فهرس الكتاب

الصفحة 1367 من 11127

857 - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى) وفي رواية أي ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية بالجمع (غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وفي آخره راء، وهو لقب محمَّد بن جعفر البصري.

(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ) بن أبي سليمان فيروز أبا إسحاق (الشَّيْبَانِيَّ) الكوفي.

(قَالَ سَمِعْتُ) عامرًا (الشَّعْبِيَّ، قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ) من الصَّحابة، وجهالة الصَّحابي غير قادحة في الإسناد، فإنَّ كلهم عدول (مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية التِّرمذي (( أخبرني من رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ) (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) على صيغة مفعول من النَّبذ؛ أي على قبر منفرد في ناحية عن القبور، ويروى بالإضافة؛ أي على قبر لقيط؛ أي قبر ولد مطروح.

وقال ابن الجوزي وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه جاء في بعض ألفاظ الحديث (( أتى قبرًا منبوذًا ) ). انتهى. ويؤيِّد ما قاله رواية التِّرمذي (( ورأى قبرًا منتبذًا فصفَّ أصحابه ) )الحديث.

وقال الخطَّابي إنَّه رُوِي على الوجهين؛ يعني بالإضافة وبالتنوين على التَّوصيف.

وقال الحافظ الدِّمياطي من رواه منوَّنًا فيهما على النَّعت؛ أي منتبذًا عن القبور ناحية، يقال جلست نبذة _ بالفتح والضم _؛ أي ناحية، ويرجع إلى معنى الطَّرح، فكأنَّه طرح في غير موضع قبور النَّاس. وفي رواية (( بغير تنوين على الإضافة، فمعناه قبر لقيط وولد مطروح، والرِّواية الأولى أصح؛

ج 4 ص 635

لأنَّه جاء في بعض طرق البخاري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في التي كانت تقم المسجد )) .

وجاء في رواية ابن ماجه من حديث عامر بن ربيعة أنَّ امرأة سوداء ماتت الحديث، وفيه قال لأصحابه (( صفُّوا عليها وصلَّى عليها ) ).

وفي رواية النَّسائي وابن ماجه من حديث يزيد بن ثابت أنَّهم خرجوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى قبرًا حديثًا قال (( ما هذا؟ ) )قالوا فلانة مولاة فلان، الحديث وفيه فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم وَصَفَّ النَّاس خلفه فكبَّر عليها أربعًا.

وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي سعيد قال كانت سوداء تقمُّ المسجد، الحديث، وفيه فخرج؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه فوقف على قبرها فكبَّر عليها والنَّاس خلفه. وفي رواية النَّسائي من حديث أبي أُمامة بن سهل أنَّه قال مرضت امرأة من أهل العراق، الحديث، وفيه (( فأتى قبرها وكبَّر أربعًا ) ).

(فَأَمَّهُمْ) النَّبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة عليه (وَصَفُّوا عَلَيْهِ) أي على القبر، والصاد مفتوحة والفاء مضمومة، وفي رواية (فَقُلْتُ) أي قال الشَّيباني فقلت (يَا بَا عَمْرٍو) بحذف الهمزة للتخفيف، وهو كنية الشَّعبي (مَنْ حَدَّثَكَ) بهذا؟ (فَقَالَ) وفي رواية (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان إذ ذاك صغيرًا طفلًا، وحضر الجماعة ودخل في صفِّهم وصلَّى معهم، ولم يكن صلَّى إلَّا بوضوء، والأصح أنَّه كان عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث عشرة سنة.

ورجال إسناده ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي. وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الجنائز ) )أيضًا [خ¦1319] ، وكذا مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه

ومن فوائد الحديث جواز الصَّلاة على القبر. قال أصحابنا وإن دُفِنَ الميِّت ولم يصلَّ عليه صلَّى على قبره ولا يخرج منه ويصلِّي عليه ما لم يعلم أنَّه تفرَّق هكذا في «المبسوط» ، وهذا يشير أنَّه إذا شكَّ في تفرُّقه وتفسُّخه يصلَّى عليه، وقد نصَّ الأصحاب على أنَّه يصلِّي عليه مع الشَّك في ذلك، ذكره في «المفيد والمزيد» و «جوامع الفقه» .

