فهرس الكتاب

الصفحة 1393 من 11127

877 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، وفي رواية (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) أي إذا أراد أحدكم المجيء إلى الجمعة؛ أي إلى المكان الذي تقام فيه الجمعة. وقد جاء مصرَّحًا به في رواية اللَّيث عن نافع ولفظه (( إذا أراد أحدكم أن يأتيَ الجمعة ) ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من اغتسلَ يوم الجمعة ثمَّ راح ) ) [خ¦881] وهو صريحٌ في تأخُّر الرَّواح عن الغسل.

(فَلْيَغْتَسِلْ) وذكر المجيء باعتبار الغالب، وإلَّا فالحكم شاملٌ لمن كان مجاورًا للجامع، ومن هو مقيم به، وقالت الظَّاهرية إنَّ الأمر فيه للوجوب،

ج 5 ص 8

وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ الأمر بالغسل ورد على سبب وقد زالَ السَّبب فزال الحكمُ بزوال علَّته، وذلك لما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النَّاس مَهَنَة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئاتهم، فقيل لهم لو اغتسلتُم [خ¦903] ، وسيأتي هذا في باب «وقت الجمعة إذا زالت الشَّمس» .

وفي حديث إسماعيل بن أميَّة عن نافع عند أبي عَوَانة وغيره كان النَّاس يَغْذُون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم ثياب متغيِّرة، فشكوا ذلك إلى رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( من جاءَ منكم الجمعة فليغتسلْ ) )فأفاد سبب ورود الحديث.

وبعضُ أصحابنا الحنفيَّة، قالوا إنَّ الحديث المذكور منسوخ بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت [1] ، ومن اغتسلَ فهو أفضل ) )واعترض عليه بأنَّه ضعيف فكيف يحكم به أنَّ الصَّحيح منسوخ.

وأُجيب بأنَّ هذا الحديث روي عن سبعة أنفس من الصَّحابة رضي الله عنهم، وهم سَمُرة بن جندب. أخرجه أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي عن قتادة عن الحسن عن سَمُرة فذكره. وأنس رضي الله عنه عند ابن ماجه والطَّحاوي والبزَّار والطَّبراني.

وأبو سعيد الخدريِّ رضي الله عنه عند البيهقي والبزَّار.

وأبو هريرة رضي الله عنه عند البزَّار وابن عديِّ.

وجابر رضي الله عنه عند ابن عديٍّ في «الكامل» .

وعبد الرَّحمن بن سَمُرة عند الطَّبراني.

وابن عبَّاس رضي الله عنهما عند البيهقيِّ في «سننه» ، وقال التِّرمذي حديث حسن.

واختلف في سماع الحسن عن سَمُرة، فعن ابن المدينيِّ إمام هذا الفن أنَّه سمع منه مطلقًا، ولئن سلَّمنا ما قاله المعترض فالأحاديث الضَّعيفة إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض أخذت قوَّة فيما اجتمعت فيه من الحكم، كذا قاله البيهقي وغيره.

وقال المحقِّقون من أصحابنا إنَّ حديث الكتاب خبر الواحد [2] فلا يخالف الكتاب؛ لأنَّه يوجب غسل الأعضاء الثَّلاثة، ومسح الرأس عند القيام إلى الصَّلاة مع وجود الحديث، فلو وجب الغسل لكان زيادة على الكتاب بخبر الواحد وهذا لا يجوز لأنَّه كالنسخ، وأمَّا إذا حملنا الأمر فيه على الاستحباب توفيقًا بين الحديثين كان الأمر أظهر من أن يخفى.

وقال الشَّافعي رحمه الله وممَّا يدلُّ على أنَّ أمر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغسل يوم الجمعة فضيلة على الاختيار لا على الوجوب حديثُ عمر رضي الله عنه حيث قال لعثمان رضي الله عنه والوضوءَ أيضًا وقد علمت أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرَ بالغسل يوم الجمعة [خ¦878] ، فلو علما أنَّ أمره على الوجوب لم يتركْ عمر عثمان رضي الله عنهما حتَّى يردَّه ويقول ارجعْ فاغتسلْ.

وقال ابنُ دقيق العيد في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستُدِلَّ به لمالك في أنَّه يعتبر أن يكون الغسل متَّصلًا بالذَّهاب، ووافقه الأوزاعي واللَّيث. وقال الجمهور يجزئ من بعد الفجر، انتهى.

وقال صاحب «الهداية» ثمَّ هذا الغسل؛ أي غسل يوم الجمعة للصَّلاة عند أبي يوسف؛ يعني لا يحصل الثَّواب إلَّا إذا صلَّى صلاة الجمعة بهذا الغسل حتَّى لو اغتسل بعد الجمعة أو أوَّل اليوم وانتقض ثمَّ توضَّأ

ج 5 ص 9

وصلَّى لا يكون مدركًا لثواب الغسل وهو الصَّحيح. واحترز به عن قول الحسن بن زياد فإنَّه قال لليوم، إظهارًا لفضيلته، وبقوله قال داود، وفي «المبسوط» وهو قول محمد.

وفي «المحيط» وهو رواية عن أبي يوسف، فعلى هذا عن أبي يوسف روايتان، ثمَّ إنَّه لو اتَّفق يوم الجمعة ويوم العيد أو يوم عرفة وجامعَ ثمَّ اغتسل ينوب عن الكلِّ.

وفي «صلاة الجلابي» لو اغتسلَ يوم الخميس أو ليلة الجمعة استنَّ بالسنَّة لحصول المقصود وهو قطع الرَّائحة الكريهة، هذا وقيل من اغتسل ثمَّ اشتغل عن الرَّواح إلى أن بَعُدَ ما بينهما عرفًا فإنَّه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة التَّرك، وكذا إذا نام اختيارًا بخلاف من غلبه النَّوم أو أكل أكلًا كثيرًا بخلاف القليل.

وقال القسطلانيُّ ومقتضى النَّظر أنَّه إذا كانت الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة التنظُّفَ لرعاية الحاضرين من التأذِّي بالرَّوائح الكريهة حال الاجتماع فمن خشي أن يصيبه في أثناء النَّهار ما يزيل تنظُّفه استحبَّ له أن يؤخِّر الغسل إلى وقت ذهابه، كما مرَّ عن مالك، وبه صرَّح في «الرَّوضة» وغيرها.

ثمَّ إنَّ مفهوم الحديث أن لا يشرعَ الغسل لمن لا يحضرها كالمسافر والعبد فقد صرَّح به في رواية عثمان بن واقد عند أبي عَوَانة وابن خزيمة وابن حبَّان في «صحاحهم» ولفظه (( من أتى الجمعة من الرِّجال والنِّساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل ) )وهو الأصحُّ عند الشَّافعية، وبه قال الجمهور ما عدا أكثر الحنفيَّة.

ثمَّ إنَّ هذا الحديث أخرجه مسلم والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول على المنبر (( من أتى الجمعة فليغتسل ) )، وابن حبَّان في «صحيحه» ، وأبو عَوانة في «مستخرجه» وابن خزيمة والبزَّار.

وروى ابن ماجه أيضًا من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ هذا يوم عيد جعله الله للنَّاس، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل ) ). الحديث.

[1] في هامش الأصل قوله (( فبها ونعمت ) )أي فبالسنة أخذ أي بما جوَّزته من الاقتصار على الوضوء، ونعمت الخصلة هو ومعها الغسل أفضل. منه.

[2] كذا في العمدة ولو قال خبر واحد لكان أجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت