858 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن جعفر أبو الحسن الذي يقال له ابن المديني البصري (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، الإمام القدوة ممَّن يُستقى به، يقولون إنَّ جبهته نقبت من كثرة السُّجود، وكان لا يقبل جوائز السُّلطان، مات سنة ثنتين وثلاثين ومئة.
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) هو أبو محمَّد الهلالي، مولى ميمونة بنت الحارث زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، مات سنة ثلاث ومائة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه.
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 637
قَالَ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) أي متأكَّد، كما تقول لصاحبك حقُّك واجب عليَّ؛ أي كالواجب في كونه متأكدًا، لا أنَّ المراد هو الواجب المحتَّم المعاقب على تركه.
ويشهد لهذا التَّأويل أحاديث صحيحة غير هذا كحديث سَمُرة رضي الله عنه (( من توضَّأ فبها ونعمت، ومن اغتسلَ فهو أفضل ) )وسيأتي الكلام فيه مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.
(عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي بالغ مدرك.
ومطابقة هذا الحديث للجزء الثَّاني من التَّرجمة وهو قوله (( ومتى يجب عليهم الغسل ) )فتفطَّن، ورجال إسناده ما بين بصريٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ. وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الصَّلاة ) ) [خ¦879] و (( الشَّهادات ) )أيضًا [خ¦2665] ، وأخرجه مسلم في (( الشَّهادات ) )، وأبو داود في (( الطَّهارة ) )، والنَّسائي، وابن ماجه في (( الصَّلاة ) ).
وقد احتجَّ بظاهر الحديث أهل الظَّاهر، وقالوا بوجوب غسل الجمعة، ويحكى ذلك عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والمسيب بن رافع.
وقال صاحب «الهداية» وقال مالك هو واجب. قال العيني نَقْلُ هذا عن مالك غير صحيح، فإنَّ عبد البر قال في «الاستذكار» وهو أعلم بمذهب مالك لا أعلم أحدًا أوجب غسل الجمعة إلَّا أهل الظَّاهر، فإنَّهم أوجبوه.
ثمَّ قال روى ابن حبيب عن مالك أنَّه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو؟ قال هو سنَّة ومعروف. قيل إنَّ في الحديث أنَّه واجب قال ليس كلَّما جاء في الحديث يكون كذلك. وروى أشهب عن مالك أنَّه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو؟ قال حسن، وليس بواجب، وهذه الرِّواية عن مالك تدلُّ على أنَّه مستحبٌّ، وذلك عندهم دون السنَّة.
وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث وعن أمثاله التي ظاهرها الوجوب أنَّها منسوخة بحديث (( من توضَّأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ) ).
فإن قيل قال ابن الجوزي أحاديث الوجوب أصحُّ وأقوى، والضَّعيف لا ينسخ القوي؟
فالجواب أنَّ هذا الحديث رواه أبو داود في (( الطَّهارة ) )، والتِّرمذي والنَّسائي في (( الصَّلاة ) )، وقال التِّرمذي حديث حسنٌ صحيحٌ.
ورواه أحمد في «سننه» ، والبيهقيُّ كذلك، وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» ، ورواه من الصَّحابة سُمرة بن جندب عند أبي داود والتِّرمذي والنَّسائي، وأنس بن مالك عند ابن ماجه، وأبو سعيد الخدري عند البيهقيِّ، وأبو هريرة عند البزَّار في «مسنده» وابن عديٍّ.
فإن قيل أفضلية الغسل على الوضوء تدلُّ على الوجوب وإلَّا لثبتت المساواة؟
فالجواب أنَّ السنَّة بعضها أفضل من بعض، فجاز أن يكون الغسل من تلك السُّنن. فإن قيل ما ذكرنا مقتضٍ، وما ذكرتم نافٍ، فالأوَّل راجح.
فالجواب أنَّ قوله (( فبها ونعمت ) )نصٌّ على السنَّة، وما ذكرتم يحتمل أن يكون أمر إباحة، فالعمل بما ذكرنا أولى، فليتأمَّل.