وبقولنا قال الشَّافعي وأحمد، وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن الزُّبير رضي الله عنهم. وكذا قول ابن سيرين والأوزاعي. ثمَّ إنَّه هل يشترط جواز الصَّلاة على قبره بكونه مدفونًا بعد الغسل، فالصَّحيح أنَّه يشترط. وروى ابن سماعة عن محمَّد أنَّه لا يشترط، وهذا الذي ذكرنا إذا دفن بعد الغسل قبل الصَّلاة، وإذا دفنوه بعد الصَّلاة عليه، ثمَّ تذكَّروا أنَّهم لم يغسلوه، فإن لم يهيلوا التُّراب عليه يخرج، ويغسل ويصلَّى عليه، وإن أهالوا التُّراب عليه لم يُخرَج، ثمَّ هل يصلَّى عليه ثانيًا في القبر؟ ذكر الكرخي أنَّه يصلَّى عليه.

وفي «النوادر» عن محمَّد القياس أن لا يصلَّى عليه، وفي الاستحسان يصلَّى عليه. وفي «المحيط» لو صلَّى عليه من لا ولاية عليه يصلَّى على قبره. والاعتبار

ج 4 ص 636

في كونه قبل التفسخ بغالب الظَّن، فإن كان غالب الظَّن أنَّه تفسَّخ لا يصلَّى عليه، وإلَّا يصلَّى عليه. وعن أبي يوسف يصلَّى عليه إلى ثلاثة أيَّام، وللشَّافعي ستة أوجه

أوَّلها إلى ثلاثة أيام. ثانيها إلى شهر كقول أحمد. ثالثها ما لم يَبْلَ جسده. رابعها يصلِّي عليه من كان من أهل الصَّلاة عليه يوم موته. خامسها يصلِّي عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة عليه يوم موته. سادسها يصلِّي عليه أبدًا.

فعلى هذا تجوز الصَّلاة على قبور الصَّحابة ومن قبلهم اليوم، واتَّفقوا على تضعيفه، وممَّن صرَّح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي. وقال إسحاق يصلِّي القادم من السَّفر إلى شهر، والحاضر إلى ثلاثة أيام.

وقال سحنون من المالكيَّة لا يصلى على القبر. وقالت المالكيَّة في جواب الحديث المذكور إنَّه علَّل الصَّلاة على القبر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بـ (( إنَّ هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإنَّ الله ينوِّرها بصلاتي عليهم ) )قالوا فأثبت تنويرها بصلاته صلى الله عليه وسلم عليهم لا بصلاة غيره.

وقال ابن حبَّان ولو كان خاصًّا لزجر أصحابه أن يصطفُّوا خلفه، ويصلُّوا معه على القبر، ففي ترك إنكاره أبين البيان أنَّه فعل مباح له ولأمَّته معًا.

فإن قيل روى البخاري عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلَّى على قتلى أُحد بعد ثمان سنين.

فالجواب أنَّ ذلك محمول على الدُّعاء، كذا ذكره السَّرخسي، وهو غير سديد؛ لأنَّ الطَّحاوي روى عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلَّى على قتلى أحد صلاته على الميِّت. والجواب السَّديد أنَّ أجسادهم لم تَبلَ.

وفي «الموطَّأ» أنَّ عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمر الأنصاريِّين كان السَّيل حفر قبريهما، وهما من شهداء أُحد، فوجدا لم يتغيَّرا كأنَّهما ماتا بالأمس، ولقتْلِهما ستَّةٌ وأربعون سنة.

ومن فوائده أيضًا أنَّ اللَّقيط إذا وجد في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصَّلاة عليه، ونحوها من أحكام الدِّين.

واستدلَّ به قوم على كراهة الصَّلاة إلى المقابر؛ لأنَّه جعل انتباذ القبر عن القبور شرطًا في جواز الصَّلاة، وفيه نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت