( من أكل من هذه الشَّجرة فلا يغشانا في مسجدنا ) ).
وأمَّا عدم الحرمة فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي في الباب (( كل فإنِّي أناجي من لا تناجي ) ) [خ¦855] .
وقال ابن بطَّال قوله صلى الله عليه وسلم (( من أكل ) )يدلُّ على إباحة أكل الثُّوم؛ لأنَّه لفظ يدلُّ على الإباحة.
وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّ هذه الصِّيغة إنما تعطي الوجود لا الحكم، معناه من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحًا أو غير مباح. انتهى.
ولا حاجة إلى الاستدلال على الإباحة بهذه الطَّريقة، فإنَّ حديث جابر يدلُّ على إباحته صريحًا. وكذا ما رواه التِّرمذي بإسناده إلى سِمَاك بن حرب أنَّه سمع جابر بن سَمُرة يقول نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيُّوب، وكان إذا أكل طعامًا بعث إليه بفضله فبعث إليه يومًا بطعام، ولم يأكل منه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أتى أبو أيُّوب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( فيه الثُّوم ) )فقال يا رسول الله أحرام هو؟ قال (( لا، ولكنِّي أكرهه من أجل ريحه ) ).
وهذا في الثُّوم النيئ، وأمَّا الثُّوم المطبوخ فلا يكره؛ لما روى أبو داود بإسناده إلى عليٍّ رضي الله عنه قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثُّوم إلَّا مطبوخًا.
وروى أيضًا من حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشَّجرتين وقال (( من أكلهما فلا يقربنَّ مسجدنا ) )وقال (( إن كنتم آكليهما فأميتوهما طبخًا ) )، والبصل والكرَّاث في هذا الباب مثل الثُّوم.
وكذا الخضرات التي لها رائحة من البقول، ومنها الفِجل، ونصَّ على الفجل في «المعجم الصغير» للطَّبراني، وذكر مع الثُّوم والكرَّاث في حديث أبي الزُّبير عن جابر، لكن في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف. ونقل ابن التِّين عن مالك أنَّ الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثُّوم. وقيَّده القاضي عياض بالجشاء، وإنَّما خصَّ ما خصَّ بالذكر في الحديث من الثُّوم والبصل والكرَّاث؛ لكثرة أكلهم لها.
وفي «التَّوضيح» وشذَّ أهل الظَّاهر، فحرَّموا هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة، وهي عندهم
ج 4 ص 632
فرض، وتقريره أن يقال صلاة الجماعة فرض عين ولا يتمُّ إلَّا بترك أكلها، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب فترك أكلها واجب فيكون حرامًا. انتهى.
وكذا نقل غيره عن أهل الظَّاهر، لكن صرَّح ابن حزم منهم بأنَّ أكلها حلال مع قوله بأنَّ الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللُّزوم المذكور بأنَّ المنع من أكلها يختصُّ بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرَّائحة.
ونظيره أنَّ صلاة الجماعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك يسقط بالسفر وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النِّداء.
ثمَّ إنَّه اختلف هل كان أكل ذلك حرامًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ والرَّاجح الحل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (( وليس بمحرَّم ) )كما تقدَّم.
وفي «تحرير المطالع» للأزهريِّ ذكر السَّمعاني بسنده إلى فرقد السَّبخي ما دخل نبيٌّ حمامًا، ولا أكل ثومًا ولا بصلًا ولا كرَّاثًا. انتهى.
وممَّا استدلَّ له بأحاديث الباب أيضًا أنَّ إقامة الفرض بالجماعة ليست بفرض؛ لأنَّ أكل الثُّوم ونحوه جائز، ومن لوازمه الشَّرعيَّة ترك الصَّلاة بالجماعة، وترك الجماعة في حقِّ أكله جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب.
وقال ابنُ دقيق العيد لأنَّ اللَّازم عنه أحد أمرين إمَّا أن يكون آكل هذه الأشياء مباحًا، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو حرامًا فتكون صلاة الجماعة فرضًا، وجمهور الأمَّة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين.
وممَّا استدلَّ له بأحاديث الباب أيضًا أنَّ أكل الثُّوم ونحوه من الأعذار المرخِّصة في ترك حضور الجماعة. وقد يقال إنَّ هذا الكلام خرج مخرج الزَّجر عن أكل هذه الأشياء، فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها، إلَّا أن تدعو إلى أكلها ضرورة.
قال الخطَّابي توهَّم بعضهم [1] أنَّ أكل الثُّوم عذر في التخلُّف عن الجماعة، وإنَّما هو عقوبة لآكله على فعله، إذ حُرِمَ فضلَ الجماعة، لكن قوله صلى الله عليه وسلم (( قرِّبوها ) )إلى بعض أصحابه يبعِّد ذلك، ويمكن حمله على حالتين بأنَّ الزَّجر وقع في حقِّ من أراد إتيان المسجد، والإذن في التقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك، بل لم يكن المسجد النَّبوي إذ ذاك. فقد تقدَّم أنَّ الزَّجر متأخِّر عن قصة التَّقريب بستِّ سنين؛ لأنَّ الأمر بالتَّقريب كان حين قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة.
ومن جملة أحاديث الزَّجر حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو كان في غزوة خيبر وهي كانت في سنة ستٍّ. واستدلَّ المهلَّب بقوله (( فإنِّي أناجي من لا تناجي ) )على أنَّ الملائكة أفضل من الآدميِّين.
وتعقِّب بأنَّه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس، وقد علم في موضعه.
فائدة وفي الباب عن عمر وأبي أيُّوب وأبي هريرة وأبي سعيد
ج 4 ص 633
وجابر بن سمرة وقرة وابن عمر، وكذا عن حذيفة وأبي ثعلبة الخشني والمغيرة بن شعبة وعلي وأنس وعبد الله بن زيد رضي الله عنهم.
فحديث عمر عند مسلم وغيره.
وحديث أبي أيُّوب عند التِّرمذي، وحديث أبي هريرة عند مسلم، وحديث أبي سعيد عند مسلم أيضًا، وحديث جابر بن سَمُرة عند التِّرمذي، وحديث قرَّة عند البيهقي.
وحديث ابن عمر عند البخاري [خ¦853] ومسلم، وحديث حذيفة عند ابن حبَّان، وحديث أبي ثعلبة عند الطَّبراني في «الأوسط» ، وحديث المغيرة عند التِّرمذي، وحديث علي عند أبي نعيم في «الحلية» ، وحديث أنس عند البخاري [خ¦856] وغيره، وحديث عبد الله بن زيد عند الطَّبراني، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وكأنَّه يخصُّ الرخصة بما لا سبب للمرء فيه كالمطر مثلًا، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أكلها حرامًا ولا أنَّ الجماعة فرض عين. منه.